عرض مشاركة واحدة
قديم 04-20-2014, 02:19 AM   رقم المشاركة : 1
أديبة وقاصة
 
الصورة الرمزية سولاف هلال





  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة :سولاف هلال غير متواجد حالياً
اخر مواضيعي
قـائـمـة الأوسـمـة
افتراضي عناكب 3 إهداء إلى الغالية ليلى أمين

عناكب 3


ثمة تغيير واضح الملامح طرأ على الشارع إثر تشييد مبنى ضخما منح الحي شهرة واسعة وسمة جعلت الحياة مختلفة بعض الشيء بسبب الأعداد الغفيرة من الشباب والشابات الذين كانوا يقفون لساعات طويلة في انتظار لحظة السماح لهم بدخول المبنى ذائع الصيت .
يطلق على هؤلاء الشباب مصطلح مجاميع ، وهذه المجاميع لها وظيفة حيوية ، حيث أنهم يشتركون في معظم البرامج الترفيهية وبرامج المسابقات .. وكثيرا ما كنا نسمع أصوات صفيرهم وضحكاتهم العالية أثناء تصوير تلك البرامج في استوديو القناة المجاورة لعمارتنا ،و تعد هذه القناة من أكبر وأهم القنوات الفضائية العربية على الاطلاق.
وهكذا اطمأننّا جميعا على مصيرنا في شقة ( العفاريت ) كما كنا نطلق عليها حيث أن الهرج والمرج والأصوات المرتفعة منحتنا الراحة رغم الضجيج ، ولم يعد هنالك ما يقلقنا ،لأن معلوماتنا تفيد بأن تلك الكائنات لا تقترب من الأماكن الصاخبة وتميل إلى الأماكن النائية والمهجورة ، وهؤلاء المجانين الذين لا ينقطع صفيرهم وصراخهم ليل نهار ويستمر إلى ساعات متأخرة من الليل ، ربما يجبروا نصف سكان الحي على مغادرة منازلهم أملا في الحصول على راحة باتوا يفتقدونها، فما بالك بكائنات تميل إلى الهدوء والعزلة حسب ما يقال ،انتهى الأمر إذا ًوصرنا قاب قوسين أو أدنى من السكينة والاستقرار.
لا شيء على الإطلاق يشي بحدوث أمر ما، فالحياة تسير بوتيرة واحدة ، نستيقظ صباحا على صوت بائع "الروبابيكيا" الذي يصل إلينا من خلال مكبرات الصوت ، وننام ليلا مستأنسين بأصوات أناس لا نعرفهم، فليس ثمة ما يشير إلى أن البيت لا يزال مسكونا بمخلوقات تأبى الرحيل رغم ما طرأ على الشقة والحي من متغيرات .
يبدو أن ابنتي قد وقعت منذ زمن طويل في شباك أحدهم ،وربما هو من وقع في شباكها لم أعد أدري ، فلطالما حاول الاقتراب منها وملامسة جسدها الغض ، وما أن ينطلق صوت صراخها حتى تخفت جميع الأصوات مهما بلغت حدتها .
لبثنا على هذا الحال زمنا ليس بالقصير ، كانت ابنتي تعاني أكثر من أي فرد من أفراد أسرتنا ، لأنها تتعرض لمواقف لا يمكن لأحد أن يحتمل ولو جزء يسير منها ، قالت لي يوما " إنه يحاول أن يتحدث معي ، لكني أبدأ بالصراخ حالما أسمع همهماته ، أتعرفين يا أمي أنه حاول الظهور أمامي ، لكني توسلت إليه ألا يفعل ، ففي إحدى المرات انبثقت من قلب العتمة عين حمراء لا تشبه عيون البشر، فصرخت بكل ما أوتيت من قوة ، لكنه لم يحاول الظهور ثانية وهذا ما جعلني أوجه له رسالة شكر كتبتها على المرآة ، فكتب بدوره "أنت تقمعين رغباتي ، لكن لا بأس سأرضخ لرغباتك حتى تطلبين بنفسك ما تخشينه الآن " .
لا أخفيكم سرا ،ساورني القلق وأنا أستمع لحديث جعلني في حيرة من أمري ، فلقد انهالت على رأسي تساؤلات ولدت الكثير من المخاوف " ترى هل ابنتي مريضة وتنتابها الوساوس والخيالات ، أم أن ما أفصحت عنه حقيقي إلى درجة يصعب عليّ تصديقه ، وفي كلتا الحالتين كان ينبغي أن ألجأ إلى أحد خيارين ، إما أن أعرضها على طبيب نفسي أو أستعين بأحد المشايخ الذين يمتلكون القدرة على التعامل مع هذه الكائنات ، لكنني لم أفعل شيئا مما دار في خلدي لأني انشغلت بخطبة ابنتي المفاجئة وقد لاقت مني القبول، مما جعلني أضغط على والدها وأنتزع موافقته انتزاعا، أملا في أن يضع الارتباط حدا لهذا الكابوس المفزع .
