نقوش على وريقات خريفية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ عمر مصلح
قراءة في نصوص خريف طفلة
حين تجلد الريح أبواب العيد بسياط كانونية .. تترنح وريقات الفرح الآيلة للإصفرار, وتتساقط المباهج مضرجة بالنواح , وتخبو رائحة البخور .. وتصر النوافذ على تكتيف أذرعها , لينهال البوح كذرات تراب أعلنت العصيان على الزجاج الملون
( نهش الحزن بذاتي )
( ريح شوقي استيقظت فيَّ وجلدي )
( وخريفي يتمدد )
ألأصرار على أن الخريف تمدد يعني فعل آني , وتحصيل حاصل لما مضى , بعد أن ( نهش الحزن ) .. فاستلقى الخريف / التساقط على الشهقات , مما أثار الذات الشاعرة على التوسل به / الوطن أن يداهم الفقدان , كمحاولة للبقاء على قيد الأمل.
( إعتصرني يا حياتي )
وهذا توظيف باذخ الأناقة , حين تغريه بالثمالة من عصارة ثمرات النخيل
( لترى لهفي خمراً )
( عندما تسقط أرضاً في جراري )
( عند ) المكانية زحفت عمدا لإزاحة الزمن , وغيَّبت ( حين ) , لتتعتق مكانياً , في جرار الروح.
( يسكر العشب بنشوى .. يتهادى , يترنح )
فعصارة التمرة العراقية التي يخالطها ماء الفراتين تعلن عن بياض ناصع , يغري العشب بالترنح , بعد أن داعبته نسائم نيسانية , كأنثى مغناج.
تنتعش صورة الطفلة التي تعبث بشعرها الرياح لترسم لوحة يتلقفها الحس البصري كشاهد على جريمة الفصول.
فتوجعها الحروف حين يردد الفضاء ما تعلنه المنائر المرتعشة امتثالاً ورهبة .. فيتكسر صدى الـ ( آه ) أكبر بعد تشنيف الأذن بصوت بلالي حاسم بأن (( الله أكبر )).
تكتظ الأصوات على النسغ الصاعد للقلب من جامع (( الخلفاء )) و (( الحيدرخانه )) و (( حنّان )) و (( الإمام الأعظم )) و (( الكاظم )) و (( الأحمدي )) و (( الحسنين )) .. تعضدها نواقيس كنيسة (( الأرمن )) و ((الكاثوليك ) و (( سيدة النجاة )) و (( مار يوسف )).
فتقف الأسئلة المشاكسة منذهلة
لماذا نعيش
لماذا نموت
لماذا ....
فتتطوع الشاعرة فتهمس
( حتى المآذن ترتجف )
( وقت الاذان )
( وصوتنا المبحوح ضيعه الزمان )
( في الإزدحام )
أي زحام ذلك الذي ضاقت به دروب الروح , وغصت به الذاكرة !.
أي رعب ذلك , حين يشتبك الحابل بالنابل !.
أية عتمة تلك التي يكتب الصمت على قارعة العاطفة (( هناك أجمل )) , فيشن الحزن غزوة بربرية تعبث بأناقة المرافئ !.
( غزاني الحزن .. قيَّح لي عيوني )
تسيل حبات الدمع الملونة بالكحل , من عيون مترعة بالصور .. تتسلل في غَبَش الذكريات .. لكن حلكة الروح تجبر الشاعرة على ترتيل :
( سواد الليل ألبسني ثيابه )
ترتعش الروح كطير بلله المطر , وكجنح مكسور .. يفز القلب حينما تتوارى العمائر المزوقة خلف دروب أدمنت الحب والحنان , وشرفات تكحلت خصاصها ببريق عيون الفاتنات , يسترقن النظر إلى (( الأفندي )) .. وابواب مشرعة للقادمين , منقبة بستائر لا تمل الرفرفة.
( سنبقى ندور لنلقى سكن )
ألوان زجاج الشناشيل يتبغدد على السواد , ويرتفع النشيج .. كمتصوف مجذوب يرتل
( احبك حباً .. كأنك أني )
( فإن بُح صوتي .. فدعني وشاني )
صوت يلهج بالتعاويذ والدعوات , ويطلب الـ (( مدد )) .. يستغيث بآل البيت وبالگيلاني .. لتردد مويجات دجلة (( عثمان انتشل ضحايا جسر الأئمة فدعوه ينام )).
تصدح منارة الأمام الأعظم (( حي على الصلاة )) فتجيبه منارة موسى بن جعفر عليه السلام (( حي على خير العمل )) .. والشاعرة متسربلة بسواد ليل ذات قلق .
ألحزن ذئب يعوي في شتاء الفقدانات .. والبرد يقض المضاجع .. ونديم المدفأة غادرته اللمسات مذ أفنته رصاصة .. وكلما بالغ البرد بالإرتجاف , صلَّ مكان الرصاصة ليزيد الإرتعاش جنوناً وانكساراً .. لينثال بوح أقرب إلى النشيج
( وعواء الروح في ليل الشتاء )
فتتسرب اللهفة خلسة إلى الدروب التي لا تكسرها (( الكسرة )) ولا (( الشماسية )) تقيها الهاجرة.
