الموضوع: نضال "أبو نضال"
عرض مشاركة واحدة
قديم 06-06-2012, 12:01 AM   رقم المشاركة : 1
أديبة وقاصة
 
الصورة الرمزية سولاف هلال





  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة :سولاف هلال غير متواجد حالياً
اخر مواضيعي
قـائـمـة الأوسـمـة
افتراضي نضال "أبو نضال"

نضال "أبو نضال"

أي وجه هذا الذي استوطن أحلامي ودعاني إلى الخروج عن مسار حددته لي الأيام .. أية غواية دفعتني للبحث عن نشوة بلهاء أورثتني لعنة الانشطار.
بين ماض وحاضر أمرغ أنفي لألتقط نواة حلم أحمق قادني إلى حافة الانهيار.
أعوامي التي تجاوزت الثلاثين آنذاك ، ما هي إلا وتر مشدود بذاكرة طيف أخرق شرب كأس المرارة حتى الثمالة وأقسم أن يشاركني إياه .
منذ الطفولة وعناقيد الأحلام تبعثر نواتها في دروب الذاكرة ومنعطفاتها ، فتنمو صورا لا أعرف من أين أتت وكيف تشكلت ، إلا أنها تشمخ أمامي في الصحو والمنام .. تهمس بكلمات كالأحجيات، ونظرا لصغر سني كنت أتجاهلها حيث لا سبيل لإيجاد حل يفك لغز تلك الكلمات .
ثم بدأت الصلة تتعمق ما بيني وبين الصور، حتى أن ذاكرتي أخذت تمدني بالمزيد منها ، فانتفخت عروق واستغاثت نفس أجهل صلتها بي ومن تكون .
أنظر إلى أقراني بعين حاسدة أحيانا ، أتأمل شعاع أعينهم ومسراتهم البكر ،كم من الأعوام يلزمني لأتطهر من القيح الذي أصاب روحي التواقة إلى الحرية وإلى التحرر من أغلال حلم لم يدعني أهنأ أبدا براحة البال ، ويوم قررت الخروج من فوهة الصمت التي ابتلعتني ، أعلنت التمرد على الذكريات المستعارة .. على الأحلام ، وعلى نفسي الواقعة تحت تأثير تلك الأحلام .
قبل أن أبدأ رحلة السعي وراء مجهول أقض مضجعي وعكر صفو أيامي لأعوام، كان لا بد أن أطرق أبوابا وأكشف أمرا ترددت كثيرا في الكشف عنه ، لأنه مربك وغامض .. معقد وشائك ، من أجل ذلك ، قررت أن أقتحم غرفة أبي وأقف أمامه عاريا إلا من روحي التي تنشد السلام .
ـــ هل تعرف شخصا يدعى " أبو نضال "
ـــ ومن يكون هذا (الأبو ) نضال ؟
ـــ لا أعرف!
ـــ معنى هذا أنك تسألني عن شخص مجهول !
ـــ نعم يا أبي
ـــ وماذا يعني هذا ؟
ـــ يعني أنني في حيرة من أمري، وأظن أنه قد آن الأوان لأطلعك على سر حبسته بين أضلعي لسنوات ، ولم أطلع عليه أحدا، ولا أدري لمَ أخفيته عنك، لكنني بالتأكيد كنت أهاب الوقوف أمامه وجها لوجه كما أفعل الآن !
ـــ أنا لا أفهمك يا ولدي ولا أعرف عمَّ تتحدث !
ـــ سأجيبك الآن عن تساؤلات أرقتك في الماضي كما أرقتني ، لماذا لا أندمج مع الذين هم في مثل سني وأتهمهم بالتفاهة وعدم الاتزان ؟ لماذا أبدو كهلا وأنا في أول العمر؟ لماذا أتلكأ وأتأتئ حين يسألني أحدهم عن اسمي ؟ لماذا لا ألجأ إلى حضن أمي إذا ما وبّخت أو اعتدى علي أحدهم بالضرب، لماذا ولماذا ، أتعرف لماذا يا أبي؟
