استيقظت مبكرا جدا , آه ما أجمل الصباح هنا , صباحا كنت مفارق إياه , ما أجمل الشمس فيه , مبكرة تستيقظ هي , مبكرة تنهض كعادتها , كما أنا , قرصها الدائري اللاهب لاشيء يحجبه كما هو في مدن أخرى تحلم به , تفرح لمرآه , لا توجد غيوم هنا , لا يوجد ضباب , متغلغلا شيئا فشيئا في كبد السماء, متوهج ككرة متدحرجة ببطء وتبدو ثابتة , مكتوب عليها البقاء من اجل الجميع , من اجل الحياة , عما قريب سترتفع , سيبحث الآخرين عن ظل يحتمون فيه من وطأة الحر , مظلة لبائع , سياج لبناية مرتفعة ,مقهى يحتسون الشاي فيه وأحاديث متفرقة عما حصل وما تتناوله الأخبار أو يعودون مبكرين للبيوت , يجلسون على وسادة قرب الباب ,يتابعون ما يجري بفضول ,- من تزوج , من تعرض لحادث , من سرق بيته , من سقط قتيلا أو جريحا في قتال , من كان بالأمس ذميم الخلق , من كان معتوها كغيره مصابا بالعاهة , من كان لا يجرأ أحدا أن يقول له انه فقد الصواب , من خلع ثيابه يتسكع في المساجد ليل نهار, من أصبح مؤمنا بين ليلة وضحاها ,من تخطى العهر درجات , من هي المومس ومن يدخل بيتها في الخفاء , من لا يخجل ولم يعرف يوما معنى للحياء , من استعاروا فمه يردد شعارات العاهرة كأنه ببغاء , من حمل بيده السلاح , من آوى لبيته الكلاب , من تمرغ في الوحل حتى أذناه , وكم سعر الطماطة والحليب وكم ارتفع أكثر من المعقول سعر العرق , ومن هو المؤذن في الجامع , كم بقي من عائلة منشد وطارش, وكيف قتل خالد زيارة , وكيف اعتقل فريد ,وأين عثروا على جثث المحكومين بالإعدام ,ومن سعفه الحظ وهرب خوفا من الجلاد , وأحاديث لم تنتهي أبدا , أرشيفها العقول ولم تدون , بقدرة المرء أن يعرف ما يريد خلال أيام إذا كان يود معرفته , كل شيء وما لا يخطر على بال - لا يوجد مكان آخر يحتمون فيه أكثر ظلا من البيوت , يخلعون بعضا من ملابسهم , يصبحون أشبه بالعراة , ثم يأوون للفراش , هكذا هي الأيام تنقضي وتودع بعضها , لا يوجد فيها أكثر من هذا الهراء , تناهى إلى سمعي من بعض المارة أن معركة ستحدث , أجفلت , لا احد يبدو عليه الاكتراث , آخرين قريبين مني تجمعوا يحملون بنادق آلية بعدة أشكال , مزهوين بها وقاذفات أر بي جي مهيأة للانطلاق , ربما لا يجيدون استعمالها , فخورين بحملها , يتقاذفون بالشتائم , يتوعدون , ينتظرون أمرا بالانطلاق , آخرين ساروا مسرعين يحملون الهراوات باتجاه المدينة , المدينة لم تبعد كثير , يفصلها عن الجهة الأخرى جسر النصر , وما بينهما مسافة قصيرة جدا , يدمدمون بأصوات لم افهمها وإشارات منفعلة ومنفلتة معا تناهى لي صداها وعرفته فيما بعد , هكذا إذن سأشهد معركة تحصل , ولكن ضد من ؟!! لقد دخلت العاهرة المدينة وهرب السفلة ولم تبدي مقاومة وهو ما أذهل الجميع ومن اشتركوا فيها باعترافهم , رغم الحذر الذي أحاطه الأحمق حول نفسه وتهديده ووعيده,
ورغم الاستعداد والتهيؤ والتبجح بسحقها والادعاء الأجوف والجنون الذي صاحبها قبل وقوعها وما سخرَّ إليه من أموال وهدايا وامتيازات للذين يبلوا بلاءا حسنا ,آو ما يرضيه , لكنه لم يجد أذنا صاغية , لم يشترك فيها إلا من وجد نفسه خاسرا وليس له شيء يقوله , كان الألم كبير جرحه , وكان الفرح يغمر الجميع بإزاحة الصنم . كل شيء يبدو الآن هادئا , لا يوحي ان معركة ستحصل , ولم يبدو على وجه احدهم القلق , كأنهم خارجين لنزهة , ربما أنا محظوظ لا شاهد ذلك , وهل حقا سيحصل , لا تخف إنها تحصل منذ أيام عدة , لم أشأ أن أخبرك , قالت أختي , كانت تقف خلف الباب وتتابع ما يجري , تعال لتناول فطورك , لم تعد لي رغبة بذلك , إني أريد فقط مشاهدة ما يحصل
ما اشد غرابة بعض الناس , الأميين فقط , المأجورين الذين لهم دوافع شخصية ضيقة , عندما يتنفسون الحرية . المتعبين جدا , المنهكة قواهم , المعدمين, الصادقة شعورهم وأحاسيسهم , هم دائما الضحية , هم دائما يدفعون الثمن , يتزينون لكل حفلة , راقصين فيها , يجمعهم الطرب , ثم أخيرا يلقون في قارعة الطريق , نادمين على ما اقترفوه من ذنب , تساءلت مع نفسي هل هم حقيقة يريدون ذلك ؟ أم إنهم أدوات ودمى تحركهم أيادي خفية , أيادي لها الحق بالأمر ,مطيعين لها , ينفذون ما تطلب وما تشتهي بإشارة منها , أيادي توضع من تريد كالدمى في أي مكان تريده. وهل هي حقيقية تلك المطالب التي تجمعوا من اجلها وما ينشدون , أم إن الأمر يتطلب ذلك وهو إبراز للعضلات وللآخرين فيه مآرب أخرى , ربما لم يصدقوا ما حملت الحرية التي أتت بغتة . كثير منهم صبيان لا يعرفون ما يفعلوا , عاطلين عن العمل , أدعياء , سماسرة , مصابين بالعاهات مرتزقة سابقين , فدائيو الصنم الذي تهاوى والذين كانوا يحتمون بظله , مزيفون ومتنكرون لأبسط المفاهيم والقيم , يساق بهم كقطيع من الخراف نحو غاية معلومة ,ولا يعلموها , أسبابها تافهة جدا مصحوبة بالحماقات , يطالبون ما يطلب منهم ولا يطالبون وما هو حق لهم وحياة سلبت منهم وكأنها لم تكن مطلبا , متدافعين متخاصمين لإرضاء شهوة ونزوات غيرهم الذين يريدوا أن يثبتوا للآخرين أنهم أحق بما نعموا به , وإنهم سرقوا حقوقهم بغفلة من الزمن ,وإنهم يستطيعوا أن يفعلوا ما شاء لهم ,وكان كل شيء عبث , حقيقة الأمر كلها واضحة ,لا يوجد لأحد فضل بما حصل ويحصل ,كلهم سواء لا فارق بينهم .