(الإيقاع التفاعلي في الهرمون الموسيقي للجملة الشعرية)
قراءة نقدية لمجموعات الشاعر الدكتور عبد الحسن خضير المحياوي
(الإيقاع التفاعلي في الهرمون الموسيقي للجملة الشعرية)
حين تكون الدالة هي الرابط الداخلي كي يتم تركيب الجمل الشعرية وفق سياق الشفافية الانسيابية ، ومن أجل خلق أيقاع داخلي ( المنولوج) ، تصبح الدالة مترابطة بشكل إيقاعي مع المدلول ، وهذا ما يلغي الفجوة الموسيقية التفاعلية في الجمل الشعرية ، في ضمن الامتداد الوجداني الذي يعطي سياحة لسانية صوتية في المعنى ،ما يعطيها الوضوح التركيبي و يبعدها عن الترهل المعنوي في كتابتها، أي :يبعدها عن التخلخل والاضطراب الهرموني ، ويجعل التوازن مفتوحا على تحولاتها التي تتم عن طريق الترابط معاني في القصيدة ، وكذلك يعطيها إيقاعا رؤويا ، منسجما مع النسيج الشعري الذي يتميز به أي : شاعر ويجعل من القصيدة الخاضع كليا الى الإيقاع التفاعلي التناظري التركيبي الذي يجعل النص استهلاليا تكوينيا في المعنى الخاضعة للدالة الكلية في القصيدة . نجد كل هذا في مجموعات الشاعر الدكتور عبد الحسن خضير المحياوي ومنها مجموعته (صدى الأيام ... صدى الآلام ) أنموذجا ، فهو بقدر ما أفاد من صياغة الجمل على وفق الترابط الإيقاعي في الآيات القرآنية على مبدأ التفاعلية الفراهيدية ، كذلك نجده قد أستفاد منها في كتابة نصوصه الشعرية في جميع قصائده في مجاميعه الشعرية ، كما أنه أستفاد من الامتداد الدلالي في مسالك اللغة التي تحدث التقارب ما بين الدالة ومدلولها من أجل أن تتخذ القصيدة عنده الرموز الواضحة ، و العميقة في المعنى والبعيدة عن الزوائد اللفظية اللسانية التي لا تجعل الجملة الصوتية في ضمن موسيقاها أن تخفت وتنتهي كلما ابتعد عن البؤرة النصية في داخل القصيدة التي يكتبها ، وقد أستطاع الشاعر أن يتصاعد في المسار التكويني لجملته الوجدانية بالصوت المتوازن البعيد عن الإيقاع العالي .لأنه أفاد من التفاعلات الهرمونية في الآيات القرآنية كما أسلفت سابقا ، أي: بقدر ما يجعل الصوت الداخلي للنص مؤثرا في المتلقي ، ويأتي هذا من تكوين الصوتي القياسي للصوت الخارجي للنص من خلال استنطاق الإحساس الباطني في جوهرية المعنى ، الذي يؤشر عنونة الدالة في داخل حدود الرؤيا الداخلية للرموز الخارجية في الإيقاع التصوري الإدراكي المنعكس على رموزه الذاتية ، لأن كتابة الشعر عنده هو الحوار ما بين الأشياء ومعناها والذات وبلغة تقارب الذات الى كل المسميات ورموزها الحية التي تتصف بها ...
