الشعب بكل فئاته الوطنية ساندها ، باعتبارها ثورة ضد الاستعمار البريطاني المقيت ، وضد الظلم والطغيان. ثورة ، اعادت للوطن كرامته ، وعزته ، وحريته ، لذا ساندها الشعب ، بل واعتز بقادتها من ابطال جيشنا الباسل. ثورة أعادت للجيش عزته ، وللشعب كرامته ، واعتبرت نصرا كبيرا لامتنا ، بل وعززت مكانة بطل الامة العربية جمال عبد الناصر. ثورة 14 تموز ، هزت اركان الاستعمار البريطاني في الشرق الاوسط ، وألهبت حقده على العراق ، والأمة العربية جمعاء. ثورة 14 تموز ، زادت من آمال الامة العربية في التحرر من الاستعمار ، بكل الوانه وأشكاله. الشعب العراقي ، بكل طبقاته ، وقف مع الجيش ، وبكل شجاعة ، متحديا القوى المضادة ، غير عابه بالموت ، من اجل الوطن على الصعيد القطري ، والكرامة العربية على صعيد الامة. قبل 14 تموز ، كنت اشعر بوعي الكثير من اصدقائي من الضباط في سلك الجيش والشرطة ، وكنت اعتز بشعورهم الوطني. اتذكر مواقفهم الوطنية عندما كنا في المتوسطة بالموصل ، وكذلك في الثانوية ، الا اني ازددت ايمانا ، بعد ان وجدت ان مشاعرهم ازدادت التهابا عند من تخرج منهم من الكلية العسكرية ومن كلية الشرطة ، وعند الكثير من ضباط الطيران الاحرار. كنت اقدر شجاعتهم ، عند لقائهم بي بشكل علني ، دون ان ترهبهم رقابة المخابرات. وهذا الحال نفسه ، مع الكثير من اصدقائي الذين تخرجوا من سلك الشرطة ، واخص بالذكر ، صديقي الناصري الشجاع ، المعاون عبد الجبار الجبوري ، حتى كنت ازوده بمناشير وكان يقرؤها ويرجعها لي دون خوف على منصبه. اما الحزب الشيوعي ، فلم يكن على علم بثورة 14 تموز المجيدة ، ولا احد على علم بها الا ان الوضع من خلال العلاقات كان يبشر بثورة. الحزب الشيوعي بقسميه ، اسوة بباقي الاحزاب الوطنية كان يتوقع الثورة ، بل كل سياسي محنك كان يتوقعها ، ولكن لا احد يعرف منا بتوقيتها. سبق وان اجرت غرفة باسم مستعار ( ليون ) عند عائلة مسيحية قرب باب الشرقي . الغرفة كمخزن لما يصلني من مناشير ، وبعض الادبيات من الحزب الشيوعي بقسميه اولا ، وما اكتبه من اراء ومقالات الى التنظيم ، وبعضها تنشر كمقالات تثقيفية باسم مستعار. اصعب مشكلة واجهتها ، هو اني انسى ان اسمي ليون ، لذا عندما ينادوني ، لا اجيبهم الى ان يأتوا بقربي ويقولوا : أما تسمعنا يا ليون ؟ أجبهم : تعذروني سمعي ضعيف جدا ، وطبعا كانوا يثقوا بقولي ، لان الجهل جعل الكثيرين من ابناء شعبي ينظروا الى العاهات الجسمية وحتى لكثير من الامراض بمنظار النقص ويا اسفي. غرفتي تحوي على طاولة للكتابة ، وفراش بسيط على الارض ، ومروحة ، وراديو اسمع به الاخبار. احيانا اسهر لوقت متأخر ، لأكتب ما مطلوب مني ، او اقرأ بعض الادبيات السياسية ، او انظم اللقاءات السرية لليوم الثاني. (( كنت ادون كل انطباعاتي ولقاءاتي اليومية في مفكرة لا زلت احتفظ بها ، وسأنقل منها بعض الاحداث حرفيا ، لأهميتها على الصعيد السياسي )): 12 تموز عام 1958 صباحا لقاءات مهمة في مديرية المساحة العامة مع بعض الموظفين ، ظهرا مع الصيدلي الهاشمي في الكاظمية ، بعد الظهر مع .. س ، كلية الملكة عالية للبنات ،عصرا في بيت بالبتاوين وخرجنا متفقين. ليلا مع صديقي الملازم حازم محمد علي ، كان يوما منتجا ولصالح شعبي الذي لا نبخل بأرواحنا من اجله. 13 تموز عام 1958 ( منجزاتي اليومية ) اولا.....الخ يأتيني احساس غريب وبقوة . صوت يرن في اذني قائلا : غدا سيحدث شيء لصالح الشعب ، كلما ابعد هذا الشعور عني ، فأراه يهجم علي كموجة عاتية ، واقف أمامها ضعيفا حائرا. غدا سيكون يوما مهما ، لماذا ؟ لا أعرف !!!! خابرني الموسيقار منير بشير ، حول قضية لا علاقة لها بالسياسة وزرته في بيته ، الواقع في الشارع الموازي لشارع الامشجر في البتاوين ، وبقيت عنده فترة قصيرة. التقيت بمدرس جامعي وهو الدكتور اديب فرجو واتفقنا على موعد. ليلا في غرفة ، قرب باب الشرقي ، وكنت اسمع الاخبار ، وعيني لا يأخذها النوم.ما السبب ؟! لا اعرف. وصرت افكر واطرح على نفسي الاسئلة التالية : هل نشطت عندي الحاسة السادسة ؟ ام اصابني نوع من الهوس ؟ لا ادري. هل انفعالات العقل الباطني غيرت نوعا ما من مجرى تفكيري ؟ لا ادري !!! وصرت اتخبط بدوامة لا ادري !!!! الساعة الان تشير الى الواحدة والنصف بعد منتصف الليل ، وأنا اتوقع حدثا مهما جدا !!!! ما هو هذا الحدث ؟ لا اعرف !!! وليتني أعرف. حاولت أن أنام ، ولم استطع !!! يهجم علي شعور يسيطر على احساسي ويقول : غدا سيكون يوما مهما !!!!! وكنت اتعوذ من الشيطان. حاولت ان اكتب فلم اتمكن !!!! وبقيت اسمع الاخبار ، اقفز من محطة لأخرى ، وحتى الصباح ، اذ اصابني نوع من الارهاق . فجأة وفي الصباح الباكر اسمع البيان الاول ، يذيعه عبد السلام عارف ، وبعد ان تأكدت من الامر ، خرجت ومن خلال شارع غازي ، وبعد دقائق وصلت ساحة باب الشرقي ( الشرجي ) ورأيت عدد من الجيش ، واقفين في الساحة ، وشاهدت عدة دبابات ، احداهما قرب تمثال محسن السعدون ، كما شاهدت ، افرادا من العمال في طريقهم للعمل ، وفي حيرة من امرهم ، أي انهم مترددون في اتخاذ موقف واضح. في الحال قفزت ، ووقفت بجانب تمثال محسن السعدون ، وبصوت مرتفع صرت ادعو الجماهير لتأييد الثورة ، وأندد بالحكم البائد. تجمهر حولي عدد من الصبيان فيهم الحمال وفيهم الطالب ، مع بعض الكسبة ، واذا بأحد الجنود يطلب مني ان اتسلق الدبابة واخطب وهذا ما حدث. رأيت بعض الشباب يتوجهون للساحة ، بهمة وبمعنوية عالية ، وبعد دقائق ، امتلأت الساحة بالجماهير من مختلف الطبقات والمهن ، فوجدت نفسي محاطا بعدد كبير من الشباب ، ينصت لي ويقاطعوني بالتصفيق والهتافات لصالح الثورة. الشعب التحم مع بعضه في تأييد الثورة بمختلف احزابه ، وقواه الوطنية ، فانتقلت بسيارة احدهم ، وبشق الانفس عن طريق شارع غازي ، ثم طرق فرعية وصلنا كلية الاداب ومنها مشيا الى باب الامعظم وكانت غاصة بالجماهير الثائرة ، ومشيت الى وزارة الدفاع ، ولم اجد الا احدهم يرفعني و القيت قصيدة مطلعها: ايها ليوث الغاب هذا يومكم ... خدع العدى قد فتت اكبادا ليس الكلام يفيد شيئا وانما ... ضرب الحسام يكون الامجاد اصبحت بغداد تموج بالشباب الثائر ، وهكذا اندلع لهيب الثورة في كل انحاء العراق. رجعت ليلا ، وفي وقت متاخر للبيت (( وابويه مستلك من التعب )) تعبانا منهكا.
اخوكم ابن العراق الجريح : صلاح الدين سلطان
يتبع
آخر تعديل صلاح الدين سلطان يوم 11-27-2015 في 03:14 PM.
أحسنت رسم صورة الثوره وحماس الشعب وفرحته التي لم تدم طويلا فمنذ ذلك اليوم والعراق يغرق بدماء رجاله...
يترحم الناس اليوم على نوري السعيد..وعبد الكريم قاسم..وعبد السلام عارف ومن بعده أخيه عبد الرحمن..واليوم يترحمون على صدام حسين ويتمنون عودته...يعني كل يوم أتعس مما قبله...على راي حكاية (رحم الله ذلك الأب..كان فقط يسرق الأكفان)
رائع يا صلاح رائع
فعلاً انه تاريخ لاينسى
وقد صدقت في رسم الصورة بوضوح
قبلاتي
.........................................
اهلا باخي واستاذي الكريم ابو صالح العزيز. نزلت سهلا ورايت اهلا يا ابن العراق وابن الامة العزيز.
كم سرتني كعادتي زيارتك التي تعكس لي عراق الخير والعز والمحبة.
ان شاء الله سنبقى في حسن ظنكم في منتدى انتم احد كواكبه.
عاصفة من السلامات الاخوية والى لقاءات بعون الله.
دمت اخا عزيزا ، وابن اخ كريم.
