(( وليل كموج البحر أرخى سدوله ...... علي بأنواع الهموم ليبتلي
الا ايها الليل الطويل الا انجلي ...... بصبح وما الاصباح منك بامثل فيا لك من ليل كان نجومه ...... بكل منار الفتل شدت بيذبل ))
لم يبق معي الا دولارا واحدا ، وأمامي ليلتين ، ونهارين ، علي ان اقضيهما في القطار! لا ماء ولا طعام ، تلاطمني امواج الهموم ، والأحزان ، يمنة ويسرى... حائر ، تائه في افكاري ، وأحلامي ، لا صديق ، ولا قريب ، لا اهل ، ولا جار!!!!! كنت مع خمسة من المسافرين في مقصورة ، ومكاني قرب الباب. شعرت بنظرات غير طبيعية اتجاهي ، فيها نوع من الشك والحذر. ان وضعي الغير طبيعي والمضطرب ، وعبوس وجهي ، وحقيبتي الصغيرة الخالية الا من بعض الملابس ، جعل الركاب يشكوا في امري ، وصار كل منهم حذرا على جيبه ، وحقيبته ، بشكل واضح جدا. كنت انا في عالم ، وهم بعالم اخر. حقيبة سفري الصغيرة تجلب انتباه الركاب ولا تتفق وحالة مسافر في قطار دولي ، وضعي المضطرب يزيدهم تشككا !!!!!!!!!!!!!!!!! اخرجت اوراقا من جيبي ، وأخذت قلمي ، لأدون واقع امري ، وما جرى بحالي ، غير اني وجدت نفسي عاجزا ، ولم اتمكن أن اكتب شيئا. كرهت الشعر ، بعد ان سرقوا عصارة عواطفي. كرهت العلم ، بعد ان سرقوا عصارة فكري. وجدت نفسي ، كانسان لا ابالي ، بعد ان طغت مصائب الحياة على معالمي ، وأخذت امواج بؤسها تلاطمني بقسوة ، وأنا لا املك حولا لها ولا قوة. امام الركاب ، ابان كمجرم ، او حرامي!!!! امام القوانين الجائرة ، انا عدو استحق العقاب ، وأمام نفسي ، اني وحيد ، مجرد الا من ايماني بالله. اخذت الافكار السوداء تتراقص امامي ، وصرت اشعر بأخطاء كان علي ان اتجنبها ، ومنها: كان علي ان احتفظ بالنقود التي ارسلها لي صديقي من باريس ، ولا ارجعها له الا بعد مقابلتي لأخي. كان علي ان لا اسافر عن طريق الدول الاشتراكية ، ومعي ثلاث كتب غير مطبوعة. ما سيحل بي ان لم يتمكن اخي الحصول على جواز سفر ومغادرة العراق؟ مع العلم انه رجل بعيد عن السياسة ، في وقت كان الخروج من العراق صعبا ، الا في مهمات رسمية. صرت افكر بواقع امري ، ولكن بعد فوات الاوان. نعم اقتصدت بأجور السفر ، وكلفني الامر غاليا ، ولكن الانسان دوما يتعلم بعد الانتكاسة ، والفكر المجدي يأتي بعد الخسارة. حاولت ان اكتب ولم اتمكن ، وكنت ارى الابصار تنظرني شزرا. على الركاب ان يقضوا ليلة كاملة في القطار جلوسا ، وكيف الحال ان يقضوها بحذر ، وانتباه ، خوفا على حقائبهم ونقودهم !!!! الكل حذر مني. مساكين سلبت راحتهم ، ولا ذنب لي بذلك ، كما سلبت الانظمة الجائرة راحتي بقصد وتعمد. الجوع صار يأخذ مني مأخذه ، شعرت بالوهن.ولا اعرف كيف سوف اتصرف بدولاري المسكين ، الذي في جيبي.حقا كانت ليلة مؤلمة قضيتها بمتاعب وآلام وكآبة وحزن. نعم ليلة مؤلمة ، عشتها على بساط احزاني ساهرا في قطار الامل. صباحا وصلنا بلغراد عاصمة يوغوسلافيا سابقا ، وكل ذهب لحاله الا انا علي ان اواصل سفري مجبرا. ابن العراق الجريح :صلاح الدين سلطان
يتبع
آخر تعديل صلاح الدين سلطان يوم 06-12-2015 في 01:54 PM.