غادرت ابنتي البيت ، صار لها بيتا جديدا وحياة بدت لي لوهلة أنها تحظى بالأمن والأمان ، كان هناك ما جاهدت لتخفيه عني ، حتى زوجها لم يتفوه بكلمة ولو من باب الشكوى ، وفجأة قررا الطلاق ،ولم يكن بوسعنا إقناعهما التخلي عن فكرة الانفصال نظرا للمعاناة التي أرهقت زوجها على مدار سنة كاملة ، ولم يثنهما الحمل عن تنفيذ هذا القرار .
قال لي زوجها : " في البداية كنت أستيقظ فزعا على صوت صرخاتها ، ثم بدأت أشعر بوجوده حين يندس في فراشنا محاولا إقامة حاجز يفصل بيننا ، وكثيرا ما كنت أرى بأم عيني جسدها وهو يتحرك صعودا وهبوطا في حركة أعرف تماما أسبابها وتعرفين أنت بالتأكيد ، وكنت أدرك ما يحدث في وجودي من خلال تقطع أنفاسها ، هل يرضي هذا أحد ؟ ناهيك عن تغير ملامحها التي تصل إلى حد البشاعة كلما حاولت الاقتراب منها ، بت أشك حتى بحملها ، ترى لمن ينتسب هذا الجنين ... لي أم له ؟ سأترك الحكم لك وأرجو أن يكون عادلا .
الصدمة شديدة لا محال وقاسية على كل فرد من أفراد الأسرة ، لكننا حاولنا أن نتقبل الأمر ونلتف حول ابنتنا التي صممت على الاحتفاظ بالجنين رغم تخلي زوجها عنها وعنه ، ولم تقف أصعب الظروف في وجه مخلوق قدر له أن يولد ، وكم كانت فرحتنا كبيرة حين استقبلنا مولودا يشبه والده إلى حد التطابق ،قد يكون لهذا التشابه أثر على الوالد الذي أحس بأن الطفل قطعة منه ، لكن هذا لم يغير من الأمر شيئا ، وهكذا انضم لأسرتنا عنصر جديد أدخل في نفوسنا الكثير من البهجة .
خيم الهدوء والسكينة على حياتنا لمدة عامين ونصف العام ، لا شيء أجمل من حياة تتسم بالهدوء ، لم يحدث خلال تلك الفترة ما يعكر صفو أيامنا ،وفجأة انطلقت صرخة مدوية .
يا الله ... حفيدي يصرخ هذه المرة ، انتزعته من بين يدي ابنتي وأنا أقرأ المعوذات ، كان جسده ينتفض من شدة الفزع ..لا يكف عن نطق كلمة " بوبي" مشيرا بإصبعه الصغير إلى أحد زوايا الغرفة ،وكلما نظر إلى تلك الزاوية تعالى صراخه واتسعت عيناه ، ترى ما الذي يراه في ذلك الركن المقيت؟ لست أدري .
احتضنت حفيدي بقوة خشية عليه من السقوط ، أصابني صراخه بالتوتر ، فصرخت أيضا : هيا اخرجوا من هذه الغرفة اللعينة ثم ذهبت به إلى الغرفة المجاورة ،ولحق بي الجميع إلا ابنتي .
لم أنتبه لغيابها فقد كنت أتابع مشهدا زادني هلعا ، زوجي وأبنائي يتصرفون على نحو غريب ، وكأنهم يتعرضون لاعتداء من قبل عدو غير مرئي ، وأنا أقف عاجزة عن فعل أي شيء.
توقفت حشرجات الطفل وهدأ نبضه ثم غفا وكأن شيئا لم يكن ، وضعته في سريري استعدادا للقيام بردة فعل قد توقف المعركة الدائرة بين الطرفين ، لكن ابنتي حسمت الأمر ، يبدو أنها أرادت أن تجنب ابنها الدخول طرفا في حكاية تجهل نهايتها أو إلى أي مدى ستستمر، فقررت أن تضع النهاية بنفسها لتنقذ الجميع .
اندفعت ابنتي نحو الشرفة بسرعة جنونية ،مرقت أمامنا كالسهم ، وفجأة توقف كل شيء ، إلا صراخنا والعويل .
هرعنا إلى الشرفة لنستطلع الأمر ، لم تكن الشمس قد أشرقت بعد ، لكن الضوء كان يعم المكان، وبعض دخان كان يتسرب من شقوق الجدران .
نظرنا إلى الشارع بدهشة ، جمع من القطط يسير في موكب مهيب ، ولم نجد أثرا لابنتي قط .













التوقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
  رد مع اقتباس