لستُ منّظرة اجتماعية ، ولا باحثة نفسية في شؤون الجريمة ، ولم أحاول أن آتي بتصريف جديد لأفعال" الخسّة "الخمسة ؛ والتي تشمل : (السلب ، والنهب ، والقتل ، والحرق وتدمير العراق) ، لكنني حين أكملتُ قراءة رواية " الرّماد" للقاص العراقي احمد الجنديل وجدتني أبحثُ عن تعريفٍ ملائم للهزيمة ..!!
قطعا لا أعني الهزيمة العسكرية ؛ فهذا أمر ٌ مفروغ منه ؛ حيث يندحرُ جيشٌ مقابل جيشٍ وتغتصب بلاد ، وينتهك قانون ويُزوّر تاريخ هو في الأصل لا يرحم ( المهزوم ).!! وإنّما قصدت ( الهزيمة الأخلاقية ) التي منينا بها بعد أن جاست مجنزرات الإحتلال خلال ديارنا ؛ والتي مثّلها ( فؤاد) في الرّواية خير تمثيل حين هب ّ مرتميا في أحضان المحتل تاركا زوجته أحلام في مواجهة القصف العنيف وحيدة في المنزل ، بعد أن أشبعها ضربا لمّا أرادت أن تمنعه من ذلك السّقوط الأخلاقي الذي تعاقبت صوره بطريقة جنونية ..
هذه الهزيمة الأخلاقية لم أجد لها سوى تعريف ؛ (بأنّها أقصر الدّروب الحادّة والمسننة التي تأخذ بيد الشّرفاء إلى مسارب الجنون )..
فلقد جنّ بطل الرّواية ( جابر ) الذي لم يهزمه ليل الاعتقال في عهد المملكة العراقية ، ولا موت والديه وهو رهن الاعتقال ، ولا اغتيال جنود الاحتلال لصديقه (عطشان) عندما قاد مظاهرة ضد الغزو الأمريكي للعراق ، لكن هزمته رصاصة جاءت في جبين بغداد التي أحبّ ..
فجبين بغداد كان وضّاءً في قلبه ، يمدّ الزّقاق (الجنوبي) الذي كان يسكنه في ( سبع الهور)بأنفاس السّلام المنتظر من قرون من الزّمان ، لكن يأبى السّلام أن يلقي تحيته وأساطيل الغزاة على مشارف الصّباح دوما ؛ فيقول لجاره في العمل : ( عندما تكون أمريكا حاضرة ينقلب السّلام إلى خرافة )
ولكن يبدو أنه ليس السّلام وحده مَنْ يعاني مِنْ بطش أمريكا وإنّما الحب هو الآخر لايمكن له أن يحلق بجناحي النّورس مادامت معارك النّسور تملأ زرقة السّماء ، وهذا نجده عندما يقول لجاره المؤذن عبد الله : ( عندما يشتد صراع النّسور أول من يسقط النّوارس).. فهي كما قال تُذبَح بمخالبها المتصارعة ، أمّا هو فقد ذُبِح جنونا عندما افتقد أذان الفجر الذي تعود جاره عبد الله أن يرفعه ؛ فحدثه قلبه بفاجعة تنتظره وعندما خرج مسرعا وجد عبد الله جثة مسجاة عند باب المسجد بعد أن نالته رصاصة مجهولة في جبهته لتتركه رقما مجهولا في طريق مجهول لمصير مجهول لبلاد اسمها بلاد الّرافدين .
التوقيع
ممن اعود ؟ وممن أشتري زمني ؟ = بحفنة من تراب الشعر ياورق؟