منتديات نبع العواطف الأدبية

منتديات نبع العواطف الأدبية (https://www.nabee-awatf.com/vb/index.php)
-   القصة القصيرة , الرواية,المسرحية .الحكاية (https://www.nabee-awatf.com/vb/forumdisplay.php?f=65)
-   -   راعية الغنم (https://www.nabee-awatf.com/vb/showthread.php?t=8982)

رمزت ابراهيم عليا 08-18-2011 07:00 PM

راعية الغنم
 
راعية الغنم


منذ ان وصلت إلى تلك القرية معلما فيها شعرت بفسحة الزمن طويلة بعد انتهاء الدوام وبعد الانتهاء من التجهيز لليوم الدراسي التالي يبقى وقت يجب ان أسيطر عليه فالوقت يفترس من لا يقوده
ولم أجد سوى المطالعة والاستماع الى الموسيقا من خلال المذياع الصغير الذي يرافقني
ولفت انتباهي بعد فترة وجود ساقية جميلة قريبة وعلى ضفتيها شجرات صفصاف تظلل المكان فاغرتني بالجلوس تحتها وأصبحت عادة شبه يومية ومن خلال وجودي كنت ألحظ حياة القرية وخاصة عند المساء حين رجوع الفلاحين من حقولهم
فهذا يحمل تحت ابطه غمرا من الحشيش لاغنامه
وذاك يركب حماره وعلى ظهرها بعض محصول من إنتاج أرضه وذاك .... وذاك .... وكانت تحيتهم لي كل يوم تزيدني محبة لهم ولبساطتهم ، وكثيرا ما كنت أجد بعض الإنتاج قرب غرفتي على بابها الخارجي وضعه بعضهم هدية لي
ولكن الذي لفت انتباهي صبية كانت في نفس الموعد تسوق أمامها قطيعا صغيرا من الأغنام والماعز تسير متهادية لا تلوي على شيء والذي أثار فضولي أكثر فهي تحمل كل يوم زهرة حمراء
حملان تثغو وراء أمهاتها، وخرفان تتقافز في مرح بعد أن ملأت بطونها من خيرات الأرض
وجرس الغنمة المدللة يرن بموسيقا متكررة واحدة تتناغم مع سيرها وتكون الأقرب إلى الراعية الصبية وكأنها تشعر بصداقتها وقبل وصولها إلى القرية تميل بغنمها على طرف الساقية غير البعيد عني لتروي العطاش من أغنامها
كانت في كل مرة تردد نفس العبارة
ـــ: العافية يا أستاذ
ـــ عافاك الله يا .....
ـــ رانية ... اسمي رانية
كانت ملتزمة بموعدها فمع غروب الشمس تكون في بيتها وتتكرر العبارة كل يوم والسلوك والوردة الحمراء ، وهذا يمتزج بالأفق المحمر وعودة الطيور إلى أعشاشها وكأنها كانت في مهرجان النشاط اليوم وانتهى الآن
ولكن فيما بعد اشتركت مع تحيتها ابتسامة كانها الصبح المشرق على جبين الأرض وبخاصة أن بقايا أشعة الشمس التي يلتهمها الأفق تمس الوجنتين فيتناغم الجمال ويمتزج النورين وهي تسير باتجاه الغروب
سالتها مرة:
ــ ألم تدرسي في المدرسة؟
ـــ نعم وأحمل الشهادة الإعدادية ولكن موت والدي أجبرني على تركها ولم أكمل فأنا الأكبر ولي أخوان صغيران
ووالدتي وأنا قررنا أن أهتم بما يكسبنا العيش الكريم
كانت تتحدث وقد كسا وجهها احمرار زائد بدت في أشد إشراقات البشرة الجميلة
ونظراتها تذهب في هروب من عيني المركزتين دون وعي مني على تلك الشفاه التي كانت تصوغ الفكرة بحنان ودفء
ولكنها نبهتني قائلة :
ــ أراك كل يوم تقرأ في كتاب
ـــ نعم فأنا أحب المطالعة وأرفت كلامي :
ــ أتحبين أن أعيرك كتابا ؟
ابتسمت بما يدل على القبول ولكنها قالت :
ـــ لا أريد إتعابك
ناولتها الكتاب فأخذته بأنامل عليها أثر الشمس وحنان الأرض شاكرة لي هذا الصنيع ، وضمته إلى صدرها فغبطت الكتاب على هذا الموقع الذي احتله
أدمنت الانتظار في نفس المكان وقلت لها يوما :
ألا تخشين الذئاب على غنماتك؟
قالت: بلى فنحتاط لذلك
قلت : ــ ولكن كلاب القرية ألا تكفي للحراسة ؟
ضحكت بشكل ملفت وقالت :
كلاب قريتنا إذا هجمت الذئاب لا( ينبحون بل يعوون خوفا وينبطحون )على الأرض في ذلة بشكل يوحي بالهزيمة
ضحكت من كلامها
وقلت : أنت عندك تيس كبير يمكن أن يحمي القطيع
وضعت يدها على فمها تكبت ضحكة عالية وتشير بيدها إلى التيس
ياأستاذ إن خبرتك بالتيوس ضعيفة فما دمت أنك قلت أنها تيوس فكيف تحمي القطيع؟
يا أستاذ التيوس لا تحمي الحظائر ولا القطعان
توالت الأيام والسنون وشجعتها على دراسة الثانوية ونالتها
قلت لها مرة : لماذا ترفضين الشباب المتقدمين لخطبتك ؟
ـــ قالت : لم يحن النصيب بعد
ـــ ولو تقدم لك وسام معلم القرية ؟؟؟؟
أطرقت قليلا وقدمت لي الوردة الحمراء ، وأدارت ظهرها ضاحكة وبعد عدة خطوات التفتت إلي وقالت
ـــ أظنك تعرف بيتنا وأمي بانتظارك أنت وأهلك ، وقد يحضر عمي الذي رفضت ابنه فانتبه لكلامه ، ولا تهتم
وبينما كنت أضع خاتم الخطوبة في أصبعها نظرت الأم إلى صورة زوجها وكلمته بعيون دامعة
ـــ يا أبا توفيق ابنتك عروس كم كنت تحبها
ونظرت إلي وقالت أنت رجل البيت كله يا ولدي
واولادك سيحمون معنا البيت والحظيرة والقطيع ، الله يخليك سم ابنك إبراهيم على اسم والد رانية
ضحكت متفائلا وقلت لها: لماذا لا يكون إبراهيم على اسم والدي ؟
وضحكنا متفائلين قالت الأم :
تفضلوا فالعشاء جاهز