تجبرني شاعرية عواطف عبداللطيف بأن أتلملم حول النص كما الأهل حول المدفأة .. لي في كل أمسية احتضان يسامره الأنين , فتنتابني رعشة تتوسل الدفء بالإقتراب.
النص يوجعني .. وأحلام الصباح تدثرها أسراب حنين , وقوافل تمشي بصحراء الإرتجاف .. والمسافات تطول .. فلم يعد للتزوق والحلى مكان للإختيال , فدروب الدلال مطفأة الشموع , والفوانيس المترعة بالزيت تشكو احتراق الفتيل .. والعطر صار نمّاماً يشي ببقاياهم , والمعضد صار طوقاً ... والعقد وساماً للخسائر.
( لم أعد أحتاج عقدي والسوار )
( وثيابي لا جديد اليوم فيها )
( صار يكسوها الغبار )
فأي غبار ذلك الذي صادر غبار الطلع , ورائحة التراب !.
حتى الغبار تطوع للعبث ؟؟؟؟.
غبارهم عارٍ عن الصحة , وغبارنا يستر عري أرض السواد .. وخريفه معلن صريح
( أنا طفلة ولدت بأحضان الخريف )
( رافقت أمي في الطريق )
أنبيك سيدتي بأن الطرقات تغيرت
والطريق .. استبدلوا سمعته بشارع .. فطريقنا غير الشوارع .. طريقنا يمشي مع الجميع وخطوته وحده .. طريقنا يزخر بالتمائم .. فهنا (( دربونة أم سبع عيون )) على مقربة من خشية .. وهناك (( دربونة الصليب في عگد النصارى )) .. وفي آخر الطريق يلوّح (( الدرفش )) وهو يومئ إلى الماء .. وعلى ناصية الرهبة ثمة جمهرة للأهلة .. وبآخر المنعطف تلتمع نجمة درزية .. يبدأ الدرب رحلته من (( عگد اليهود )) مروراً بـ (( الطاطران )) و (( باب السيف )) و (( كمب الأرمن )) و (( مقبرة الشيخ معروف )) و (( السيدة زبيدة )) و (( عگد المجادي )) و (( العوينات )) و (( الدوريين )) و (( البتاوين )) وينتهي بـالأعظمية.
لا ضوء ينير الطريق غير مقل العذارى .. لا إشارات سوى وشم العجائز .. لا منبهات صوت غير (( صافورة الچرخه چي )) .. أقسم بالله , لا دخان.
تنثال الصور في روح الشاعرة , فتعاود هدهدة الروح بالـ (( دلللول )) .. لكن المخزر منشتل في النحر .. فيتسرب صوت أشبه بالنواح
( وأنا مثل الفرات .. وحيدة تبكي هناك )
( والقلب ينبض بالأنين )
هنا أخطأت الشاعرة .. كونها تركت الأنين لخفقان القلب .. لأنها هي من رعته منذ طفولته , ورعرعته بين الجنبات , وكبّرته بالغصة .. حتى صار سميرها حين داهمتها الغربة بجواز سفر مختوم بدم من زرع فيها الأمل .. فباتت تستغيث بضحى عواصف بريئة من الرحمة.
( أنادي كلما اجتاحت شراييني عواصفها )
تشكو الجفاف ولا مغيث .. فتنكص إلى مهد الحنان / إليه
( كلما اشتقت إليك )
( رفرفت روحي عليك )
تعود إلى حسن نوايا (( البرده )) التي لم تمل الرفرفة , مرحبة بالقادمين .. روحها المرفرفة مع كل طرقة نبض .. تتعثر كلماتها التي سبرت دروب الحنان في منعطفات الإغتراب .. .
فتركض لتقف بين ساقي العراق وتلف ذراعيها عليهما .. تتحصن بالرافدين اللذين عمدا الغيوم .. وتشم رائحة الـتنانير الطينية الموشومه بعلامة السخاء.
فتتشهى (( خبز عروگ )) القادم من بادية الغرب و (( خبز رگاگ )) الشمالي و (( خبز العباس ابو السمسم )) الجنوبي و (( خبز التفتوني )) الدخيل.
( خبز جاري في الفطور )
( وبأنواع التمور )
( وترانيم الصبايا في السحور ).
ملاحظة : حين شرعت بكتابة الخاتمة .. تسلل إلى سمعي صوت المرحوم داخل حسن وهو يغني
(( تعال وشوف هذا الليل , هذا اللي تنامه الناس ))
(( حرام انچان بي ساعة طرحت الراس ))
وحرام انچان عيني لجلجت للنوم ))
شلون ينام ليله اللي غطاه هموم ))
(( وفراشه حسچ سعدان ))
فوجدها أكثر وقعاً من أية كلمة سأقولها .. وختاماً أرجو أن أكون قد اقتربت من دائرة اشتغال الشاعرة.
• عگد : حي صغير
• دربونه : زقاق ضيق
• صافورة : صافرة
• الچرخه چي : ألحارس الليلي
• ألدلللول : تراتيل حزينة ترددها الأمهات لهدهدة الطفل كي ينام
• البردة : ستارة تعلق خلف باب البيت في البيوت البغدادية العتيقة
• انچان : إذا كان
• شلون : كيف
• حسچ سعدان : نبات شوكي ويثير الحكة بالجلد