نهضت من النوم متثاقلة تجر أقدامها ….رأسها ثقيل تكاد تشعر بأنها تحمل جبالاً فوق أكتافها المرهقة ورقبتها الدقيقة التي تبدو اليوم أرفع وأصغر من المعتاد ….جرت أقدامها تغالب أعين مغمضة تحاول فتحها بصعوبة بالغة فتنجح في فتح شق في كل عين …يدلها على الطريق الذي تسلكه للخروج من غرفة نومها .
حاولت غسل وجهها وهي تمشي كما مومياء خرجت للتو من قبوها رشت وجهها بقطرات من الماء البارد ….تحسست جسدها …ثقيل جداً …ولكنها لا تتألم منه كالعادة , توجهت للمطبخ أعدت لنفسها فنجان من القهوة ..تناولت علبة سجائرها ..سحبت واحده أشعلتها وهي تحتسي القهوة كان هذا ما يثبت لها أنها ما زالت تتنسم الهواء وتعيش الواقع , توجهت نحو جهاز الكمبيوتر ..دخلت لقراءة الصحف اليومية والإلكترونية ..بدأت بالأخبار ليس هناك ما يسر وإن كان …هل تراها على استعداد للسرور ؟؟!! ..انتقلت لصفحة الوفيات ..بدأت تقرأ الأسماء كانت تبحث دائما عن عمر المتوفى حتى تتحسر إن كان صغيرا بالعمر مع الترحم عليه أو تترحم فقط إن بلغ من العمر عتيا …وتتساءل بينها وبين نفسها كيف أفنى عمره وما ذا عمل في هذه السنوات ؟؟ …غارقة في القراءة عندما لمحت الاسم ..عادت للاسم مرة أخرى نعم نفس الاسم !! يا إلهي !!….ماهذا ؟ فركت عيونها بيديها وعادت لتطالع الاسم من جديد نعم لم تخطيء في القراءة أنه نفس الاسم ….نهضت مفزوعة …تحسست جسدها …ما زال يتحرك …وضعت يدها على جهة القلب ما زال ينبض …ما هذا إذا ؟؟
من فعل هذا وكتب النعي ؟؟
عادت للجهاز أخذت ورقة وقلم ودونت مكان العزاء ..ركضت باتجاه غرفتها ارتدت ملابس سوداء وتناولت حقيبتها وتوجهت للخارج ….أشارت لسيارة أجرة لتقلها لم يتوقف السائق …لم تكلف نفسها عناء التساؤل عن السبب …مشت المسافة على الأقدام ..كانت تحيي بعض المارة ممن تعرفهم بحكم الجوار لكن أحداً منهم لم يرد التحية أو لم يكن أحداً منهم قد تنبه لوجودها أو حتى وقعت عينه عليها وهي تسير ماشية صوب دار العزاء.
وصلت أخيرا لدار العزاء …اتجهت صوب مكان النساء دخلت الغرفة كانت ممتلئة بالنسوة اللواتي حضرن لعزاء الأم بابنتها …جلست بجانب بعض النسوة كن يتحدثن بصوت خافت ..لا يجوز على الميت غير الرحمة ..كانت متكبرة مغرورة لم تزر أحداً يوماً ولا تحب أن يقوم أحدٌ بزيارتها …قالت لهن مخاطبة : لا لم تكن كذلك فقد كانت متواضعة جدا …لم ينتبه أحد لوجودها كانت تتحدث كمن يحدث نفسه ..غيرت مكان جلستها وتوجهت صوب جماعة أخرى من النسوة اللواتي جلسن بمجلس العزاء ..كانت أحداهن تخبر البقية : لقد كانت مصابة بمرض نفسي لذا كانت تقفل على نفسها الباب ولا تزور أحداً حتى لا يكتشف أحد أمرها ..قالت لهن محدثة : لا لم تكن كذلك ..وذهب صوتها أدراج الرياح فلم ينتبه أحداً من الحضور لوجودها
لذا قررت أنه لا بد من التصرف الآن لا يمكن أن أنعى وأنا ما زلت حية : هكذا قالت تحدث نفسها رحماك ربي ماذا يحصل ؟؟ بدأت في الصراخ بأعلى صوت لست ميتة ..لم أمت بعد مازلت هنا ..ما زلت أتنفس ..ما زال قلبي ينبض .. لم يلتفت إليها أحد .. لم يكن وجودها ملحوظ بالنسبة للبقية …شعرت بقلبها سيتوقف عن النبض ….بوادر انهيار عصبي ..موجة تكاد تجتاح كيانها فتطيح بها أرضاً لم تتمالك نفسها ..ركضت خارجة من بيت العزاء توجهت لمنزلها فتحت الباب وصفقته خلفها ….توجهت صوب غرفتها تبحث عما يثبت لها بأنها ما زالت تعاشر الحياة وأن ما حدث لا يعدو كونه كابوساً مزعجاً تسلل لليلها ..توجهت للمرآة تبحث عن ظلها أو ما يثبت أنها ما زالت موجودة ….وجدت نفسها كما كانت لم تمت نعم ظهر في المرآة بعض اللون الباهت المصاحب لانعكاسها على صفحتها وبعض الشحوب ولكن أبداً لم يكن هذا دليل موت
مسحت المرآة بيدها فبدأت الصورة بالاختفاء لم يعد هناك ظلٌ ولا حتى بلون باهت …لملمت نفسها وتكورت على كرسيها …تنتظر ما لا تعرفه لتتأكد أنها ما زالت على قيد الحياة
العزيزة رائدة
قرأت هنا قصة جديرة بالثناء
الموت .. هذه الحقيقة المؤلمة
أغرت الكثير من الكتاب وكل تناولها على طريقته
أنا أيضا واحدة من الذين كتبوا عن الموت والروح أكثر من قصة
أحييك على جمالية السرد وحسن الإختيار.
العزيزة رائدة
قرأت هنا قصة جديرة بالثناء
الموت .. هذه الحقيقة المؤلمة
أغرت الكثير من الكتاب وكل تناولها على طريقته
أنا أيضا واحدة من الذين كتبوا عن الموت والروح أكثر من قصة
أحييك على جمالية السرد وحسن الإختيار.
==================
الرائعة سولاف
شهادة أعتز فيها من مبدعة تجيد استخدام الحرف
الموت كل يراه من منظوره وكل عاشه أحيانا
أو ظن أنه أقرب له من الحياة
أتابع لك ما تكتبين بنهم شديد
أشكرك على المرور
محبتي
==================
سيدتي الغالية
تحليل راقي وعميق للمضمون
نعم هي محاكاة للذات بحروف الأخرين
الصور القاتمة لمثل هذه الإنسانة منتشرة وبكثرة
سعيدة بمرورك جدا
محبتي
المبدعة رائدة
قصة جميلة وممتعة بلغة قصصية شفافة وتناول
الوجه الاخر من الحياة بهذه الحبكة الجميلة بلغة الراوي العليم، بينما بطلة القصة
تناولت الوجه الاخر من الموت بطريقةالبنية الانزياحية للنص السردي(طغيان الرؤية الذاتية)
شكرا على هذا النص الجميل