لم يأت إلى السرير مبكراً كعادته ، لم تسمع أنفاسه . نهضت ، توجهت نحو مكتبه ، ضوء خافت يطارد صمت الجدران . وجدته جالساً أمام مكتبه ، يتلاعب بالقلم بين أصابعه ،ينتظر حبة الأسبرين في الكأس وهي تصارع الفناء ، والورقة البيضاء ما زالت تنتظر الكلمات .. وقفت أمامه متصلبة ، نظر إليها بعمق ، بحدسها عرفت أن ظنوناً ملتوية تستفز ذهنه ، تقاتل أفكاره. هواجس يابسة تنزلق عبر اللحظات دون أصوات. انتفض ، ارتعد جسمه من تحت ملابسه ،غرز عينيه مرة أخرى في جسمها ، في لحمها ،في عينيها. ود أن تقول شيئاً ،انتظر وانتظر.. تصنع هدوءاً ماكراً فرمى في وجهها كلاماً طائشاً وقال : ــ بدأت فئران الخلاء تتسلل إلى البيوت هذه الأيام ، بدون حياء تنتشي بالقلوب وتأكل الأجساد . ـــ كيف ؟ ماذا تقصد بكلامك ؟ توقف ، انظر إلي ! مضغت الكلام ، انفجرت ضحكاً ،انتزعت ضحكاتها من سخرية جارحة ، تهاوت على أريكة سوداء، لوت رأسها بين ركبتيها. اللحظة تخنق أنفاسها ، فتوزع قلبها بين البقاء والرحيل . رجعت إلى سريرها والظلام يغلفها، جلست على حافته . أصاخت بأذنها، سمعت خشخشة أوراق ، انتفضت .. من وراء الباب سمعته يولد ممرات قاتلة بين القلب والوجدان ، بين الحياة والموت . فزعت ارتابت . أطلت من النافذة ، تدلت برأسها نحو الأسفل ، لا أحد .. ضباب بارد يبلل أرضية الشارع الفضفاض ، قطط تائهة تتنازع عن المكان . أحست بسخونة تغزو كل جسمها ، فانهمرت دموع دافئة تضايق حواشي جفنيها ، فطنت بخشخشة ملابسه تملأ المكان. ضغط على زر الكهرباء، استدارت .. حدق فيها ، تيقـنت أنه يتلو تراتيل الموت في نفسه ، تراتيل صامتة تختزل الكلام ، رمى في وجهها ظرفاً مغلقاً بإحكام. ـــ ما هذا ؟ انسل في هدوء خارج البيت . حاولت اعتراضه ، لكن غضبه كان أقوى من خطواته. أطلت من النافذة مرة أخرى ،لا حركة ولا خشخشة. أسندت ظهرها على الجدار وهي تنصت إلى نبضات قلبها . فزعت ، خرجت مسرعة تلاحقه بكلمات نابية . رأت سيارتها تحترق على مهل ، وصورة عشيقها بين يديها وهو يبتسم..
آخر تعديل الفرحان بوعزة يوم 05-31-2015 في 08:47 PM.
قصّة من صميم الواقع ترصد ظاهرة الخيانة المتفشيّة في هذا العصر...كتبها القدير فرحان بوعزّة باسلوب متين وبناء محكم مترابط الأجزاء...لم تخل من تشويق وكانت قفلتها في منتهى الرّوعة.
تقديري لك أخي فرحان فأنت تمتلك فنّيات القصّالقصير بإمتياز .
الخيانة مؤلمة ووجعها صعب وردة الفعل تشعل الروح نص يحكي قصة حياة احرقتها عيدان الخيانة دمت بخير تحياتي
الأديبة المتألقة عواطف تحية طيبة ..
سررت بهذه القراءة المركزة والهادفة لهذا النص المتواضع ..
شكرا على اهتمامك النبيل وكلمتك الطيبة .. تقديري واحترامي ..
قصّة من صميم الواقع ترصد ظاهرة الخيانة المتفشيّة في هذا العصر...كتبها القدير فرحان بوعزّة باسلوب متين وبناء محكم مترابط الأجزاء...لم تخل من تشويق وكانت قفلتها في منتهى الرّوعة.
تقديري لك أخي فرحان فأنت تمتلك فنّيات القصّالقصير بإمتياز .
تحية كريمة المبدعة المتميزة منوبية..
شكرا على تفاعلك وإشادتك بهذا النص المتواضع ..
اهتمام أعتز به ..
تقديري واحترامي ..
هل فكر في الابتعاد عنها هذه الليلة فقط ، فهو لم يأتِ
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بسمة عبدالله
كعادته ، و هل كان يبدو منزعجاً مرتبكاً لأنه سيتركها
و ماذا يوجد في الورقة التي رمى بها إليها ،
هل بها ورقة الطلاق ،،
لماذا يعيش معها إذا كان يفكر في طلاقها ،،
ألمح هنا خيانة نفسية معيشية ، و هذا شيء صعب
وهي خيانة مردودها النفسي السيء عليه أولاً قبلها
وهذه نماذج كثيرة موجودة ، وقد عاصرنا بعضها في
الحياة ، و رأينا كيف تفتكت الأسر خاصة في وجود أطفال .
أخي الكريم الفرحان بو عزة قصة ذات مغزى كبير ،
و تحمل المعاني الكثيرة ، و قد تؤخذ على أكثر من قراءة .
بوركت و تحيتي
الأديبة المتألقة بسمة تحية طيبة ..
شكرا على قراءتك القيمة لهذا النص المتواضع ، قراءة تنم عن حس أدبي متميز ..
سررت بهذا التحليل العميق لدلالات النص الخفية .. تشجيع أعتز به ..
تقديري واحترامي ..