ما سرُّ هذا الإرتباك ... ؟
لماذا كلُّ القلق ...؟
هل يفعلُ البُعدُ فينا كلَّ هذا ؟ هل نخافُ أن تخطئنا المواعيدُ ولا نجد في مفكرة الشوق وقتا ً كافيا لنلتقي ؟ هل أرتوي من تأمّل عينيك ِوأنا أحتسيها على مهل ؟
كلّ هذا الحنينُ لك ، فقط أريدُ مقعدا ً مقابلا ً لك ، أسمع صمتك وأقرأ حضورك وأتابع نظراتك الناعسة ...نظراتك الخجولة ، فألتقطها نظرة ً نظرة ، قبل أن تنطلق رغبتنا في الحديث .
أريد أن أبقى مقابلا ً لك وأتأملك بفرح الذي يتأملُ القمر في ليلة بلا غيوم ...برغبة من يلمح نجمه الشاردَ ماثلا أمام ناظريه ، بلهفة عاشق ٍ كان يسكنه الخوف أن تنسي موعدك ، أو تعيقك ِ
أزمة الطرقات والإشارات الضوئية .
زمنٌ طويل وأنا أنتظرك ، أحقّاً أنّ الأمور التي نحبّها ونبحث عنها ونبقى دائما ننتظر حدوثها تأتي متأخرة ؟
كنتُ أريد أن أعرف َ كلَّ شيءٍ عنك ، كلَّ تفاصيلك الدقيقة ، مواعيد نومك ، شرابك المفضّل ، عطرك ِ المُحبَّب ، تأثير الفصول عليك ، نظرتك للأشياء ...الموسيقى التي تلامس وجدانك .
كنت أريدُ أن أكتشف الكثير عنك ، متى نبض قلبك وخفق للمرّة الأولى ، طموحك ورغباتك وأحلامك المؤجلة أو المنسية ...
أن يكون موعدا بيننا ، لم يكن هذا سوى فكرة راودتني في لحظة شوق ، فكرة من الممكن أن تتحقق ، وتصبح واقعا نعيش فيه تفاصيل لقاءٍ كان مجرد فكرة ، وربّما تبقى احتمالا لا يلامس الحقيقة ، ما أجمل الفكرة التي تبقى هكذا حائرة بين الحقيقة والشك ، ما أجمل أن يبقى اللقاء مجرد احتمال ...
أليس الإنتظار جزء ٌمن اللقاء ، فالإحتمال يترك مساحة للخيال ، ويتركنا على رصيف الإنتظار، حتى وإن كان الإنتظار يزيد الشوق .
ولأنّك الحقيقة الممكنة ...سأعيش تفاصيل اللقاء الممكن ، وأترك عيوني تلاحق ملامحك الجميلة، وأصغي لك أو تصغين لي ، لا فرق من يبدأ الحديث ...فالإصغاء حديث صامت لا يقلّ روعة عن الحديث العادي ...
قد نتفق في نظرتنا للأشياء وقد نختلف ، لكن في النهاية ستجمعنا الأفكار التي نتفق ونختلف حولها ، ربما نعرف كيف ننظر لها من زاوية ٍ واحدة ، ونستطيع أن نستعيد من الزمن الضائع الكثير الكثير مما فاتنا ...ما أكثر َالأشياء التي ضاعت !
وكأنّني في وحدتي ، العاشق والقصيدة معا ً، طويلة جداً هذه الليلة وباردٌ هذا المكان الذي كنتُ فيه قصيدة مُلقاة على الطاولة في انتظارك .
ها أنا أركض في طرقات الخيبات الوجدانية والنفسية في لحظات متكررة ، أعيدُ ترتيب َجدائلك ِعلى طريقتي ، أستحضرُ طيفك ِبصورة تتلاءم مع أغنية المساء ...
أحاول أن أتجاوز هذا القلق الغامض ، الذي يبدأ مع كل محاولة للكتابة لك / عنك ، أكتشفُ في كلّ رحلة لي في هذا الفضاء وأنا أتأمل ورقة ً بيضاء سأملأها بعد قليل بالحبر ، بمذاق حلاوة ٍ تزيل من حلقي كل مذاق للمرارة .
أريد أن أحارب َ بياضَها ، أهزم صمتَها ، وأترك المجال للكلمات لتعيش فوق سطورها ، أريد أن أحرّرها من سراديب الذاكرة ، وأمنحها الضوء للخروج حتى تعانق الحرية ، أريد أن أتحايل َ على قلقي وارتباكي أمام بياضها .
ويحدثُ أن أمزّق الأوراق ، وألقي بالقلم جانبا ، وأنفردُ بنفسي في لحظة تأمل ، ماذا لو كنت ِ هنا تكتبين عني ؟ ماذا لو عقدت مصالحة ً بين غيابك وأفكاري ، تمنحينني حضورا وأمنحك ِ الكلمات ...؟ وكيف سيبدو قلمي حين تحمله يدك ، تلفّه أصابعك ، تنشر الدفءَ في حبره ، أجزم أن الكلمات التي سيرسمها سيكون لها من العبق ما يكفي لينشر أريجه في حنايا الروح وكوامن النفس .
