كنت أشعر بالبهجة أو هكذا ادّعيت في ظل ذلك الحزن الذي ألقى بظلاله على نفسي .
ثمة صوت كان يصرخ في الأعماق يحثني على الاتصال بأهلي ، لكني كنت أصر على تجاهله فليس من العدل أن أنتزع الفرح من قلب زوجي ومن قلوب أفراد عائلته بسبب هواجس لا أعرف مصدرها أو مدى صحتها ولماذا تلح علي من الأساس ؟
كانت تلك هي المرة الأولى التي أسافر بها إلى بلد زوجي "مصر " بعد سنوات من زواجنا وقد آثرت الصمت على أن أثير زوبعة تعكر الأجواء وتكدر النفوس ، والحقيقة أني كنت واثقة من حدسي فانتظرت بعض الوقت ليستمتع زوجي بعائلته بعد فراق دام أعوام ثم طلبت منه بعد ذلك أن نذهب إلى السنترال لنتصل بأبي لأني كنت قد اشتقت إليه ولأخوتي .
في السنترال قام زوجي بإعطاء الرقم للموظف و عندما بدأ الموظف بطلب الرقم صرخت على نحو مفاجئ: اغلق الخط من فضلك ..
تطلع زوجي إليّ بدهشة ..فقلت له بتوسل وفي حلقي غصة :دعه يغلق الخط أرجوك ..
وبالفعل أغلق الموظف الخط ولم أفكر في الاتصال مرة أخرى .
بعد مرور شهر ، اجتمعت عائلة زوجي لتودعنا وبينما كان الجميع ينظرون إلي بحب ويثنون علي وعلى ذوق ابنهم في اختيار الزوجة المناسبة انفجرت فجأة بالبكاء فركضت صوب غرفتي وأسئلة استفهام تتبعني ( حد زعلها )؟
تبعتني شقيقة زوجي .. ربتت على كتفي وهي تسأل عن سبب بكائي .
قلت لها إني خائفة .. وأن هناك كارثة تنتظرني في العراق ، كنت على يقين من موت أحد أفراد عائلتي !
وضعت شقيقة زوجي يدها على رأسي وراحت تتلو بعض الآيات القرآنية وحاولت أن تطمئني لكني لم أطمئن !
عند وصولي إلى بغداد كنت أقدم خطوة وأؤخر الأخرى قبل الدخول إلى بيت أهلي .
دخلت ..وكادت أن تودي بعقلي المفاجأة
إنه أبي .. أبي من فارق الحياة بعد أيام من سفري.
عندما أخبر زوجي شقيقته بوفاة أبي أصيبت بالدهشة وقالت :سبحان الله كيف عرفَتْ ؟
لا أعرف كيف عرفت .. لكني عرفت !
رحم الله أبي وأسكنه فسيح جناته.