اخوكم ابن العراق الجريح : صلاح الدين سلطان
أحسنت رسم صورة الثوره وحماس الشعب وفرحته التي لم تدم طويلا فمنذ ذلك اليوم والعراق يغرق بدماء رجاله...
يترحم الناس اليوم على نوري السعيد..وعبد الكريم قاسم..وعبد السلام عارف ومن بعده أخيه عبد الرحمن..واليوم يترحمون على صدام حسين ويتمنون عودته...يعني كل يوم أتعس مما قبله...على راي حكاية (رحم الله ذلك الأب..كان فقط يسرق الأكفان)
مودتي
.................................................
اخي وصديقي قيس المعزة والمعزة هي قيسنا العزيز.
تحية من اعماق الاخوة امطرها عليك يا ابن العراق الاصيل.
صدقت يا ابن الصحراء الحر بقولك ((يترحم الناس اليوم على نوري السعيد..وعبد الكريم قاسم..وعبد السلام عارف ومن بعده أخيه عبد الرحمن..واليوم يترحمون على صدام حسين ويتمنون عودته...يعني كل يوم أتعس مما قبله. ))
يا قيسنا:
اذاكان الطباع ،طباع ذئب ... فلا لبن يفيد ولا حليب
اما هذه الحثالات فسيكنسهم ما تبقى من اصحاب الضمير وغدا لناظره قريب.
سررت بزيارتك يا ابن الكرام.
تقبل مني تحية بنقاوة الايام التي كللتك بالسعادة ، ودمت والحجية العزيزة وكل افراد الاسرة بصحة وعز وسلام.
اخوك ابن العراق الجريح : صلاح الدين سلطان
أشكو اليك حال أهلي وشعبي أخي الكريم الأصيل صلاح الدين السلطان...الجهل يعشعش في عقولهم..صاروا عميان يقودهم الطغاة الى الخراب والدمار والضياع...ايران الحاقده على كل ماهو عربي تسيطر عليهم وهم..يفرحون ويستبشرون عندما تضرب روسيا أهلهم وأخوانهم في سوريا..صارت روسيا قبلتهم وبوتين المنقذ..لايهزهم ثلاثة ملايين عراقي يهجرون بيوتهم ويسكنون العراء بالخيام لأنهم ليسوا من طائفتم بل يتشفون بهم...صدقوا أكاذيب المجوس أن من العراقييم من هم أعداء آل البيت..وهذا بهتان وكذب..يقسمون المسلمين الى أبناء العامه..وهم أبناء الخاصه...والقاده من أبناء الخاصه لصوص كبار سرقوا أموال العراق وباعوا نفطه لعشرات السنين قادمة وقبضوا ثمنه مقدما وليذهب العراق الى الجحيم..لكن أخوتنا راضون طالما كان الحرامي من طائفتهم...عميان لايبصرون طرشانا لايسمعون
مرحبا بالأخ صلاح
الدولة المستقرة سياسيا لفترة طويلة ااجذر فيها البنية المؤسساتية والأنظمة
والقوانين وتحدث بيئة مجتمعية ساكنة مدجنة قانويا ،ولا يحدث فيها اي تغيير
بنيوي او دمغرافي! سريع مما يؤثر على الأستقرار المجتمعي..
ما حدث في 14 تموز وما بعد هذا التأريخ هو بداية سلسلة الدم والأنقلابات
حتى فقد العراق استقلاله الوطني بالغزو الأمريكي عام 2003..
رغم ان نوري السعيد اخطأ باعدام العقداء الأربعة مما فسح لأتساع الفجوة
بينه وبين المؤسسة العسكرية استغلها بذكاء المرحوم قاسم واستغل اندفاع
عبد السلام...اضافة لظروف المنطقة العربية وارتفاع المد اليساري والقومي
كلها عوامل ساعدت في نجاح (الإنقلاب)!!!إلا ان المأساة ليست هذه فقط انما هناك اثار
كانت غير منظورة..وهي تغيير وجه العراق وبغداد!!!بصورة تدريجية نتيجة
سياسات غير مدروسة ..وهذا ما ظهر جليا...والحليم تكفيه الأشارة.......
ان الأنظمة المستقرة..تجعل الشعب مستكين ومدجا قانويا..ويتجذر سكناه واي تغيير ديمغرافي
يتم مع التدرج الثقافي والوعي الوطني ويكون طبيعيا...يبقي على التماسك المجتمعي
ويحصن المجتمع من الإنزلاق ..للتصادم الثقافي...
تحياتي للأخ العزيز صلاح..
كن بخير دائما
يقول الروائي العراقي حمزة الحسن في روايته عزلة أورستا أن أغلب ضباط الجيش لم يكونوا على دراية بموعد الثورة ، لكن كانت هناك إحدى بنات الهوى على علاقة وعلم كبير بالموضوع وبموعد الثورة ....
ويحيا الوطن ولاحول ولاقوة الا بالله العلي العظيم
التوقيع
ممن اعود ؟ وممن أشتري زمني ؟ = بحفنة من تراب الشعر ياورق؟