الحلْقة ..
ورقة من ذاكرة طفولة
...وينزلق المساء على جبة المدينة بطيئا ، يحمل وداعة حانية ، تذيب على مهل حرارة هذا اليوم من نهاية الاسبوع، وتدخل العشية في عباءة سهرة وادعة ،تفتح شهية عاشقي سحر الليل ومتعة التجوال..
-يا فتاح يا عليم..يا رزاق يا كريم..
هكذا تعود ـ باّ مبارك- كما يحلو للبعض مناداته ـ تعود أن يفـْتَـتـِحَ مكانه ، / حلقته / على مدى سنوات عمره ، التي يحددها لرفاقه بعام = البـُونْ=
ـولدت عام البون..يوم أتى الجراد على اليابس والأخضر، فـاظطرت العائلات أخذ المؤونة من المكلف بالحي ، حسب عدد الأفراد وتقسم أحيانا على اثنين لكثرة الطلبات ، مرة كل أسبوع..
-لا ..لا..*بّامبارك* عام الجراد أتى بعد ذلك / أما ـ عام البون ـ حدث في عهد الاستعمار ..و ..
يزمجر ـ با امبارك ـ أنت لا تعرف شيئا ..زمن غريب ..أبناء البارحة سيعلموننا التاريخ.
بات الجميع يعرف الحكاية ، لقد أعادها بصيغ متعددة ، مُبْرما بها دقائق النهارات الطويلة الممتدة الى خيوط الفجرالأولى من غد اليوم الموالي.
والكل يعرف أنه يستحيل معاندته / او تصحيح التاريخ أمامه.
يرش المكان بقليل من الماء ، وبنظرة ثاقبة، يرسم حدوده..
مكان*الحلقة* استراتيجي وسطي ، بين – حَـلـْقَـات- متعددة ، سطرت الذاكرة الجماعية للموروث الثقافي للمدينة الحمراء ،يطل مباشرة على الواجهة الأمامية للساحة التي يتربع عليها / جامع الفنا / ،والتي تعتبر نقطة انطلاق لتفرعات المدينة ككل .
ترتبط حدوده الأربعة في تناسق يجلب المتفرج على بعد أمتار .
لذلك كان محط أنظار الطامعين ، أدى في العديد من المرات إلى مشادات وصلت إلى مداها ، خصوصا في بداية المسير..
يفرش بساطا أخضر وفي وسطه يضع صُندوقا خشبيا، بفتحتين صغيرتين أعلى ، وقٌفلٍ صدىء يشد ه من الجانبين..
قِرُ دَتُـهُ * شَـهْلـُولة * وضعت زينتها،وتـأهبت لاستقبال الزوار،الذين تقلصوا الى اثنين .. ثلاثة..وأحيانا الى غياب تام.
غياب تام رغم شقلبات * شهلولة * البهلوانية الذكية ،وقدرتها الفائقة على النط في حَلَقة دائرية ملولبة لعدة دقائق، ودون توقف ورغم ابتسامتها البليدة اللذيذة ..
ظل ـ بّا امبارك ـ يعيد قصة ـ الأميرة وملك الجان ـ واستحضار شهرزاد بكل أثواب الزينة بتقنية قصصية مشوقة / أرادها ورقة رابحة على غرار ورقة شهرزاد : ـ السكوت - عند العقدة لتشويق المستمع، وترك مجالا للقردة * شهلولة* لجمع الهبات والتبرعات السخية.
وتمر الأيام تطويها السنين و..
لم يعد المكان محط أنظار الطمع ولا محط إزعاج ومشادات.انها ـ الحلقة - الوحيدة المتبقية ، فكل منـافسي ـ شهلولة ـ من ثعابين صغيرة حركت الرؤوس برقصات غريبة على أنغام الناي قد صُودِرَتْ..
صادرها حكي آخر/ لقد تغير الزمان ؟
بنفس الجملة ـ يا فتاح يا عليم .. يا رزاق يا كريم ـ يجمع ـ با امبارك ـ بساطه الاخضر وقردته على الكتف، ثم يغيب في الزحام.
انتهت
ملاحظة
المدينة الحمراء: مراكش وسميت بالحمراء نظرا للون الاحمر الذي يزين الجدران والحيطان وهو لون البريك وأيضا يطلق عليها مدينة النخيل
جامع الفنا / بتسكين الفاء وهي الساحة الاشهر من نار على علم
مستودع الثقافات والتاريخ للمدينة ولتقاليدها عبر العصور
ساحة كبيرة ممتدة في التاريخ وفي الذاكرة
والفنا بمعنى جامعة لكل الفنون وهناك من يقول الفنا بمعنى انها نهاية تجتمع فيها الحياة برمتها وكانك ترى كل ما يجب أن تراه فيها