رمزت إبراهيم عليا

الوليد دويكات 08-18-2011 08:00 PM

رد: راعية الغنم
 
تحليق ولي عودة بحول الله

كوكب البدري 08-19-2011 01:02 PM

رد: راعية الغنم
 
جميلة نصوصك
عبقة برائحة الحقول وذكريات الشّباب والحب الأول الذي يكلل بالسّعادة
اسمع خرير الجداول والمح تمايل العشب والقلب مع الذّكريات

شكرا لروحك أستاذ رمزت

هيام صبحي نجار 08-19-2011 02:31 PM

رد: راعية الغنم
 
الشاعر رمزت عليا
أسعدت أوقاتاً ..
راعية الغنم .. قصة حلقت بنا بين جمال القرية وبساطة العيش فيها .. وبين الكرامة والعزة وحب الأرض والتضحية من أجلها..
وما كانت هذه الفتاة الراعية بما تمثله من الفطنة والذكاء.. سوى سرد مشوق لمضمون خفي جاء واضحاً في العبارتين التاليتين : ـ
* كلاب قريتنا إذا هجمت الذئاب لا ينبحون بل يعوون خوفا وينبطحون على الأرض في ذلة بشكل يوحي بالهزيمة .
* يا أستاذ إن خبرتك بالتيوس ضعيفة فما دمت أنك قلت أنها تيوس فكيف تحمي القطيع؟
نعم .. هذا ما نراه بالملموس والمحسوس في وطننا ..
سرد جميل لفكرة أردت التعبير عنها.. فوصلت حاملة كامل المضمون.
سلمت يا عاشق الوطن
للقرية
للبلدة
للوطن الكبير
هيام

سولاف هلال 08-19-2011 09:21 PM

رد: راعية الغنم
 
مبدعنا الرائع رمزت ابراهيم عليا
نصوصك تحمل نكهة الواقع ورائحة الأرض المحببة
كنت رائعا أستاذي في شدنا إلى النص من البداية إلى النهاية
محبتي
( يثبت )

رمزت ابراهيم عليا 08-20-2011 03:26 PM

رد: راعية الغنم
 
أخي الوليد
علني أحلق معك

رمزت

رمزت ابراهيم عليا 08-20-2011 03:28 PM

رد: راعية الغنم
 
الأديبة كوكب البدري
تحية لمرورك العذب
وهل نحن إلا من عبق تراب تلك الأرض؟
الف شكر لتقريظك النص

دمت ودام حرفك

رمزت

رمزت ابراهيم عليا 08-20-2011 03:31 PM

رد: راعية الغنم
 
الأخت هيام صبحي نجار
مررت تحملين همسات ضفاف ساقية في قرية
وظل أشجار الصفصاف على جوانبها
هي بوح الطبيعة
ونغم الحياة وبساطة الأرض
وقد لمست المقصود بهاتين العبارتين ببراعة وتذوق أديبة
وهو المقصود
دمت ودام مدادك

رمزت

رمزت ابراهيم عليا 08-20-2011 03:33 PM

رد: راعية الغنم
 
الأخت سلاف هلال
مما يسعدني أن تمر من هنا من تحب الأرض
وعبق الطبيعة في رياضها
وجميل أن تهمس لي سولاف بحرفها العذب

دمت ودام حرفك

رمزت

هشام البرجاوي 08-20-2011 05:17 PM

رد: راعية الغنم
 
لمست مجددا عشق المُزارع للأرض...

دمت مبدعا مسكونا بالاخلاص الإلهي

للوطن و الذكرى و الأمل


الساعة الآن 09:38 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.9 Beta 3
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.