بين النور والعتمة . . .
-----------
يقول سيد رحمه الله:
" حين يتمحض الشر ، ويسفر الفساد ، ويقف الخير عاجزا ، والصلاح حسيرا ، ويُخشى من الفتنة بالبأس ، والفتنة بالمال. عندئذ تتدخل يد القدرة سافرة متحدية (*)، بلا ستار من الخلق، ولا سبب من قوى الأرض، لتضع حدا للشر والفساد " ا.هـ (**)
قلت :
(1)
الغائب الذي ينوب عنه ضميره في هذه المعركة ، طرفان يمثلان كفتا الميزان الشائل
تحوي هاتان الكفتان فهوما مشتجرة ، تنتمي إلى سلوكيات متباينة ، تتوزع في النهاية بين :
قاهر ومقهور - ظالم ومظلوم - وعتمة ونور ...
(2)
الطرف القاتم في هذه المعادلة المائلة يأتي أبدا بصيغة الجمع (كثرة ) بينما يجئ الطرف الآخر بصيغ هزيلة ، لا تبلغ - إلا نادرا - أن تكون جمعا ذا بال ، إنها القلة التي تحلم بشمس تنسخ ما تراكم من سواد
والقلة هنا والكثرة هناك ، هما ناموس الحياة ، وقد جرت بذلك سنة الله في كونه ..
إنه قانون الفئة القليلة التي ترفع وتجمع ، في مقابلة الفئة الكثيرة التي تخفض وتطرح ..
في هذا المشهد المزدحم ، تبرز الفئتان بهذه الصفة غير المنفكة ، ليؤكدا على شراسة مرحلة ما قبل النور..
وهي مرحلة تنتمي في تفاصيلها لأسراب من معاناة ، تتوارد تترى ، لتذهل كل ذي لب وتخلع القلوب من صدورها
في هذه البقعة غير المباركة ، تُستَحل الحرمة .. ويباح المحظور .. وتنتهي الاضداد..
فليس ثمة قانون يهدي ، ولا عرف يكبح ، ولا عقل يكف
(3)
تسقط الأقنعة ، ويرن زيف العملة البائدة ؛ ليحدث ضجيجا مريعا ينبئ عن خوار مخيف .. ترتاع الفرائص الساذجة من هول الصدمة المنسيّة ، وتشده العقول أما مشهد المحو والإبادة..
هنا يبرز على السطح ما يمكن ان نسميه بالكتلة المتميعة التي تقف بين حدين متقابلين ، لا تدري إلى أيهما تفيء..
الأذن وحدها هي الحاسة الأكثر ريادة وسيادة بين الحواس الخمس عند هؤلاء ( وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ)..
(4)
تعلو الحناجر الآثمة بخوارها المستعلن ، لتطمس المعالم ، وتقلب الحقائق . . .
فيصبح الذي يتضور جوعا ... لصا يسرق..
والذي يتشقق كبتا وقهرا ... ارهابي يتاجر بالوطن (المعبود )
والذين يهرعون نحو النور ... مجانين يسيرون على درب صنع على عين الشيطان..
ويُصدق الأرعنُ - وما أكثره هنا - هذا الخوار ، استخذاءً وممالأةً ودِعَة
فينقلب صدى أخرقا له..
يسير على وقع كلامه ، وينافح عن كينونته السوداء،وينحدر في درك الغواية ، متوشحا بالعتمة ،ومتدرعا بالخيال..
ويسد بجسده المستأجر ؛ نورا قد بدا ..
(5)
ثم ماذا ...
في وسط هذا الضجيج المخيف ، ينتصب قرن الشيطان المعكوف على كرسيه الموشى بلوعات البشر .. ينذر ويوعد .. ويبشر احيانا !
يعلو بقامته ، يرغي ويزبد ، وتغط رجلاه في جثث تتراكم ، وأعناق تندق
ويشرب بهدوء زائف ، وبسخرية مُعدّة سلفا ،كل الدم المسفوح
ويعلن بكل صفاقة وعهر ، عن عهد جديد يأتي من (عنده) ،
عهدٍ ظاهره الرحمة ، وباطنه من قبله العذاب
(6)
وتمضى القافلتان ...
أنياب زرقاء تقتات على اللحم
وأفواه مُوصدة تزمجر غضبا ، في يوم النحر الأكبر
يطول الليل ثم يأذن النهار بغلس .. ثم تشرق الشمس بعد حين .. لتغشى بنورها تلك الثلة المختارة التي تقطف وحدها ثمار الدم الذاكي ... (***)
*****
_____________________
(*) التعبير بهكذا صيغة لم استسغه ، وأخشى أن يكون به بأس .
(**) الظلال - سيد قطب رحمه الله
(***) حقيقة كانت هذه الأطروحة مداخلة سريعة على إثر موضوع هادف , رايت - بعد تهيئة يسيرة - ان افردها بعنوان مستقل ، لما احسبه فيها من نفع إن شاء الله تعالى ، أرجو أن أكون قد وفقت في هذا .