ينظرون إلى معالمها ....
يتفرسون في كل تضاريسها التي تصلها أعينهم ...
أعينهم تدور في فضاءاتاها كمن يبحث عن طل ابتلعه الغيم ورحل ...
ماعاد بإمكانهم تفنيد مايعتمل في الصدور ...
تبدو المشاعر باردة ...باهتة ...مصفرة ...تماما كحركة سيرهم ورتابة عملهم التي أضيف لها خواء متعة التداول والبيع والشراء ...بل وحتى الربح ...بل وحتى الحركة ...
لعلهم يتحركون ليثبتوا لأنفسهم التي تعاين الموت في كل لحظة أنهم مازالوا أحياء ....أحياء برسم الموت ...مع الـتأجيل ....إلى إشعار كأنهم يدركون أنه بات قريب التنفيذ ...مع أمل ضئيل بمعجزة قد تحصل كما في أفلام السينما حين يأتي الفرج والعفو في اللحظات الأخيرة وقبل شد الحبل على العنق ونزع الكرسي من تحت الأقدام ...فينادي المنادي ....براءة ...
حينها سيعود ذاك الذي حصل على البراءة ...ربما ليتمنى لو لم تحصل المعجزة ...حين يعي حجم الفقد الذي سيعيشه لاعنا صك براءته آَنَ جعل منه كبش فداء لحياة لم يرسم لها ولم يشتهيها حين بقي في لوحات أيامه مشهدا وحيدا ...بعد أن فرغ معرض الصور من كل اللوحات المرافقة له على جدران العمر الماضي والتي ستبقى جرحا وألما فيما تبقى على سطور صك البراءة .
رأيتهم اليوم ...كل الذين صادفتهم ...وجوها أعرفها ولاأعرفها ...أشكالا أحفظها ...لكنها تغيرت ...أصوات أحبها ...لكنها مبحوحة ...وبعضها قد أصابه الخرس ...صرت أقرأ في حركات أيديهم حيرة وعجزا ....في نظرات أعينهم خوفا ....في أصواتهم سمعت صوت ناي وقيثارة وقانون ....في مقطوعة تسكر الروح حد البكاء والصراخ ...
الكل يبحث ...الكل شارد عما يبحث عنه ...الكل لايجد مايبحث عنه ...
ومن مازال منهم على قيد عقله ...بات ينظر إلى كل شئ نظرة مودع ... ويشعر كل لقاء هو الأخير ....قلت لأخي الذي كان يمشي في شوارعها معي ....
تدري ....أشعر وكأني في عزاء ...الفقيد شاب غلا على الجميع ...وأهله في صدمتهم الأولى ...لا أنا قادرة على النطق بكلمات تليق بالملمة ...ولاهم قادرين على القيام بأقل واجبات الاستقبال من هول المصاب ...ولو كان نظرة إلى من أتت به محبته إليهم ليشاركهم مصابهم ...
كل شئ يبكي ...
الحياة تنتحب على أبوابها ...
دمشق ...
لوحة مرسومة على لوح زجاجي ...بات يتشظى ويزرع في كل قلب جرحا ...بلل دمه منابت الياسمين ...فكُسِرَتْ الوانها واحتلها اللون الأحمر ...حتى خجلت الجارات أن تفوح رائحة قهوتهن المهيلة والممسكة في أزقتها كل صباح حزنا على كل قطرة من دماء الجراح ...ولأجل خاطر الياسمين المحزون على فقد أهله حد الذبول ..
عدت أدراجي ...
أسير ولاأمشي ...أنتحب ولاأبكي ...أركض ولاأصل ...حاضرة غائبة ...
أعي ولاأفهم...آَمَلُ ولاأثق ...أتنفس الموت كل شهيق ...أصل إلى زفيره وأنا من وصولي إليه في ذهول .
التوقيع
سوف أُلْبِسُ الحزن ثوب العيد
سقط الفرح من شجر الأحلام
قضى في الظل
أضحى أبعد من الخيال
آخر تعديل عواطف عبداللطيف يوم 02-01-2013 في 08:57 AM.