الشيخ تقي الدين..
...
لا يعقل طبعا ان يكون كل من خالف شيخ الاسلام تقي الدين ابن تيمية في بعض مسائل الأصول او الفروع حاقدا او متقولا او ضعيفا..
المخالفون له انواع شتى.. فمنهم الصالحون ومنهم دون ذلك..
.
منهم العقلاء الافذاذ الذين خالفوه في (بعض المسائل) بلطف ، مع اعتبار قيمته العلمية الشامخة وانزاله منزلته التي هو اهل لها ،كلتميذه الحافظ الذهبي والحافظ سيدنا ابن حجر العسقلاني الأشعري وكالمتفنن الجلال السيوطي وغيرهم كثير ..
ومنهم دون ذلك ممن غلب عليه الشطط ولم يقف منه موقف الناقد المحب فتارة يقصيه وتارة يدنيه وأحيانا يرسل عليه الصواعق..
ومنهم متغيظون حقدة ، اهدروا قيمته ونسبوه إلى الضلال جملة واحدة.. وهم غلاة متعصبون اراذل.. غالبهم متكلمون مفترون ومنغلقون، لا يبلغون مبلغه ولا يدانون شأوه ولا يحاذون ركبه..
. وجل ماعندهم مجتمعين لا يبلغ عشر معشار ما عند الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى وغفر له.. ولا يبلغ الواحد منهم ان يكون مسمارا في نعل الشيخ رحمه الله وعفا عنه..
وأئمتنا الحنابلة (المفوضة) يعرفون له قدره، ينزلونه منزلته ،ويخالفونه بهدوء في بعض أرائه التي انفرد بها ، او تلك التي خرّجها على غير قواعدهم..
وكذا يخالفونه في قليل من ارائه الاعتقادية مع حفظ مكانته ولزوم قدره ..
واما من كفره ممن ينتسبون إلى العلم من الأشاعرة والماتردية وغيرهم ، فهم حثالة أقزام حمقى ... وما نراهم إلا حُمُر مستتفرة فرت من قسورة..
..
ولا مازال كثير من متعصبي الأشاعرة الازاهرة في زماننا يسارعون فيه ويخوضون في عرضه، اما تبرعا من عند أنفسهم، او تزلفا عند كارهيه من المتنفذين المعممين وغالبا ما بكونوهجومه بنقول تالفة عن محتالين مفترين من اعدائه السابقين .. او بلوغ غاية في قدحه لم يسبقه إليها غيره لا علاقة لها بالنقد والتقويم بل تأكيدا على صلب اشعريته... وكأنه إرث أشعري بين المتعصبين الذين لا يرى أحدهم انه لا تصح اشعريته الا بالنيل من شيخ الإسلام ونسبته إلى التجسيم..
ولكن لا تزال ثلة مؤمنه تتصل اصرتها عبر كل عصر من مخالفبه المنصفين الذين بخالفونه بأمانة علمية وفي ذات الوقت يذودون عن عرضه وينزلونه منزلته
ومن جميل الإنصاف، ونفيس المواقف العلمية، ما صدر عن الشيخ العلامة اللغوي الأزهري حسن بن عبد اللطيف الشافعي الأشعري حفظ الله مهجته، من ثناءٍ على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، مع كونه يخالفه، فيقول - حفظه الله - مادحًا شيخ الإسلام ومدرسته :
(كانت الموجة التجديدية والنقدية التي أثارها ابن تيمية في الكلام السني من أبرز أحداث هذه الفترة وأكثرها أصالة وتعبيرًا عن روح الفكر الإسلامي الأصيل، في مواجهة الخلط المسرف للكلام بالفلسفة، واستسلام الأشاعرة للمناهج الاعتزالية،
والهجوم الاثنا عشري على العقائد السنية، وقد قام تلاميذه -وإن كانوا أقل أصالة- على هذا الفكر في المراحل التالية، حتى كانت له أصداؤه وآثاره الإيجابية على حركات التجديد الحديثة في العالم الإسلامي، التي قد نعرض لها فيما بعد )
.
وكم اعجبني قول بعضهم :
"لا خلاف بين الباحثين المنصفين أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عاش في زمن استثنائي بالغ الاضطراب، شهد سقوط بغداد، واجتياح التتار، وتفكك السلطان السياسي، وأن هذا السياق أثّر في حدّة خطابه وقوة عباراته، خاصة في المسائل المتصلة بالحكم والولاء والقتال. وهذه حقيقة تاريخية لا يجوز إنكارها.
غير أن الإشكال لا يكمن في إدراك السياق، بل في تحويل السياق إلى أداة لتعطيل المنهج أو تقليص صلاحية الاستدلال بأقواله، وهو ما يوقع في خلل منهجي دقيق.
..
فابن تيمية لم يكن صاحب “خطاب ظرفي” معزول عن أصول الفقه، بل كان فقيهًا أصوليًا يشتغل على:
• القواعد العامة
• وتحقيق المناط
• وتنزيل الأحكام على الوقائع المتغيرة.
والتمييز الواجب علميًا هو بين:
• الحكم الشرعي (وهو عام ثابت من حيث الأصل)
• وتنزيله على الواقع (وهو متغير بتغير الأحوال)
أما القول إن “المنهج الذي وُلد في زمن السيف لا يُطبّق في زمن الدولة والقانون” فهو تعبير غير منضبط؛ لأن المناهج الفقهية لا تولد وتموت بزوال الظروف، وإنما تُفَعَّل بضوابطها الأصولية، لا بنقلها الحرفي ولا بإلغائها الكلي.
