*( النص 15) من سلسلة ضوء جهاد بدران على نصوص نبع العواطف
النّص : قلق الوقت
النّاص : محمد خالد بديوي
القراءة : جهاد بدران
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النّص :
ــــــــــــــــــ
كان يبدل للساعة المصلوبة على الحائط (بطارية ) .... مالت
من يده ،، فاندلق كل ما فيها من وقت لتمتليء الغرفة
باكوام من الأرق..!!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القراءة :
ما أعظمها من ومضة ..وما أبلغ ما حملت في أعماقها من عبر ودروس لإنسان هذا اليوم..
إنسان لم يدرك معنى الوقت ..وما هي أهميته لعمره الفاني...
جمال هذه الومضة أنها تُقرأ بعدة تأويلات إلا أن الوقت يجمعها جميعاً تحت نصله وحدّة أهميته...
من خلال العنوان المبهر ..
(قلق الوقت)
يجعلنا في وقفة تأمل وتدبر بين معالمه وما حمل من صفة الإضطراب التي تنبض وتجتمع مع القلب في ذلك الإحساس..فالوقت في دائرة قلق نجتمع معه على أبعاده ودلالاته ..
والسؤال هنا ..متى يصبح القلق مفعول حسي ناطق..؟!
عندما يفقد الوقت توازنه أو ينحرف عن مساره ..أو تحدث تغييرات على سيره المعتاد..
أي خلل فيه يسارع في عملية الاضطراب ويحدث بعض التجاعيد على وجهه..
صفة القلق تجعل المكان في اهتزاز وعدم أمان وراحة ..واضطراب لعدم استغلاله بالشكل السليم..لتؤدي إلى فشل ذريع..
هذه الومضة بجمال سبكها وسحر بنائها وعناقيد معانيها جعلتها مدرسة نتعلم منها إدراك الوقت في حياتنا قبل أن تفنى أعمارنا ونحن لمضيعة الوقت عنوان..وجعلتنا نعيد النظر في ترتيب أوقاتنا وتنظيم مهاراتنا في عقارب الزمن ضمن سلسلة منظمة نعلّق عليها برنامجاً ندير به أوقاتنا ضمن الإستغلال الصحيح له..فعدم استغلال الوقت بشكلٍ يتفاعل مع مهاراتنا وأعمالنا يعيد لنا الخيبة ونقضي عليه في خسارة الدنيا والآخرة...
فلا يكون العمل على حساب الصحة والعبادة والتفكر والراحة...
بل تنظيمه يكون له فائدة باستغلال كل مواطنه الايجابية مما يمنحنا الحياة أفضل بلا عبث وفوضى..
فقد حدثنا المصطفى عليه الصلاة والسلام عن أهمية الوقت بقوله:
(في الحديث الشريف عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس، الصحة والفراغ)،( رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبد الله بن عباس)..
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل يعظه: (اغتنِمْ خمسًا قبل خمسٍ: شبابَك قبل هِرَمِك، وصِحَّتَك قبل سِقَمِك، وغناك قبل فقرِك، وفراغَك قبل شُغلِك، وحياتَك قبل موتِك).( رواه المنذري، في الترغيب والرهيب، عن عبد الله بن عبد [إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما] ..
قيمة الوقت تكون بقيمتنا له وتداركنا لأهميته
فهو المحور الأساسي الرئيسي الذي ينبثق منه مسار حياتنا واستغلالنا له في مهاراتنا اليومية وأعمالنا الصالحة..دون إضاعته ودون التفريط بثمنه وأهميته..أو التهاون في تنظيمه..
يبدأ الكاتب ومضته بقوله:
( كان يبدل للساعة المصلوبة على الحائط (بطارية )..
عملية التبديل هنا هي المحفز لتغيير دوران الوقت وتجديد استراتيجيته..والوقوف عند المحك الذي يحمل طاقة الفرد لإشباع استغلاله له..وعملية تبديل البطارية..هي عملية شحن لتعبئة الوقت وشحن لإدارة الوقت بطريقة جديدة تختلف عن السابق..هنا ربما يكون القصد من عملية تبديل البطارية..انطلاقة لمرحلة جديدة متغيرة ولزمن جديد فيه طاقة حياة تختلف عن الماضي..أي بمعنى مرحلة انتقالية من عصر لآخر..وفي مرحلة الإنتقال دائما ما يحدث تجديدا وتغييراً لصالح الذي كان سبباً في ذلك..
