رقصة الجنيات
--------
قصي المحمود
كلما اقتربت السيارة من اطراف القرية المطلة على النهر كلما ازداد خفقان قلبه,رغم ان طفولته كانت قصيرة هنا الا ان مشيمته قد قطعت هنا لتبدأ رحلةالحياة.
كان وجهه يلتصق على زجاج النافذة ليرىالبساتين الخضراء بنخيلها وعناقيد العنب المتدلية من اسوارها الطينية,وعندما استدارت السيارة لتعبر قنطرة ,,الشريعة,, انتابه احساس غريب فقد طاف في مخيلته ليلها المظلم الا من فانوس صغير لا يكاديضيء المساحة التي حوله.الليل عند القرية يؤرقه رغم سعادته التي لا يخفيها بتلهفه لسماع قصص وروايات جده .
كانت الشمس قد مالت للغروب حين جلس الجميع على مائدة العشاء,كانت الجدة تحتفي باحفادها وقد ابقت لهم من الزبد والحليب وقد حرصت على ذبح اكبر دجاجاتها.
فمنذ ان غادر قريته وفي كل مرة يعود تعرف جدته انه يحب (الخميعة)1 فكانت تحرص على تقديمها له,لكنه كان قد اشتاق لسماع روايات جده عن الذئاب المتوارية بين احراش البساتين او تلك ,,السعلوه,, التي تتربص بفاطمة خان ولا ينسى ان يبدأ بجنجل وجناجل ليختمها
بقصة ,,الاكيرع,,2 حكايات تسكن روحه وتعيش في مخيلته رغم الخوف الذي يعتريه وهو يسمعها حيث تتجمع كل مدركاته الحسيه متأهبة ترفض الاسترخاء صاغرة مستسلمة.
كان الجد وهو يستلقي مسترخيا على سرير صنع من سعف النخيل يتوسط باحة الدار يتدلى فانوس صغير من على خشبة ربطت مع السرير.كان يجد متعة غريبة وهو يروي حكاياته التي لا تنتهي, والجدة تمر عليهم بين الفينة والاخرى تاركة الام وقريباتها لتنبه الجد بان الاطفال متعبين من السفر وانه يخيفهم بقصصه.
كانه لا يسمعها وهو يسترسل بحكاياته --حان وقت النوم امامكم غدا وبعد غد ثم التفتت الى الجد ترجوه ان يختم قصته فلم يجد الا ان يستجيب لها بعد ان راوده النعاس ,صعدالجميع السلم الطيني لسطح الدار حيث فراش المنام ,ففي الصيف المكان المفضل ليلا هو سطح الدار الخالي من السور حيث النسيم العليل حتى ياتي منتصف الليل يلتحف الجميع بغطاء صوفي فالجو يبدأ بالبرودة, استلقى على فراشه ونظره ممتد على تلك البساتين وازقتها الملتوية ,لا زالت قصص جده تدور بمخيلته وما زالت عينيه يجافيها النوم,شعر ان الجميع قد استسلم لنوم عميق وهو مسترخي على فراشه.
فجأة سمع اصوات ودبكة,رفع رأسه قليلا كانت الاصوات تأتي من جهة الشريعة,سرت في جسده قشعريرة ,التفت الى والدته التي تنام جنبه وتراجع عن ايقاضها ,فقد تعود ان يخفي خوفه ,وتجرأ ورفع رأسه قليلا,كانت حلقة من النساء بشكل دائري يتراقصن يشبهن الطائر ,,الكركي,,3 والشعر طويل يلامس الارض ,
اغاني بصوت له من الصدى يخترق ازقة البساتين , ربما هي من تداعيات قصص جده ,هكذا كلم نفسه,نهض من فراشه وقد احنى ظهره قليلا حتى لا يراه احد,جالت عيناه حوله,لم يجد حجارة او شيء من هذا القبيل,اقتلع من حافة السطح نتوء صغير واستجمع قواه ورماه تجاههن,شعر ان احداهن تحدق فيه وعيناها ذات بريق جعله يشعر بالرهبة والخوف,ولم يشعر الا وشعرها يتطاير باتجاهه كانه حبل طائر يلتف حول عنقه ويسحبه اليها .
استفاق على صوت امه وهي تكلم احد ما
-دكتور هذه المرة الاولى التي مشى فيها بنومه
-لا تدعيه ينام على مرتفع فقد ستره الله هذه المرة
بكومة القش التي كانت تحت سطح الدار
-------
1-الخميعة:اكلة ريفية من الزبد والحليب المغلي
مع الخبز
2- الاكيرع: الاقرع
3- الكركي: طائر طويل العنق والساقين يعيش في
المسطحات المائية