من قال أنّ الشواطيء لا تستقبل الأمواج ؟
من قال أنَّ العابرين إلى دوائر الحلم لا يرسلون أشواقهم مع الرّيح ؟
لم تكن المدينة مكتظة بالقاطنين فقط ، كان فيها من العابرين الكثير ...هؤلاء الذين كانوا يكتشفون الشوارع وينظرون للعمارات والإعلانات المعلقة على لوحات كبيرة كالوشم ...
الطرقات مزدحمة بالناس والسيّارات والإشارات والأحلام المؤجلة ، وذاكرة كما المدينة مليئة بالحكايات ، وأنا أحاول أن أستجمع كلَّ هذا الشتات ، وأهربُ من عقارب الساعة المتراكضة ، أريد أن أجلس في ركن ٍ فيه من الصفاء والهدوء ، بعيدا عن كلّ هذا الصّخب ...وجوهٌ كثيرة ألتقيها ، لا أعرف تفاصيلها ، أدخل في حوارات لم أقصد الدخول فيها ...
سائق سيّارة الأجرة ...في السيّارة التي أخترتها عن طريق الصدفة من بين السيّارات العابرة في الطريق المؤدي إلى حيث لا أدري ...كان مشغولا ًبجهاز جواله ، تارة ً يتحدث عبر الشبكة العنكبوتية مع آخر ...ثم ّ يقف على الإشارة الضوئية ، ويبدأ في كتابة الرسائل في محادثة نصية مستمرة منذ لحظة توقفه لي ...سمّاعة تلتصق بأذنه ، أشاطره مكالماته بالإستماع القسري ، ها هو يتحدث مع زوجته ، بلهجة الرجل الذي يقضي وقته يكدّ ويتعب ، ويطلب منها أن تخرج لتطلب من ابنهما الدخول للمنزل ...فالأجواء باردة في الخارج ...كانت نبرة صوته فيها من الضيق ، كيف لها أن تتركه خارج البيت في ليل بارد يلعب من الأطفال الذين سأل عنهم ، ابن من ؟ ولماذا إلى الآن خارج البيت ؟ رافضا مبررات الزوجة ...انتهت المكالمة ، بدأ مكالمة أخرى مع شخص آخر ...أنهى المكالمة ، وأخذ يشرح لي كيف أصبح الناس ...رجل يرجوه أن يبحث له عن شخص يعمل على سيارة أجرة ، وبعدما وجد له الشخص الذي يريد ، يتفاجأ بأنه ترك السيّارة لإبنه يعمل عليها ....لماذا يطلب مني ذلك من البداية ؟
ومن الطبيعي أن أتفاعل معه ، وأؤيده ، وأشاركه اللوم لذلك الذي سبّب له الحرج ...وأتفق معه في الحالة التي وصلت لها طريقة التعامل بين الناس ...
في مُدننا دائما ...سائق الأجرة يحمل الكثير من الحكايات والقصص ، وله معرفة واسعة في كل الأمور ، وما عليك سوى أن تتفق معه في وجهة نظره ، تؤيدّه ، وأنت تعلو ملامحك علامات الإعجاب بإدراكه للأمور وفق فلسفته العميقة التي يعرف من خلال كل شيء ...كل شيء .
كان عليه حسب الإتفاق بيننا ...أن يوصلني لمكان يبعد قليلا عن وجهتي حتى يتخلص من أزمة المرور الخانقة ...وشعرتُ عندما غادرته بفرحة السجين الذي يتلقى قرار الإفراج ...خرجت من سيّارة لا شيء لي فيها ، لا الأغنية التي تنبعث من مسجّل سيارته ...لا الحديث الذي يشغله عن انتباهاته وهو يقود سيّارته ، حتى الحديث الذي كان يتنقل فيه من مكالمة وأخرى وأجدني أشاركه رغما عني الإستماع لما يدور ...
كنت أريد أن أغادر ...وأجلس في ركنٍ فيه من الهدوء ما يكفي ، لأستحضرك معي ، وتجلسين على المقعد المقابل لي ...وتتركين جدائلك تغفو على أكتافك ، وأرصد ابتسامتك وهمس الياسمين المتدفق عبقا من حديثك .
المشكلة ليست بهؤلاء الأشخاص يا أستاذي
بل بنا نحن
لأننا لا نريد فتح سجال معهم كي لا يطول الحديث فنواقفهم على كل ما يقولون ونشهد لهم بصحته
فيحسبون أنهم غاية في الهضامة وإن الناس متشوقة لسماع تفاهاتهم
وهكذا نصنع منهم ابطال من وهم يتشكل بينهم وبين أنفسهم .
عمت مساءً يا مبدع .
المشكلة ليست بهؤلاء الأشخاص يا أستاذي
بل بنا نحن
لأننا لا نريد فتح سجال معهم كي لا يطول الحديث فنواقفهم على كل ما يقولون ونشهد لهم بصحته
فيحسبون أنهم غاية في الهضامة وإن الناس متشوقة لسماع تفاهاتهم
وهكذا نصنع منهم ابطال من وهم يتشكل بينهم وبين أنفسهم .
عمت مساءً يا مبدع .
كلامك جميل وفي الصميم نابع عن قراءة واعية وحضور لافت
سعدت بمرورك على الحلقة العاشرة من ( همس الياسمين )
يسعد أوقاتك
والشكر موصول لك
مساء الخيرات شاعرنا الوليد
هل تعلم أنني أتلذذ بتشتيت حديث الحلاق وسائق التاكسي ههههه وجعله يفوت بالحيط ..لكنهم يملكون قدرات على التركيز ومتابعة الحديث من النقطة التي وصلوا إليها والمصيبة انهم احيانا يعيدون آخر فقرة للتذكير بالأحداث هههه
كنت بارعا في التصوير هنا يا توأم النبض
دمت مبدعا .
التوقيع
أنا شاعرٌ .. أمارس الشعر سلوكا وما أعجز .. أترجمه أحرفا وكلمات لا للتطرف ...حتى في عدم التطرف
ما أحبّ أن نحبّ .. وما أكره أن نكره
كريم سمعون