بعد أن تناولنا النص من ماقبل العتبة ومروراً بالثريا ومن ثم الخاصرة والبؤرة وانهيناه بانين خاص.. نعود لنكمل جولتنا في هذا النص الكافر.. إذ لم تكن الورقة الأولى نهاية المطاف، حيث أن النص زاخر بالمفردات، ولكل مفصل له مثابات اشتغال.
وكما اسلفت اني ابتعدت عن المصطلح، كونه يدخل القارئ بمتاهات التوعير المصطلحي واللغوي، هذا من جانب، ومن جانب آخر ارتأيت أن يكون تناول الخاتمة مختلفاً نوعاً ما، وهذا ما سيجعلني أشتغل عليها وفق اتجاه مختلف عن الإتجاه السابق، وألجه من مدخل مختلف أيضاً.
النقد الجمالي يعتمد على تحليل النص استناداً إلى قواعد الفن والأدب الجمالية، وبالحقيقة ان الخاتمة كانت مستوفية كل شروط النص الكامل والمستقل بشخصيته.
وهنا بات عليَّ أن أستشهد ببعض ماقاله أساطين الفلسفة بالجمال..
كون الفن صورة من صور التفكير، وحين تطوره يتأسس نظام معرفي جديد.
وهي الدراسة التنقيبية في المشاعر ذات الطابع العاطفي.
(هل تلمني
إن رقصتُ الحزن سعداً واحترفتُ النار بُرءاًً
في وميضٍ من دُخانِ)
وبما أن الجمال منظومة مشاعر مختلفة بين الوعي والبناء النفسي تتحكم بها عوامل مجاورة وأهمها العوامل الإجتماعية والقيم السائدة.
ابتدأت الشاعرة بسؤال له جواب مسبق، وهذه مسألة طبيعية تماماً، حيث اردفت السؤال بـ إن رقصت الحزن سعداً واحترفت ر برءاً.
ووفقاً لما أسسه فيثاغورس بالجمع بين العلم والدين وعدَّ العلم والدين أساساً في تطهير الروح.
قد يتساءل احدهم عن علاقة العلم بالشعر، وهنا أجيبه أن اللغة ككلمات مفردة لا تعني شيئاً إن جاءت فرادى، أما إذا اجتمعن كـ (لمَّة النسوان) يتحول الأمر إلى معادلة علمية تودي إلى نتيجة، ومن هذه المنتجات لغة تعليمية، ولغة دينية فقهية أو وعظية، ولغة شعرية مختصة بهندسة المشاعر المشتغلة على منطقة العاطفة.
وعوداً على سؤال الشاعرة المبني على جواب وكأنه جواب شرط.. هنا كانت باللاشعور نعي ان الرقص واحتراف النار (وهذه تحتاج إلى شرح مختص بها) تتعارض شعورياً مع قيم فرضتها أعراف وسنن دينية، ولكون الشاعرة منتمية لدين معين وبيئة معينة ومن انحدار طبقي معين، فإنها محكومة بنوامس عدة، ومن اللاشعور تطلق مفردات تعتقدها من التابوات المحرمة إذا قيلت علناً.
وإعجابي بهذه الشاعرة لم يكن منتج فراغ عاطفي أو جفاف إنساني، بل جاء كمعادل موضوعي لما تمتلكه من بدائل عاطفية متناقضة، لكنها تؤدي مغزى واضح المعالم، ولكن لايفهمها إلا من عشق الشعر، إذ تجبر المتلقي على عشق الشاعرة ذاتها.
(إن رقصت الحزن سعداً)
جملة لايرسمها بعد تصور إلا من هو برتبة مجنون، كونها خلقت من المتناقضات جملة سحرية.. وهذا يعود باللاوعي الجمعي إلى أصل فرعوني، ومؤشرات فيثاغورس التي أوردناها آنفاً.
(واحترفت النار برءاً)
وهذه الجملة لها ماللجملة اختها الأولى، ولكن الاشتقاق الصوري / وهذا طبعاً يختلف عن الإشتقاق اللغوي / الذي وافتنا به بنت الحسين، لنستجمع عصارة مافهمناه لكي نحصر هذه الجملة المترامية الأطراف، وهي جالسة مسترخية، وربما تحتسي كأس عصير وتنظر إلينا نظرة مجانين.
