في الظهيرةِ التي تتكسّر فيها الأرصفة من شدّة الضوء،
كنتُ أمشي وحدي كأنني آخرُ الناجين من مدينةٍ نسيت أسماء سكّانها.
الشمس فوق رأسي،
عينٌ عظيمة تحدّق في ظلّي:
إلى أين يهرب الإنسان حين يحاصره الاحتراق؟
كان الجدار صامتًا،
لكنه أكثرُ رحمةً من ألف وجهٍ مزدحم بالكلام.
أستند إليه كمن يستند إلى يقينه الأخير،
وأشعر أنّ الظلّ الذي يمنحني إيّاه
أقربُ إليّ من كثيرين يشبهونني في الدم.
لا أحد يراني…
إلّا ظلّي الممدّد على التراب،
كحقيقةٍ لا تُجيد التمثيل،
والسماءُ التي تعرف عدد الضمّادات في القلب.
لقد تعبتُ من المدن التي تقيس الإنسان
بسيارةٍ فاخرة وبنايةٍ عالية،
ومن الوجوه التي تبتسم
بأفواهٍ تشبه الأبواب المزخرفة.
في الوحدة يصبح القلب أكثر صدقًا،
بلا قناع،
ولا حاجة له أن يشرح نفسه كلَّ مساء.
هناك، بعيدًا عن الناس،
تسمع صوتك الداخلي للمرة الأولى،
ترى كم كنتَ غريبًا عن نفسك
وأنت تحاول إرضاء الضوضاء.
كنتُ أظنّ أن الوحدة فراغ،
ثم اكتشفتُ أنها امتلاءٌ خفيّ بالإيمان.
أرفع رأسي إلى السماء،
فأشعر أن الدعاء وطنٌ صغير،
وسلاحٌ لا تستطيع الحروب مصادرته.
وأشعر أن الله،
حين يتركك وحيدًا،
إنما يفتح لك أبواب أمان.
كم هو هشّ هذا الهيكل الطيني…
يبحث عن كتفٍ تؤويه،
ثم يكتشف
أن أكثر الأكتاف أمانًا
هي سجدةٌ لله.