الموضوع: رحيق الألم
عرض مشاركة واحدة
قديم 06-30-2017, 09:32 AM   رقم المشاركة : 1
أديبة وقاصة
 
الصورة الرمزية سولاف هلال





  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة :سولاف هلال غير متواجد حالياً
اخر مواضيعي
قـائـمـة الأوسـمـة
افتراضي رحيق الألم





رحيق الألم




أبحر إليه بأشرعة ممزقة لكنها قادرة على تحدي الأنواء.. أعبر إلى ضفته النائية فتتبدى لي كمرفأ لم تلوثه النفايات.. أقتحم منفاه رغما عنه لألوذ بقلبه المسكون بالغربة غير طامعة بامتلاك ركن فيه.

أفتح بابا يفضي إليه، يبتلعني عالمه الموشوم بالأسى فأمكث هناك زمنا، أرتشف عصارة همومه التي لا تخرج عن نطاق همومي، فالأرض التي حملتني حملته، والهم الذي طالني طاله، إنه حقل أوجاع زرعت نفسي فيه فزادني وجعا.
شاهقة قمة هذا الرجل، لست أدري لِمَ لَمْ أتسلق ذات يوم بنيانه المتنامي، رغم أني أرهقت بصري بقراءات شتى دون أن أحظى بمؤلف ينتسب إليه.
إنها صديقتي! هي التي أشعلت الجذوة دون أن تدري، أهدتني رجلا من ورق فنفختُ الروح فيه حتى صار ملاذا.
كنت بحاجة إلى جليس يؤنس وحدتي ويبدد وحشتي فاقترحتهُ علي، ثم ذكرت لي بعض منجزاته ورسمت لي دون أن تدري طريقا سلكته مرارا في غمرة اشتياقي.

تحدثتْ عنه بانبهار أثار فضولي فتلهفت لسماع المزيد، كان معظم ما قالته متوائما مع طبيعته كشاعر، لكن شيئا ما في هذا الرجل بدا لي مختلفا عمن سواه، وهذا ما جذبني بشدة إليه.

أربكتني التماعة عينيها وحمرة كست وجنتيها كلما أثنت عليه، وزادتني انفعالا تلك الابتسامة المطعّمة بنشوة تتخطى حدود الإعجاب بكثير، لكني أحكمت لجام لساني الذي كان يستعد لإلقاء سؤال عن طبيعة علاقتها به، رغم أنها قالت لي في مستهل حديثها إنه صديق قديم وحميم لزوجها.
بدا لي من خلال حديثها أنه رجل استثنائي، جاء إلى عالمنا في التوقيت الخاطئ، تحدثتْ عن أسلوبه الراقي بالتعامل مع كل شيء، قالت إنه أشبه بشخصية ابتدعها خيال سام.. شخصية لا تنتمي إلى عالمنا من قريب أو بعيد، إنه مغرم بكل ما يحيط به، يرى الحياة بمنظار لا يملكه سواه، يتعامل مع الملعقة والشوكة والسكينة ومع سائر أدواته بمودة ورفق، لكأنها كائنات تتنفس، يحنو على النبات ويلقي عليه التحية كلما مر بجواره.. يا ويلتي.. ما باله وهو يتعامل مع البشر؟ وأنا قد سئمت أولئك الذين يلقون في وجهي نفاياتهم ما أن تسقط عن وجوههم الأقنعة، ليتني التقيته في عام من أعوامي التي لم يمرق خلالها إلا المسوخ.
لا أحد يدري كم أمضي في صحبته من ساعات دون أن يعتريني السأم، إنه عالمي السري الذي بت أخشى عليه من نفسي، وفي غفلة من الجميع حزمت مشاعري وألقيت بها بين صفحاته، لتغدو ملكا له وحده برغبة مني لا برغبته.
أتلو لغته بشغف، تقفز من قلب حروفها أشواك توخز قلبي وذاكرتي الضالة المغتربة، أشعر بآلامه تزحف صوب آلامي لتلتحم بها، ثم ننضم إلى موكب أوجاع شعب بأسره، ذلك الشعب الذي شتته الحروب واحتضنته المنافي.
يؤلمني شوقه لمدينته.. أكاد أنشطر نصفين وهو يتحدث عن غربته وعن حياته كلاجئ، وكم تمنيت أن أصبح نقطة.. مجرد نقطة في عالمه المترع بالأوجاع والكلمات.. أنا التي أصبحت جزءا من وجوده دون أن يشعر بوجودي.
يا لهذا العالم كم هو ضيق، كنت أظن أن لقائي به شبه محال، لكن صديقتي محقت هذا الظن وفاجأتني بما لم أتوقعه، قالت لي في آخر زيارة لها، إن الشاعر الذي أعرتك كتابه قادم بعد أيام، وهو يرغب في مقابلتك لأني حكيت له عنك كما حكيت لك عنه.

ارتبكت.. غمر وجهي الشحوب، كنت أحاول أن أداري انفعالاتي خشية افتضاح أمري، فأنا لا أنوي الإفصاح عما يجيش بداخلي، ولم أكن على استعداد لمصارحتها بحقيقة مشاعري تجاه شخص لا أعرف عنه شيئا سوى ما أخبرتني هي عنه.. حتى أني لم أفكر في متابعة أخباره أو الحصول على صورة شخصية له رغم أنها موجودة على الكثير من المواقع الاجتماعية والأدبية، لم أفعل لأني عشقت كيانا أردته أن يكون في منأى عن الواقع، والواقع لا يحمل لي في الغالب إلا المزيد من المفاجآت والصدمات التي أتلقاها من البشر.. من أجل هذا أغلقت بابا على عالمه الذي يناسبني.. عالمه الذي كان في الواقع عالمي الذي أردته أن يكون خاليا تماما من أية شوائب أو منغصات تعكر صفو مشاعر لطالما أردت لها أن تكون في مأمن، وأن تنعم بالسلام.

مرت الأيام أسرع من المعتاد أو هكذا بدت لي.. اتصلت صديقتي وحددت لي الزمان والمكان.
أصابني التوتر في تلك اللحظة فانهارت كل قواي.. كنت أخشى على صورته أن يشوهها اللقاء، فالناس تبدو أجمل من بعيد وما أن يزول الغموض عنهم حتى يختفي السحر الذي يشدنا إليهم، وأنا لا أريد لهذا السحر أن يزول إنه يعني ديمومة توهج مشاعري.. وكم أتمنى أن يدوم عمرا بأكمله دون أن يفقد مثقال ذرة من سطوته عليّ، لكنني ورغم هذا لم أتمكن حينها من تجاهل نبضات قلبي التي كانت تحثني على سرعة الذهاب إلى مكان هو أهم وأجمل من فيه.

قلبت محتويات خزانتي.. قاومت رغبتي في ارتداء ملابس تظهر مفاتن جسدي.. ارتديت فستانا شاحبا يشبهني فلقد هرب دمي.. كل دمي ما إن أغلقت الخط مع صديقتي.
في الطريق إليه حدثت نفسي طويلا ووعدتها بما تتمناه، ثم أعدت إلى عروقي الدم الهارب منها ما إن اتخذت قرار إغلاق هاتفي المحمول والعودة إلى البيت فورا.













التوقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
  رد مع اقتباس