نص (موت شاعر) ص 28
( تأخذني دنيا ظلماء /فأغوص بدوامة افكاري/ فليالي السعد تولت / وتجلت أحلامي كالصحراء / تشرب قطرات الماء ..ولكن ..من دون نبات / آه يا جيكور/ ((سيابُ )) ينادي .. لكن من يسمع تلك الآه / ((سيابُ)) ينادي ..وترد بويب صداه / آه يا حرقة سيابِ/ آه يا فرقة أحبابي /هل تنقذني رشفة موت ٍ /أم أبقى دوما بعذابي )
عندما يشعر الإنسان أن الحياة التي يسعى إليها لم تعد كما يريد أن يراها ، عندها يحدث الانفصال الذاتي بينه وبين الأشياء ومسمياتها ، لأنه يغرق في داخل ذاته بدوامة من الأفكار التي تبعده عن كل شيء حوله لسبب ما يشعر أن الحياة لم تعطه ما يريد منها رغم سعيه ومحاولاته من أجل الوصول الى الهدف الذي يريد أن يصل إليه ، ويدخل في حالة اليأس ، ويحاول أن يعيد ترتيب هذه الأشياء ، ولكي يجد المسوغ ما يحدث له من تصدع في داخل ذاته بسبب الانعكاسات الاشتراطية ( حسب نظرية بافلوف) بسبب الإخفاق الذي وصل إليه ، لهذا يحاول أن يخترق الواقع الذي يعيشه ويحدث المقارنة بين ما هو يعيش فيه وبين حالته و حالة الشاعر السياب ، لكي يبعد عن كل المؤثرات التي تجعله يصل التوقف عند حالته ، فليالي السعد ذهبت عنه وأصبح كالصحراء رغم أنها تشرب الماء لكن لا نبات فيها ، وهذه مقاربة دلالية في تكوين الرؤيا النصية أي: الشاعر استخدم الترميز والتدليل على حالته ، فبرغم سعيه الكبير صوب أحلامه لكنه لا يصل لها (/ وتجلت أحلامي كالصحراء / تشرب قطرات الماء ..ولكن ..من دون نبات ) , لكي يناظر بين حالته وحالة السياب الذي يعيشه المرض والألم ، يحاول أن يطابق مسميات السياب ورموزه لكي يجنب نفسه الصدمة الكبيرة مع الواقع الذي يعيش ، أي: أن الشاعر تماثل ما يعيشه مع عاشه السياب ، أذ جعل الشاعر السياب المسميات حوله هي مركز تحسسه ، لهذا أنسنها ، لأنه يشعر بأن لا أحد يسمع صوت ألمه غيرهما (جيكور ، بويب ) لهذا ركب إحساسه الوجودي في ضمن حيز المكان لكي يتم التركيب الصوري الذهني في الموجودات حوله في لحظة اكتشاف الذات في وجعها ، لأنها الوحيدة التي تسمعه ، لهذا يحاول الشاعر عبد الحسن أن يعيش تجربة السياب بكل تفاصيلها التراجيدية في بناء رموزه الخاصة ، لكي يبتعد عن التذكر فيما يعيش من أخفاقات ، لأنه وصل بحالة اليأس الى حد يتمنى الموت ( آه يا حرقة سيابِ/ آه يا فرقة أحبابي /هل تنقذني رشفة موت ٍ /أم أبقى دوما بعذابي ) لأنه يرفض حالة الألم التي يعيشها بسبب كل ما مر به من نكوص تجاه أحلامه ...
نص(ما خاف ساعٍ) ص71
(أذكر حبيبك ما دامت بك الفكر.. وأنثر حروفك فالآمال تنتظرُ /أفنيت قلبا على جفنيك نابضه.. بالهم بالحزن ، بالآلام يعتصر /ها قد وأدت ربيع العمر من صغرٍ...واليوم تعدو على فودي تحتكر / هذي ثلاثون فجرا قد مضت ومضى ...في منتهاها شهاب العمر يندثرُ / كم عيب إذ الآمال أنشدها ...فالعلم دأبي ، دم في العرق ينتشر ُ/ لو كانت الأحرف الصماء ناطقة ...عن سر حبي لكان القول يعتسرُ)
