بسؤال كوني ابتدأت القاصة متعة الولوج الى عالم الجنون.. ثم استدركت بجنون رحيم، وأضافت حكمة كبيرة حين أعلنت عن "انهم عقلاء حد الجنون"
وهذه نقطة نظام وعلينا التوقف عندها، كونها تخاطب الجنون المتفرد، لا الخَبَل والعته.
فالنرجسية.. مبادرة اشتراطية يقذفها المبدع في وجه الواقع، لاستقطاب النظر لا البصر.. وهذه أول محاولة يمارسها السيد (م) لمقاصد بعيدة، حيث يصدم المتلقي بهيأة، وشكل غريب.. وهي أيضا محاولة يمارسها المبدع - أحياناً - ليستفز أسئلة عن المستوى التكويني لشخصيته.
وما أرى القاصة إلا قد اكتشفت اللعبة منذ خط الشروع.. فتناست الأمر كي لاتغوص في مجاهل وارتياب.
وحين شعر الأستاذ (م) أنه سيفقد زمام الأمور، بادر إلى سحب القاصة إلى ميدانه، لتكون بمدى قصف الجنون، ولا سواتر تحميها.. فاستدعاها إلى المشفى العقلي الذي يقطنه بإرادته.. كونه مؤمن أن الجنون هو خط التالوك الذي يمكنه ركوبه دون عناء الانتماء إلى إلى ضفتي الحياة.
وهذا استهلال رائع للنص، أي أنها قامت برسم الطريق الذي ستقودنا إليه، بدون أن نمارس هواية المعارضة.
ثم قامت القاصة بإطلاق أول صوريخ القصد .. بجملة عن لسان البطل "طلبتك كي تشهدي معي كيف سأحرر هؤلاء العبيد ليعيدوا بناء العالم"
وبمحاولة لتهدئة النفوس من أثر الصدمة رسمت شخصية البطل الانطوائية وأثارت قيماً تعاملية مبتكرة للتوصيل.
لكنها أبقت على الصراعين - صراع بين البطلين، وصراع بيني، أي بين الأبطال وذواتهم - وهذا فعل في القص غير بسيط.
وأرادت ان تطلق صوتاً هاتفاً لإيجاد منظمات للرفق بالإنسان، بتراكيب لغوية، وصياغات سردية باذخة الأناقة.
وفرض محاولة لتعمية الزمان تماماً، في عز العقدة والصراع.. إذ أن التطهير جاء خلال السرد، وهذه فنية عالية تشي باحترافية الكاتب.
فمكونات النص واضحة، لكن العقدة والصراع متسيدان المشهد كله.
أما القفلة أو الخاتمة.. فكانت من أهم أسرار القصة، أي انها عززت ثريا النص بالخاتمة، أما البؤرة فكانت مراوغة مقصودة لجذب المتلقي او القارئ لتكملة النص، ومن ثم إطلاق رصاصة الرحمة وتوضيح القصد.
ومن هنا أود أن أقول.. أن للأستاذة الأنصاري التي استغلت الحكاية لبث أفكار باذخة الخطورة، أسلوب خاص ومقتدر في الصياغة القصصية.
يثبت
مع رفع القبعة للقاصة المبهرة ازدهار الأنصاري.. ومحبتي