وممكن أن يكون من عملية التبديل..عملية تحريك للزمن والوقت بطريقة مختلفة يكون الناتج أكثر استيعاباً للوقت واستغلالاً له بطريقة تضمن معالم جديدة متغيرة تساهم في تجديد عقارب الزمن بما يرضي الطاقة التي تبذل لأجله..
وفي التبديل محك جدا إيجابي..يساهم في لفت الأنظار إلى أن من خلال التبديل والتجديد للطاقة الخاملة يؤدي إلى تحويلات حركية بطاقة ناتجة عن فكر متجدد يساهم في إنجاز مهارات عديدة في أقل وقت لكسب الوقت دون تسريب ثوانيه وساعاته...
لذلك المؤشر المحرك للوقت هو عملية التبديل المتكررة لتجديد عوامل الطاقة والفاعلية في كل شيء..
وفي قول الكاتب:
( للساعة المصلوبة)
هنا رمزية تدل على قتل وهدر الوقت..وجعله ثابتاً غير متغير لطقوس الأعمال اليومية للإنسان..وجعل الوقت مصلوباً بمعنى أنه غير مرن وليس ليناً لحاجاتنا..فينتهي صلاحيته قبل أن ننجز ما علينا بسبب صلبه لوتيرة واحدة باتجاه واحد غير متحرك لخواصنا ومهاراتنا المتعددة..
ويكمل الكاتب:
( مالت من يده )
يقصد الكاتب أن الوقت حين نقوم بعملية التبديل لوضع برنامجاً جديداً يتماشى مع تجديد العمل ..فإنه أحياناً يتفلت منا ويندلق من معالمه ويهرب ناتجه بسبب صعوبة التغيير وصعوبة التأقلم معه في إدارته من جديد مع عوامل جديدة ليصبح القلق رمزاً لعدم الضبط والتماشي معه وفق نظام جديد متجدد...
(مالت من يده)..نتيجة عملية تحريكه من مداره السابق لمدار جديد..وهذا طبيعي جداً عند كل عملية تجديدية في أي مجال حياتي أو عملي أو تغيير ذاتي...
لذلك كل عملية وغيير لها قوى مؤثرة إما سلباً أو إيجاباً..حسب تلك الطاقة التي تستوعبها وتتفاعل مع قوة الدفع المتغيرة...
وربما مالت من يده لعدم السيطرة على ضبطه والعمل حسب بندول وقته...ليكون الناتج بقول الكاتب:
( فاندلق كل ما فيها من وقت لتمتليء الغرفة
باكوام من الأرق..!!)
فالأرق/ والغرفة/ وأكوام..
كلها مؤشر لاضطراب متفاعل بين الوقت وضابطه...ليحدث عملية عدم تنظيمه الذي سبب كل هذا الأرق في غرفته..
وكلمة الغرفة هي المكان الذي اختاره الكاتب بعناية ليكون المكان الذي يجلس فيه الإنسان كي يضع برنامجه في حيّز الهدوء والتركيز لضبط معالم الوقت الذي يريد صناعته وفق مهارات عمله وما يترتب عليه من مسؤوليات خلال يومه المبرمج..
فعدم ضبطنا للوقت واستغلاله بالشكل الذي يرضي الله سبحانه ثم يرضينا ..يؤدي لحدوث أكوام من القلق وعدم الشعور بالراحة نحو واجبنا المتعدد المهام...
...
قلق الوقت..
ومضة أثارت في الفكر روح التأمل والأخذ بما حوته من عبر لمن يضيّع عمره لفوضى وقته مما يسبب عدم الراحة مع القلق الشديد بالمصير النهائي في الدنيا والآخرة..
لنضع لأنفسنا برنامجاً يضبط سلوكنا وأعمالنا حتى لا نقع أمام السؤال من الله ومن ثم البشر..
إدارة الوقت نعمة من الله ومتعة في الشعور بالهدوء والسكينة والضمير الحي..
.
ومضة لاذعة كاشفة لأبعاد عديدة مختلفة تدل على براعة كاتبها وقدرتها في بناء حرفه وفق سلّم الجمال وضمن سلسلة مترابطة السحر والقوة...
الأستاذ الكبير الأديب الراقي الفذ
أ.محمد خالد بديوي
لحرفكم متعة القراءة والمتابعة..وما يحمل من دلالات ورموز وأبعاد مختلفة تدل على مهارتكم وحرفيتكم المتينة في تجديل ضفائر الجمال لقلمكم الفاخر..
دمتم وهذا الإبداع الراقي
ووفقكم الله لما يحبه ويرضاه
.
.
.
.
.
جهاد بدران
فلسطينية