ما يطرحه الشاعر عبد الحسن في هذه المجموعة هو الأصداء لمواقف مرت عليه وتركت أثرها الكبير في التركيبة الذاتية ، لهذا يجد دائما معناها عند تحسسه الشعري والشعوري عنده، و يحاول دائما أن يعطي البعد التناظري مع شعوره الداخلي مع ما يراه ويعيشه ، محاولا أن يبحث عن الأصداء في داخل ذاته والمتأثرة بما مضى ،ليعيد اكتشاف أزماته الداخلية من حبيب ، كأن يضع كل أماله فيه ولكنه أنصدم به ،لأنه لم يكن كما كان يرسم له من آمال و أحلام ، ولكي لا يعيش الصدمة الكاملة لهذا الحبيب الذي مازال يسكن في روحه ، يحاول أن ينادي عليه من خلال شخص أخر كي يجنب نفسه الوقوع في متاهة الألم الذي يعصره من الداخل ، وكان كل ما عاشه معه هو الهم والحزن ، لأنه عاش معه من الصغر ومنذ ثلاثين عاما ، وقد مضت الحياة وقد بدأ عمره يندثر ، والشاعر هنا يحاول أن يبني أنساق جملته الشعرية على ترادف الأحاسيس مع شخص آخر ، لأنه لم يصدق أن ما مضى كان هو الذي عاشه ، وهي محاولة منه أن يتخلص من ألمه ، وكأنه لم يعش مع ذلك الحبيب ، وقد يكون هذا بسبب اتساع المعاناة في داخله تجاه ذلك الحبيب ، وقد بنى النص هنا على الشخص الاستبدالي كما فعل حين مازج ما بين معاناته ومعاناة السياب ، عن طريق نسق التناظر النفسي ، ضمن المنطق الترابطي، لكي يبني تحسسه الشعوري على أنه ليس هو من عاش تلك الآلام (أذكر حبيبك ما دامت بك الفكر.. وأنثر حروفك فالآمال تنتظرُ /أفنيت قلبا على جفنيك نابضه.. بالهم بالحزن ، بالآلام يعتصر /ها قد وأدت ربيع العمر من صغرٍ...واليوم تعدو على فودي تحتكر / هذي ثلاثون فجرا قد مضت ومضى ...في منتهاها شهاب العمر يندثرُ) ويستمر الشاعر ببناء جملته الشعرية على البناء التركيبي التناظري ، لكي يبعد عن نفسه الإخفاق فيما كان يمتلك من الآمال وأحلام أخذت بالاندثار والعمر لم يعد فيه انتظارا ،لهذا يحاول أن يبتعد عن تلك الآمال ، فهو رجل لا يعيش العواطف التي تربطه بالحياة بقدر ما يعيش الحلم ، كما أن همه ليس ذلك الحبيب بل همه الوطن ، لأنه يشعر بالعيب أن يبقى يفكر بذلك الحبيب ووطنه يعيش الألم والدم ، لكي يستجلي مشاعر الإخلاص التي تربطه بالحياة ، لأنه يبقى مخلصا لمشاعره وحبه سواء كان للوطن أو ذلك الحبيب (كم عيب إذ الآمال أنشدها ...فالعلم دأبي ، دم في العرق ينتشر ُ/ لو كانت الأحرف الصماء ناطقة ...عن سر حبي لكان القول يعتسرُ) وكل هذا التماثل هو محاولة الهروب من الألم الذي أثمرت عنده كل هذا التغرب الذاتي في داخله ، فيحاول الابتعاد عنها لكي لا تبقى هي محور حياته تسبب له الوجع الدائم ...
نص(منابع الحيرة ) ص143
( قلب ٌ يئن ومهجة تتلوع ...ومصائب في الدهر لا تتوقع /احلام صب قد تناثر عقدها ... وبدت سرابا بالسنا تتبرقع /كم ليلة صار الفؤاد ضحية ...أواه كم من حظه يتوجع / وحبيبة سكن الخيال فؤادها ...فتوهمت أن المحبة تخدع / ومضى الزمان على خطاها ناكبا ...تلك الحبيبة- والفؤاد يصدع / ودعي الدموع ولا تفيضي نهرها ... وقفي على قدميك لا نتسرع/فالحب اكبر ان يكون بضاعة ...لكنما في ألأرض من يتبضع )