في العاشرة من عمري راودتني أحلام لم أكن أوليها اهتماما مع أنها تكرار لما حلمت به من قبل ،وشيئا فشيئا أصبحت الأحلام أشبه بالكوابيس ،حتى أنني كرهت النوم خشية السقوط في فخ الرعب الذي نصبه لي رجل كهل ،لا أعرف حقيقة أمره أو الصلة التي تربطه بي.
ـــ ومن يكون هذا الرجل ؟
ـــ إنه الشخص الذي أسألك عنه يا أبي ، إنه "أبو نضال"
ـــ أكمل يا ولدي فأنا لم أفهم بعد!
ـــ توالت الأحلام .. ازداد خوفي حين طغى حضوره على حضوري فشمل يقظتي والمنام ، وصرت أراه في مخيلتي عن طريق شريط ذكريات لا أعرف كيف اقتحم دماغي وما هو مصدره .
أنا لا أعرف هذا الرجل ، لكنني أشعر حياله بالانتماء ، إنه لغز محير أتعبني ، وقد آن الأوان لأقتحم حياته كما اقتحم حياتي .
ـــ وكيف ستقتحم حياة من تجهله ؟
ـــ أنا أعرف كل تفاصيل حياته ، لكني أجهل سبب تطفله علي .
ـــ هل لديك عنوانه بالفعل ؟
ـــ نعم .. شريط الذكريات المقحم على ذاكرتي مسجل عليه عنوانه وذكرياته وكل ما يتعلق به .
ـــ لماذا لا تذهب إليه الآن لتستطلع الأمر ؟
ـــ سأفعل يا أبي ، لكن ليس الآن .
ـــ وما الذي يمنعك أن تذهب إليه في الحال ؟
ـــ إنه يسكن مدينة أخرى
ـــ أية مدينة ؟
ـــ إنها مدينة ساحلية تبعد عشرات الكيلومترات عنا ، أما بيته فيقع على الجانب الآخر من البحر بالقرب من بقالة تدعى بقالة أيلول .
ـــ ومتى ستذهب ؟
ـــ غدا إن شاء الله.
ـــ سآتي معك ؟
ـــ لا يا أبي .. أريد أن أذهب بمفردي.
أطلت المدينة بألقها وسحرها الآسر.. البحر يناديني كما لو كنت خليله .. لبّيت النداء على الفور وأصخت السمع لوشوشاته الصاخبة المرحبة ، أكاد أجزم أن للبحر لغة لا يفهمها إلا المتيمون بما أبدعته يد الخالق جلت قدرته.
شعرت برغبة شديدة تدفعني للدخول إلى أحد المطاعم المطلة على البحر، رغم أني لم أكن جائعا ، وبتلقائية شديدة أمسكت قائمة المأكولات ثم ذهبت فورا إلى القسم الخاص بالأسماك البحرية ، ودون أدنى تردد قمت بطلب نوع غريب من سمك لم أتذوقه يوما ولا أظن أنني رأيته في مدينتي يوما ما .
أرنو إلى البحر وأشرعة المراكب القصية .. صوت أم كلثوم يتموج داخل الروح وهي تردد "الموجة بتجري ورا الموجه عايزة تطولها " .. النوارس عنفوان يتحدى الشمس ، والشاطئ مهرجان فرح دائم.
تأملت المدينة المفعمة بالحياة ، انتابني شعور خفي مبهج ، هذه المدينة أعرفها حق المعرفة، وليس أسهل من أن أصف شوارعها ودروبها وأنا مغمض العينين .
وما بين الدهشة والتأمل سقط بصري سهوا على وجه رجل كهل كان يسير بمحاذاة المطعم .. دفعت الحساب على الفور وركضت في إثره صائحا:
ـــ عدنان .. عدنان .
التفت الرجل صوبي ثم قال بدهشة :
ـــ هل تعرفني ؟
ـــ نعم .. أنت عدنان ابن الحاج إسماعيل .. أليس كذلك ؟
ـــ نعم .. أنا هو ، ولكن .. من أنت ؟
ـــ أنا مروان ابن فادي الدرزي .. ألا تعرفني
ـــ لا
ـــ كيف لا .. مادمت أعرفك فلا بد أن تعرفني !
ـــ لكني لا أعرفك ولم تسبق لي رؤيتك ،هل أنت من سكان هذه المدينة ؟
ـــ لا