لنقرأ
(في وميض من دخان)
والله يا منية لم أبالغ حين قلت لك أنت والشاعرة الأخرى التي برتبتك جنوناً، أنكما متلبستان بشياطين لم يمروا عليَّ من قبل رغم معرفتي بكل عائلة الشياطين تقريباً.
وميض من دخان!.
وهنا أشحذ ماقاله فيثاغورس، حين قال : ألجمال نتاج عقلي منبثق من تنظيم أشياء متنافرة، بمجوعة كلمات مختلفة الوظيفة.
(وميض من دخان) هذه اجهضت ممكناتي لولا حضور أرسطو الذي وضح عِلّة هذا بعملية قيصرية، إذ قال : إن تنظيم البيئة الحسية وتشكيلها عند الشعراء يكشف المتماثل من المتفقات البيئية بعد أن يزيل عنها ماهيات المادة المحسوسة.
(يخرب بيت عقلك يا بنت الحسين)
من أين استوحيت هذه المعادلة لتوظيفها بهذا الشكل، ولا اريد التعمق أكثر بشرح هذه الصورة فرويدياً، كون المكان لايسمح بذلك، حيث هو ملتزم بقوانين إجتماعية وثقافية قد لايدركها البعض.
وما سأستشهد به في أدناه تأكيد فرويدي واضح، ولكني سأرجئ شرحه إلى محاضرتي لطلبتي في مادة (فلسفة علم الجمال) وسارسل المادة فديوياً للشاعرة.
واخترعتُ العمرَ كوخاً فوق شطّ من حنانِ
(هاجعاً في العمقِ منّي .. سابحاً خلف الزمانِ
واستقيتُ الغيمَ خمراً في كؤوسٍ من فضيضٍ كالجمانِ
وارتوينا من حليبٍ كالزّلالِ ؟)
ولكني أرجو التوقف عند الجملة الأخيرة، كي تكون شاهد تحليل لما أوردنا.
(يانديمَ الروحِ
قد أغمضتُ عيني)
هنا قد يراها المتتبع غير الشاعر أنها حالة نشوة طبيعية أو إنكار لحالة لاتريد رؤيتها، لكن المعتى الأدق ليس هنا، إذ أن هذه الجنية لاتتكلم كباقي مخلوقات أمة لا إله إلا الله، بل لها مسارب وكنايات واحتيالات لايفقهها إلا من راقب منية الحسين بدقة حسود، وأنا كناقد كنت أراقب حتى تعليقاتها ومداخلاتها لأحدد فصيلة دماغها، وأدخللابد من خلق متعة خ في مسامات الحرف الذي تنطقه.
ووفق ماقاله أرسطو أيضاً، فيما يخص ما أسلفناه تواً :
لا خير من اللذة إن كانت موجهة إلى الخير فقط (والخبر هنا تعني الفائدة المجتمعية) بل لابد من خلق متعة آنية لإفراغ شحنة معينة.
هل تراني في رحيلِ البيْنِ عنّي
في هزيعٍ هام ليلي
هل سمعتَ اللحنَ يشدو دِفق وجدي
أم تلاشى عزفُ نبضي في أنينِ الخيزرانِ ؟
ومازالت تسأل، وكأنها بريئة جداً
هناك مبدأ استخباري، يقول لا تقع في حب العميل، وهذا طبعا ينطبق على كل المهن التي تستوجب الدقة وعدم التعاطف، ولكن هذه المجنونة أجرتنا على التعاطف معها حد التغزل.
ورب سائل يسأل لماذا؟.
جواب يكون على لسان الفأرابي صاحب النظرية الإستشراقية الشهيرة، إذ يقول ما وعته مجنونتي منية، بلا عناء تعب لقراءة الفلسفة، وهذا ليس من فراغ، بل من وعي كبير وإدراك لأمور قد لايدركها الكثيرون.
ودليلنا حين ميزت في الابيات الاخيرة بين حالتين نظّر لهما الفأرابي بما يلي :
ألجمال نوعان.. ألأول هو الحسي المادي الغريزي، والثاني عقلي يعتمد التفكير والتأمل الذي يعتمد المعرفة الإستشراقية.
بعد هذا ويسألك من لايدرك حتى رسالته الشخصية، لما تتعاطف مع منية الحسين؟.
عجبي.