عندما كان ( متعب ) ينزل على الدبكة ويمسك على الأول ، ويفتل "ملوحته " الحريرية على أنغام المجوز الحزين كمَطْلَْع " للدبكة الشميلية " ، كانت الصبايا يتحلقن حول " مرسح الدبكة " للاستمتاع بأداء متعب الرائع وحركاته الرشيقة التي تعزف على أوتار قلوب العذارى، كانت حركات جسده الرديني ، وشواربه المعقوفة المشذّبة ، وحطته العربية ترسم لوحة فارس الأحلام لكل فتاة تبحث عن فارس أحلام في ذلك الزمن المنسيّ الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة الضيعة وشباب وصبايا الضيعة الذين أصبحوا في الهزيع الأخير من العمر .
بعد نيف وستين عاما من الزمن الهارب كحبات الرمل من بين أصابع متعب ما زال يقف أمام مرأته ـ التي شاخت وتأكلت حوافها ـ بما تبقى من جسده الهزيل وشواربه التي غيرت اتجاهها و لونها واتشحت بألوان أوراق الخريف ، يعاين بألم خطوط الزمن التي لا ترحم على مساحة وجهه ، يتحسر على الزمن الجميل ، وترتسم في مخيلته جولات الفروسية التي كان يخوضها وسط اعجاب وتصفيق الحضور .
لم يعد لدى متعب سوى الذكريات يحملها في جعبته ويفردها على أرصفة الطرقات حيث يفترش أقرانه مقهى الحياة .
لم يستطع (متعب ) التكيف مع المتغيرات التي غزت الضيعة وجعلت عاليها سافلها وسافلها عاليها .
مع كل نهار يُطوى من عمره يشعر بانه أصبح عبئاً على من حوله ، وأصبح يشعر برغبة عارمة في الخروج من المنزل هائماً على وجهه ، لكنه أبداً لم يتخلَ عن لباسه التقليدي ، ومسبحته التي لا تفارق يده ، إنها جزء لا يتجزأ من شخصية متعب التي شغلت مجتمع الضيعة لفترة من الزمن ، فترة المواسم الخيرة ، والافراح والأعراس ، والحب والعشق ، واللقاءات الرومنسية في الزوايا المخفية .
العمر يمضي وعلى الجميع أن يرضوا بقانون الحياة فكل يعيش زمنه والزمن كالطلقة حين تخرج لا تعود ثانية .
على العموم وأيا كانت المعاناة النفسية لأولئك الذين يجرح ذكرياتهم الزمن فإن الزمن بريء من كل جرح لأنه واضح وصريح منذ بداية الخليقة إلا أن البشر يفرحون بشبابهم ويبكون على أطلاله يوم يرحل دون رجعة
متعب ورغم معاناته فهو ومن هم على شاكلته يمنحون الحياة قيمة لأن الحياة تستمر كما هي بينما البشر هم من يتغيرون وشاهد كلامنا أن هذا الرجل بقي على حاله لم تبدله أية متغيرات طرأت على الضيعة حتى أنه احتفظ بلباسه التقليدي وهذا سر احتفاء الحياة به وأولئك الذين يقدرون الماضي الذي يحتفظ بسحره رغم كل المتغيرات
قصة جميلة وسرد ممتع أحييك عليه
شكرا لك أستاذ كمال
تحياتي وتقديري الكبير
سرد شيّق عشت القصة من خلاله ومن خلال وصفك الرائع لكل التفاصيل (الموسيقى،شباب متعب وفحولته،الضيعة ........)
جميل أن نعود بذاكرتنا الى الوراء فنسافر عبر أزمنة عشناها وحلم الشباب يؤرجح جوارحنا الفتية
ليت الشباب يعود يوما ،تلك هي الاغنية التي تعصر فؤاد كل من ظلمه الزمن في غفلة السنين
هل هي الصدفة أن يسمى البطل متعب ؟ وهاهو يتجرع الماضي فيطفو شبابه على سطح الذاكرة
ولكن في القصة حلقة مفقودة ،هل متعب يعيش وحيدا؟
تحياتي
سرد شيّق عشت القصة من خلاله ومن خلال وصفك الرائع لكل التفاصيل (الموسيقى،شباب متعب وفحولته،الضيعة ........)
جميل أن نعود بذاكرتنا الى الوراء فنسافر عبر أزمنة عشناها وحلم الشباب يؤرجح جوارحنا الفتية
ليت الشباب يعود يوما ،تلك هي الاغنية التي تعصر فؤاد كل من ظلمه الزمن في غفلة السنين
هل هي الصدفة أن يسمى البطل متعب ؟ وهاهو يتجرع الماضي فيطفو شبابه على سطح الذاكرة
ولكن في القصة حلقة مفقودة ،هل متعب يعيش وحيدا؟
تحياتي
****
الأديبة ليلى أمين ......شكرا من القلب لمرورك الراقي وتقييمك القيم ....دمتِ بخير وصحة وسعادة