هل يمكن للطغيان أن يخنق حتى أصوات الكلاب والقطط، فتسود الليالي خالية من الحياة الحقيقية، في حين تترسخ الأحلام الطاغية على رقاب الأبرياء، ثم تنهار تحت وطأة الزمن؟ وهل يبتسم التاريخ حين يصحّح المسارات التي خانها البشر، لا انتقامًا بل لأن الصبر والحقيقة أعمق وأبقى من السلطة؟
يقدم لنا القاص المغربي الفرحان بو عزة هذه القصة المكثفة بأسلوب رمزي موجع. الراوي يُرينا طاغية بنى أحلامه فوق رقاب الناس، حتى خفت وهج النهار وصمتت حتى الحيوانات. حين أدرك هشاشة سلطته، بدأ بدفن أوراق طموحاته في غابة محترقة، لكن الحلم انهار تحت وزنه. وفي الصباح، وقف "التاريخ" فوق وطن مدمّر، مبتسمًا، كأنه يوثق نهايته.
هذا التمهيد ينقلنا مباشرة إلى قلب النص، حيث الرموز تتكلم بصوت أعلى من الكلمات: الكلب والقط هنا ليسا مجرد كائنات، بل مؤشرات حية على الحياة اليومية؛ صمتهما يعني موت النضال والمجتمع. الغابة المحترقة رمز للخراب المدمر الذي لا رجعة منه، والتاريخ في هيئة الشخصية الكاتبة الفاحصة يمثل الذاكرة الجمعيّة التي لا تغفر
السرد هنا ليس مجرد سرد، بل بناء لامع على استحضار أجواء رمزية تشهد بشكل أبلغ من الحكي المباشر. ويبدو هذا الأسلوب قريبًا من نهج كافكا في تسخير المقتضب الرمزي بعبارات غير متكلفة: (يكتب كافكا مجازيًا، تاركًا الشخصيات والأفعال والأشياء تُمثل حالات عاطفية ونفسية. لذا، تُفهم أعماله على أفضل وجه ليس كسردٍ يُقدم حبكة، بل كمحاولةٍ من البطل لتجاوز العبثية، وتجريد الذات، والاغتراب. وثمة عنصرٌ سيرة ذاتية قوي في جميع القصص.) تحليل قصص فرانز كافكا، بقلم نصرالله ممبرول، 5 ديسمبر 2019
أما فيما يخص العنوان "هيهات...!" فهو تكثيف لليأس والتحذير. كلمة “هيهات” تردد فاجع للخيبات التي لا تُردّ، وكأن المؤلف يقول: "حتى لو دفعت الأحلام وحلمت، فالعناد التاريخي سيحسم للحقيقة لا للظلم." والنهاية التي رسمها التاريخ بابتسامة قاسية، تلتحم مع المعنى الرمزي العميق: إن الزمن لا يهزم، بل يصقل ويراجع، ويظهر في نهايته الحقيقة الصامتة.
فهل عاد الطاغية إلى حياته القديمة بعد زوال قوته؟ وهل سألت نفسه يومًا، وهو ينقل أوراقه إلى الحفرة: هل هو الذي غاب التاريخ أم أن التاريخ هو من سكنه؟
كل الشكر والامتنان أخي الأديب والناقد عباس على فضفضة النص بقراءة نقدية وجيهة،استخرجت عدة قضايا خفية بين لغة النص .
لم تكن بارزة وواضحة لي أثناء كتابة النص . فالقارئ يتفوق على المبدع كما قالوا . حفظك الله ،
مودتي وتجياتي بدون حد ولا نهاية .