ـــ اعذرني إذن أنا لا أعرفك بالفعل .
مط الرجل شفتيه ومططت شفتي أيضا ، ثم انسحبت بهدوء .
جاءني صوت الرجل من بعيد:
ـــ هيي كيف عرفت اسمي واسم أبي ؟
لم ألتفت إليه .. واصلت المسير متجها إلى الحي الذي يسكنه " أبو نضال " .
هذا هو الشارع .. وهذه هي بقالة أيلول ...
قبل أن أقترب من البيت،تعالى وجيب قلبي وشعرت بدوار ورغبة في التقيؤ لكني اعتزمت التماسك وقررت قرع الباب واقتحام المجهول الذي ينتظرني خلفه .
لا امتحان أصعب من ذلك الامتحان .. ولا صدمة أقوى من تلك التي تلقيتها حال دخولي بيتا لم أشعر للحظة أني غريب عنه أو عن ساكنيه .
"هنا يكمن اللغز التواق للكشف عن كنهه .. هنا يرقد ظل الحقيقة التي اندلعت كما الحريق في مواجهة الظلمة التي توارت بين خيوطها لأعوام "
كانوا ثلاثة أخوة أصغرهم يكبرني بعشرة أعوام على أقل تقدير .. قدمت نفسي إليهم كغريب ، وأسميتهم بأسمائهم كقريب .
وأمام نظرات الدهشة والتساؤلات التي تشع من أعين الجميع ، قررت التخلي عن بشاشتي المصطنعة وبادرت برمي السؤال :
ـــ أين أبو نضال ومن يكون ؟
ـــ إنه والدنا رحمه الله.
ـــ رحمه الله ! إنه ميت إذن !
ـــ نعم
ـــ كيف مات ومتى ؟
ـــ مات مقتولا منذ ثلاثين عام .
ارتعدت أوصالي وفقدت السيطرة على انفعالاتي فسقطت مغشيا علي.
ومابين شد وجذب في الحديث الذي أعقب حالة الاسترخاء التي أعادت إلي بعض توازني ، أدركت حقيقة ما ألم بي طوال تلك السنوات ، فأخبرتهم بكل التفاصيل التي عانيت منها ، لكنهم بكوا وأبكوني .
لم يكن وقع المفاجأة بالنسبة لهم كما كان بالنسبة لي ، لأنهم شعروا بالراحة حين أدركوا أن روح والدهم قد حلت بي ، أما أنا فقد نفرت من هذه الفكرة وقررت مغادرة البيت بأسرع وقت .
توقفت مسيرة النضال التي قادها " أبو نضال" منذ ولادتي وإلى الآن .. انتهت لعبة المطاردة والرغبة في طمس هويتي فور خروجي من بيته الذي كان يلتمس بقائي ، لكنني خرجت دون وعد مني بلقاء.
لا شك أني تفاعلت مع أولاده لدرجة الشعور بعاطفة أبوة جياشة إزاء كل فرد منهم ،لكنني كنت أصارع هذا الشعور بكل ما أوتيت من قوة حتى لا أقع في أسر
والدهم مدى الحياة .
غادرتهم وأنا أقاوم لوعة أدهشتني ، ومضيت عازما على النسيان .
لم أفكر في التواصل معهم يوما حتى عن طريق التليفون وقد صارحتهم بما يدور في خلدي ، لأنني قررت أن أطهر نفسي من آثار الماضي وأن أعيش حياتي كما يحلو لي ، أحب .. أتزوج .. أنجب .. أبني حاضرا لا يملك قياده أحد غيري .. أصنع ماض يخصني وحدي ، هكذا قررت وهذا ما عقدت عليه العزم وكنت واثقا من النجاح .
بعد عودتي من رحلة البحث عن المجهول بأيام ، تخليت عن اسمي واستبدلته بكنية "أبو نضال" ثم طلبت من الجميع أن ينادونني به ، وما زلت أحمل هذا الاسم ، رغم أنني لم أنجب نضال ولا غير نضال إلى حد الآن .













التوقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
  رد مع اقتباس