عبد الله بن الزِّبَعرى
مصطفى معروفي
ـــــــــــ
مع أن القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني صاحب كتاب "الوساطة بين المتنبي وخصومه" قال:
و الشعر بمعزل عن الدين
فإن الكثير منا اعتبروا كلامه كلاما لاغيا ،وحكموا على الشعر حكم قيمة انطلاقا من معيار أخلاقي أو معيار ديني،ولذا اعتبروا بعض الشعراء عندهم ليسوا بشعراء مع أن المقاييس الشعرية تخبرنا بعكس ذلك تماما،فأبو نواس ليس شاعرا لمجونه وفحشه،وبشار لزندقته والمعري لكفره المبطن الخ الخ...والآن نحن نتساءل :
من منا اليوم ينكر شاعرية هؤلاء الشعراء سوى شخص جاهل لا يعرف الشعر؟
عبد الله بن الزِّبَعرى من الشعراء الذي تم غمطهم لأسباب غير شعرية ،فنحن وإن كنا لا نتفق معه بتاتا في أشعاره التي هجا فيها المسلمين وعلى رأسهم نبيهم الكريم،فهو يبقى شاعرا شئنا ذلك أم أبينا.
وقبل أن نورد للقارئ بعض أشعاره نقول عن حياته ما يلي:
هو عبد الله بن الزبعرى السهمي القرشي،وأمه هي عاتكة الجمحية بنت عبد الله بن عمير.والشاعر قد انقرض ولده،وهو شاعر من أبرز شعراء مكة في الجاهلية والإسلام،إلا انه كان من المعارضين اللدودين للدعوة المحمدية في بدايتها.ولما استتب الأمر للإسلام،هرب إلى نجران ،لكن الأرض ضاقت عليه بما رحبت هناك،ويصله فيها خبر إهدار دمه،كما تصله أهاجي حسان بن ثابت فيه،وتدخل الجزيرة العربية في الإسلام،فلا يجد ابن الزبعرى مندوحة عن الامتثال والدخول فيما دخل فيه الناس،فأسلم واعتذر للرسول الكريم(ص)،لأنه أصبح يشعر بالذنب وتبكيت الضمير ،ومن ثم صار ينظم قصائده في مدح الرسول والتكفير عما اجترحه لسانه في حق المسلمين.
في شعر ابن الزبعرى الذي وصلنا نجد صورة واضحة وصادقة للشاعر ولما يجري في عصره من أحداث،ففي إحدى المرات دخل قوم من قصي دار الندوة لبعض أمرهم ،وأراد الشاعر أن يدخل معهم ليسمع فيما يتشاورون فمنعوه فكتب شعرا مما يلي الكعبة هاجيا لهم قائلا:
ألهى قصيّا عن المجد الأساطيرُ
ورشوة مثلما ترشى السفاسيرُ
وأكــلها اللحم بحتا لا خليط له
وقــولها رحلت عير أتت عيرُ
توارثوا في نصاب اللؤم أولهم
فــلا يــعد لــهم مجد ولا خِيرُ
وابن الزبعرى كان يناقض في شعره،فقد كتب قصيدة استهلها كالتالي:
أمن رسم دار أقفرت بالعثاعثِ
بــكيتَ بعين دمعها غير لابثِ
وفيها يناقض أبا بكر الصديق في قصيدته التي يقول مطلعها:
أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائثِ
أرقــت وأمــرٍ في العشيرةِ حادثِ
ولا شك أن ابن الزبعرى قد فخر على كعب بن زهير ذات مرة،وقد ضاع هذا الشعر فرد عليه كعب قائلا:
سألت بك ابن الزبعرى فلم
أنــبئك فــي القوم إلا هجينا
خــبيثاً تطيف بك المنديات
مقيماً على اللؤم حينا فحينا
ومن قصائد ابن الزبعرى الرائعة قصيدته في يوم الخندق و التي يقول فيها:
حيِّ الديارَ مَحا مَعارِفَ رَسمِها
طــولَ البِلى وَتَراوُحُ الأَحقابِ
فَــكَأَنَّما كَــتبَ اليَهودُ رُسومَها
إِلّا الــكَنيفَ وَمُــعقِدَ الأَطــنابِ
قَــفراً كَــأَنَّكَ لَــم تَكُن تَلهو بِها
فـــي نِــعمَةٍ بِــأَوانسٍ أَتــرابِ
إلى أن يقول:
حَــتّى إِذا وَرَدوا الــمَدينَةَ وَاِرتَدَوا
لِــلــمَوتِ كُـــلَّ مَــجّرَّب قَــضّابِ
شَــهراً وَعــشراً قــاهِرينَ مُــحَمَّداً
وَصِحابُهُ في الحَربِ خَيرُ صِحابِ
نـــادَوا بِــرحلَتِهم صَــبيحَةَ قُــلتُمُ
كِــدنــا نَــكونُ بِــها مَــعَ الــخُيّابِ
لَــولا الخَنادِقُ غادَروا مِن جَمعِهم
قَــتــلى لِــطَــيرٍ سُــغَّــبٍ وَذِئــابِ
ويقول في مدح قصي بعد إسلامه وهم الذين منعوه من دخول دار الندوة فهجاهم كما رأينا من قبل:
أَلا أَبــلِغا عَــنّى قُــصَيّاً رِسالَةً
فَأَنتُم سَنامُ المَجدِ مِن آلِ غالبِ
وَأَنتُم ثِمالُ الناسِ في كُلِ شَتوَةٍ
إِذا عَضّهم دَهرٌ شَديدُ المَناكِبِ
وَقَــد عَــلِمت عُــليا مَعَدٍّ بِأَنَّكُم
ثِمالُهُم في المُضلِعاتِ النَوائِبِ
ومن يرد المزيد عن ابن الزبعرى وشعره يرجع إلى ديوانه:
شعر عبد الله بن الزبعرى
تحقيق :
الدكتور يحيى الجبوري.
إشارة:
كنت أريد اليوم التحدث عن ديك الجن الحمصي ،لكن وجدت من الأولى التحدث عن ابن الزبعرى ما دام ديوانه أمامي الآن وبجواره ديوان الشاعر الحسين بن مطير الأسدي الذي جمعه وشرحه وقدم له الدكتور حسين عطوان،لذا سأترك الحديث عن الشاعر الحسين بن مطير الأسدي والشاعر ديك الحمصي إلى فرصة قادمة بإذن الله.
مودتي الصادقة للجميع.
مقال ثري في مادته التاريخية والأدبية غير أنّ الشعر في ذاته وسيلة لا غاية
وقد يكون رفعة وهدى إذا استند إلى عقيدة صافية وفكر سليم كما يكون فتنة وضلالاً إذا ابتعد عن مكارم الأخلاق وقيم الحق
لذلك فرّق القرآن الكريم بين الشعراء فقال تعالى:
" والشعراء يتّبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كلّ واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا"
فأوضح أن الشعر يقاس بمضمونه ووجهته لا بمجرد جمال صوره أو جزالة ألفاظه
وعليه فإن شاعرًا مثل عبد الله بن الزبعرى وإن كان موهوبًا في البيان لم يكن شعره محمودًا ما دام قد سخّره للهجاء والطعن في الإسلام وأهله
ومن هنا ندرك أنّ معيار التفاضل بين الشعراء ليس فقط بالقدرة الفنية بل بالصدق والإيمان واحترام العقل والضمير
فالشعر حين يفقد هذه المقوّمات يصبح زخرفًا لا ينفع بل قد يضر