يستمر الشاعر بطرح معاناته التي يعيشها بسبب حبيبته ، التي لم تكن كما تمنى وأراد منها أن تكون له هي الأمل والحلم الذي يريده في الحياة ، فهي لا تستحق كل هذه الآمال ، لأنها بنت علاقتها معه على الخداع ، لتصورها أن الحب هو الخداع ، بينما هو المخلص الوفي لكل مشاعره تجاهها ، ما سبب له أن قلبه يئن و يتوجع ،لأن حدث له عكس ما كان يتمناه ، فقد كثرت عليه مصائب ما كان يتوقعها ، وحتى أحلامه تناثرت ، وأصبح كل شيء سرابا، والشاعر أستطاع أن يحول معاناته تجاه مصير المسميات في حياته الى هاجس يناغمه مع تحسسه الشعوري ، فصار هذا التحسس هرمون موسيقى يخضع لكل تقلبات الشعورية في داخله ، وما جعل المفردة اللغوية هي التطابق كليا مع ألمه كأنها صوته الوجداني ، وجعل من نصوصه التمازج ما بين انفعالاته الشعرية وما يشعر به تجاه كل الإحباطات التي عاشها وخلفت فيه كثيرا من الوجع ، والذي يميز الشاعر القدرة العالية على أيصال صوته الداخلي في ضمن نسق هرموني داخلي (منولوج ) يعلو وينخفض وحسب المفارقة النفسية التي مرت عليه في حياته ، و يسعى الى الخلاص الفردي من كل أوجاعه بإعادة كشف مصيرية مسمياته في ضمن رؤياه النسقية، والتي تقربه كثيرا ، من التأويل الدلالي للمعنى الذي يريد أن يصل إليه من خلال نصوصه ، ما يجعل مشاعره تجاه الوجع الشعوري متسلسلا في طرحه ، لكي يقترب من المحافظة على النهج الإيقاعي في ضمن نصه الشعري ، فيبحث عن الخلاص الكلي من تراكم الألم كالركود الداخلي الثابت ، الذي يمنعه من أن يعيش الحياة كما يريدها، فيحاول أن يتمرد ضد كل ما يشعر به من خداع وتوهم تجاه من يحب ، لأنه يسعى لكشف كل أزماته الداخلية بوضوح لكي يغادرها ولا تبقى منطقته الوحيدة في الحياة( قلب ٌ يئن ومهجة تتلوع ...ومصائب في الدهر لا تتوقع /احلام صب قد تناثر عقدها ... وبدت سرابا بالسنا تتبرقع /كم ليلة صار الفؤاد ضحية ...أواه كم من حظه يتوجع / وحبيبة سكن الخيال فؤادها ...فتوهمت أن المحبة تخدع).ويستمر الشاعر بتعايش مع ذاته الداخلية كحالة يقينية في رؤياه الوجدانية ، فلم يعد يأتمن الزمان القادم كحالة انفراج من أزماته في الحياة فهو مازال يشعر بالنكبة وعدم الثقة بالزمان فمازال يتصدع فؤاده ، واصبحت دموعه هي طقوسه التي يتعايش معها ،ومع كل هذا يحاول أن يستعيد ذاته من كل هذه المشاعر ، لكي يقف على قدميه ، لأنه يشعر أكبر من كل هذه الأحاسيس ، و أن الحب أن اكبر من حبيبة التي ينتمي إليها ، و ليس هو الوحيد الذي أنخدع بهذه الحبيبة ،فالأرض فيها كثير من الخداع (ومضى الزمان على خطاها ناكبا ...تلك الحبيبة- والفؤاد يصدع / ودعي الدموع ولا تفيضي نهرها ... وقفي على قدميك لا نتسرع/فالحب اكبر ان يكون بضاعة ...لكنما في ألأرض من يتبضع ) ، وهذا ما شكل له ارتدادا استبدالي لكل ما مر به ، لكي يعيد التصالح مع ذاته والحياة.
والشاعر عبد الحسن خضير أستطاع ان يحافظ على متنه الشعري في ضمن نسيج لغوي ، من خلال أحداث المقاربة الكلية بين إحساسه الداخلي في الوجع والالم وبين ما عاشه بسبب الحبيبة التي لم تكن ما أراد من عشق بل هي كانت تعيش الخداع والكذب ، رغم حبه لها بصدق وانتماء حقيقي، وهذه دلالة استقرائية تصورية لكل إنسان عاش من الخداع والكذب عليه أن ويعود الى أيمانه بالحياة ، فليس كل من الأرض يتبضع ، والشاعر بنى قصيدته على حوارية تشاركية داخلية لكي يكشف أزمته ، وما عاش من وجع والم بسبب صدقه عكس خداع حبيبته ، وطبعا هذه الحالة ليس أزمته وحده بل ازمة إنسانية عامة فهو جعلها بقدر الأرض ، و الشاعر أستطاع أن يعطي التراسل النصي ما بين مشاعره وأزمته الداخلية والصورة الاستعارية لصورة الإنسان الذي ينخدع.