عندما كان ( متعب ) ينزل على الدبكة ويمسك على الأول ، ويفتل "ملوحته " الحريرية على أنغام المجوز الحزين كمَطْلَْع " للدبكة الشميلية " ، كانت الصبايا يتحلقن حول " مرسح الدبكة " للاستمتاع بأداء متعب الرائع وحركاته الرشيقة التي تعزف على أوتار قلوب العذارى، كانت حركات جسده الرديني ، وشواربه المعقوفة المشذّبة ، وحطته العربية ترسم لوحة فارس الأحلام لكل فتاة تبحث عن فارس أحلام في ذلك الزمن المنسيّ الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة الضيعة وشباب وصبايا الضيعة الذين أصبحوا في الهزيع الأخير من العمر .
بعد نيف وستين عاما من الزمن الهارب كحبات الرمل من بين أصابع متعب ما زال يقف أمام مرأته ـ التي شاخت وتأكلت حوافها ـ بما تبقى من جسده الهزيل وشواربه التي غيرت اتجاهها و لونها واتشحت بألوان أوراق الخريف ، يعاين بألم خطوط الزمن التي لا ترحم على مساحة وجهه ، يتحسر على الزمن الجميل ، وترتسم في مخيلته جولات الفروسية التي كان يخوضها وسط اعجاب وتصفيق الحضور .
لم يعد لدى متعب سوى الذكريات يحملها في جعبته ويفردها على أرصفة الطرقات حيث يفترش أقرانه مقهى الحياة .
لم يستطع (متعب ) التكيف مع المتغيرات التي غزت الضيعة وجعلت عاليها سافلها وسافلها عاليها .
مع كل نهار يُطوى من عمره يشعر بانه أصبح عبئاً على من حوله ، وأصبح يشعر برغبة عارمة في الخروج من المنزل هائماً على وجهه ، لكنه أبداً لم يتخلَ عن لباسه التقليدي ، ومسبحته التي لا تفارق يده ، إنها جزء لا يتجزأ من شخصية متعب التي شغلت مجتمع الضيعة لفترة من الزمن ، فترة المواسم الخيرة ، والافراح والأعراس ، والحب والعشق ، واللقاءات الرومنسية في الزوايا المخفية .