كما أن التحذير من إسقاط كلام ابن تيمية على واقع معاصر تحذيرٌ صحيح في ذاته، لكنه لا يصح أن يتحول إلى تحييد شامل لتراثه أو إلى إدانة ضمنية لكل استدعاء علمي له، وإلا لانسحب هذا المنطق على عامة أئمة الفقه الذين كتبوا في سياقات سياسية مضطربة.
ومن جهة عقدية، فإن توصيف ابن تيمية بأنه “أخطأ خاصة في مسائل عقدية خالف فيها جمهور أهل السنة الأشاعرة” يحتاج إلى تحرير علمي أدق؛ لأن:
• تحديد “جمهور أهل السنة” مسألة خلافية في كتب الاعتقاد
• والخلاف بين السلفية والأشاعرة في كثير من المسائل هو خلاف في طرائق تقرير العقيدة لا في أصول الإيمان،
• وقد قرر غير واحد من كبار العلماء أن ابن تيمية مجتهد في باب الاعتقاد، يُصيب ويُخطئ، ولا يُبدّع ولا يُقصى.
أما الاستشهاد بتعامل الأزهر مع تراث ابن تيمية، فهو استشهاد معتبر من حيث كونه نموذجًا مؤسسيًا في إدارة الخلاف، لكنه لا يجوز أن يُقدَّم بوصفه ميزانًا نهائيًا للصواب والخطأ؛ لأن العلم يُوزن بالدليل وقواعد الاستدلال، لا بالانتماء المؤسسي، والأزهر نفسه عرف تاريخيًا تعددًا في المدارس والمناهج.
وخلاصة القول: إن القراءة المنصفة لابن تيمية تقتضي:
• فهم سياقه دون تعطيل منهجه
• نقد توظيفه الخاطئ دون إلغاء الاستدلال به
• التمييز بين الفقه والتنزيل، وبين الاجتهاد والخطأ
• وعدم تحويله لا إلى “أيقونة صراع” ولا إلى “تراث مُعطَّل”.
فالتراث العلمي لا يُدار بالعاطفة ولا بالمواقف الآنية، بل بميزان العلم، حيث يُوقَّر العلماء، وتُوزن أقوالهم، ويظل الدليل فوق الجميع.
....
ظن البعض أن نفينا تهمة التجسيم عن تقي الدين رحمه الله ، أننا نوافقه في ما خالف فيه الإمام أحمد رضي الله عنه ، وعلماء المذهب في مسائل العقيدة ، وهذا فهم غلط علينا ، ولقد بينا ذلك في مقالات ومرئيات .
وبينا أسباب اظهارنا لخلافه هي :
1. مقلدوه واتباعه لما حاولوا جعل أقواله هي المذهب ، وهي الممثلة عن الأئمة وأن قوله مسلم لا نقاش فيه وهذا كله عندنا ممتنع ، بل ابتدع بعضهم بدعة وقال بأن تقي الدين مصحح اعتقاد المذهب وفروعه !!.
2. اتهام مقلديه لعلماء المذهب بالبدعة .
وبينَا أيضًا أن المتأخرين لم يتكلموا في مخالفته ، لأنه لم يكن في زمانهم أمثال المتعصبين المعاصرين له رحمه الله ، فاقتضى الأمر البيان والتشديد على ذلك ، لاسيما وأن مقلديه ليسوا على منهجه إلا في بضعة مسائل في الاعتقاد ، والفروع .
أما الوصول لحقيقة الخلاف من قبل مقلديه ، فهذا أمر يحتاج إلى أربعة شروط :
1.ديانة . تمنعه من اتهام العلماء والطعن بهم وسب مخالفيه.
2. وإخلاص ، لأنه بحث في الشرع يشترط لقبوله الإخلاص.
3. وتجرد . بأن لا يكون متعصبًا له أو للمذهب .
فإن قيل أنتم تتعصبون للمذهب ، قلنا : نحن نحافظ على مذهب بأسره . من الفوضى .
4.واتقان البحث العلمي بمعنى ( أن يفرق بين الثناء على العالم وبين خطأه).
اعتقادنا فيه أنه عالم مجتهد من علماء الأمة وفي المذهب الحنبلي ، ولكن لا نقدم قوله على المذهب في الفروع ، ولا نرى العصمة في كلامه كما يظن الغالبية من مقلديه ، وهو يخطئ ويصيب "
...
وبعد ..فاقول مطمئنا ان كل ما انفرد به الشيخ تقي الدين من مسائل ( اصولا وفروعا) هو اجتهاد صادر عن أهله قولا واحدا..
رحم الله الشيخ تقي الدين امام المعقول المنقول وصاحب العقل الذكي والقلب النقي
سلام من الله و ود ،
شكرللرفد و الإثراء ،
مع أنني من الفئة التي تخالف ابن تيمة في أمور جوهرية لا أريد أن أخوض بها - و لعلكم تفهمونني ، أخي و مبدعنا أ. الياسر- إلا أن :
جهودكم طيبة مباركة من لدنكم في تفصيل الأمور ؛
فجزاكم الله خيرا على هذا التوضيح و الجهد فيه...
لكم القلب و لقلبكم الفرح ...
أنعم و أكرم...!!
محبتي و الود