ماذا لو كنت معي ، لتكتشفي هزائمي الخفيّة ، قبل أن يصفق لها العابرون ويضيفونها إلى قائمة انتصاراتي ، فالعابرون لا يتوقفون سوى أمام سجلّ الإنتصارات ، تبهرهم الأوسمة والنياشين ، وأمّا سلّة المهملات التي تحمل أوراقي الممزقة ، لن ينتبه لها أحدٌ وهي قابعة في ركن ٍ منسيٍّ من حجرة مكتبي ، ستبقى هناك بعيدة عن النور .
أن تجلس أمام ورقة ٍ بيضاء ، وتحيلها إلى عالم ، تنشرُ الحياة فوق سطورها ، ترسم المعاني والصور ، تؤثثُ كلّ هذا الحضور ، فأنت بلا شك مختلف تماما .
أأكون ُ مختلفا وأنأ أكسرُ صمت البياض ؟ أنا الذي أنشأ حبُّك ِ في وجداني مدائن فرح وعشق.
كنتُ أكتبُ كما تحبين أن أكتب ، لعلّ كتاباتي تشبع شغف انتظارك وترضي كبريائك ، أملأ فراغ لهفتك ، وإذا بي كلما كتبتُ لك أمتليءُ بك أكثر ، أعيدُ لك محطات الفرح المنسية ، وأعيد توزيع الورود في دروبك ، من سواي يهزم صحراءك ويُخلصك من أرضك القاحلة ...مزيدا ً من الياسمين ...الياسمين يا سيدة الياسمين .
يحدثُ أن نتعلق َبمكان ٍدون غيره ، أو يستحوذ على مُخيلتنا تاريخ ٌ دون غيره ، أو يشدّنا لونٌ مُحدّد ، لأنّه يحملُ تلك الذكرى الرائعة التي اقتحمت ْ وجداننا ، وسكنت نفوسَنا .
لهذا أجدني ضعيفا ًأمام اللون الأزرق ، يغزو ذاكرتي ، يتسللُ في أوردتي ، يثير الدهشة داخلي، وأنا أنحاز لهذا اللون ، وفيه من الجاذبية ما تكفي ليملأ نفسي ببهجة ٍ وفرح .
ويبقى تاريخُ لقائك تاريخا ً غير قابل للنسيان ، سأميّزه في مفكرّة أيّامي ، سأجعله مرتبطا ً بك ،
كأنّي أريد أنْ أجرّدك من كل ما هو عالق بذاكرتك ، وأحاصرك في دوائر حضوري إلى ما لا نهاية .
كأني كنت أراك ِقبل اللقاء ، كأنّ إحساسي كان يلمحك ، أيصبحُ تاريخ لقائك منعطفا ً ؟ أيصبحُ موعدا ً لشروق شمس مشاعري أمام بزوغ عينيك ؟ .
وأعلمُ أنّك هناك ...
ألفُ مسافة تحول ، وجغرافيا ممتدة وحواجز لا يد لنا فيها تجعل الوصول إليك من الصعوبة بمكان .
في ذلك الرّكن الذي ، سيحمل ُمقعدين ، سيجعلني أحظى بالجلوس معك والإستماع إليك ، سنترك الحديث حرية الإختيار ...لا تعنيني كثيرا المواضيع التي يمكن أن نتطرق لها ، بالقدر الذي أتوق فيه لتأمّل ملامحك بوضوح ...
سنلتقي ذات شوق ...
وستظهرُ الصورة الواضحة لذاكرتنا ، سأشعر بالدفء يتسلل لعروقي حين أبدأ بمصافحتك ...
ربّما سيبدأ الشوقُ بالبكاء ، ربما سنشعر بكل شيء حولنا يشاطرنا ما يجول في أعماقنا ...
لفافة أخرى من التبغ ...وفنجان قهوة .
هل تعلمين ؟
أنَّ شوقي إليك كان جامحا دون أن أشعر َبجموحه ، أنّ يقيني كان أننا سنلتقي رغم ألف مستحيل.
أريد أن أرقبك وأنتِ قادمة ، كالضوء الذي يشدُّ انتباهنا وهو يعبرُ فضاءنا ، كالنسمة في ليل الصيف حين تباغتنا ، فتلامس دواخلنا ، كقطرات المطر عند هطولها الأول ، فينجلي الفضاء وتفرح الأرض بنزولها ، كفرحة الطفل حين نقدم له قطعة من الحلوى ...كألف شيء .
لن تستطيعي الهروب منّي ، لن أتركك تختفين في شوارع المدينة ، فأنا منذ البدء أبحث عنك ، أبحث عن أنثى بمستوى جنوني ، تستطيع أن تستوعب تقلبّاتي ، تدرك ُ كيف تشعلُ كلماتي وتمنح الياسمين حرية البوح ...