الأديبة القديرة والشاعرة الكبيرة عطاف سالم
في الثمانينات كان طلابي يقدمون لي نصوصا لا تقل جودة عن النصوص التناغمية التي قرأتها في شعراء بلا حدود وكانت من الناحية الأدبية دفقات شعورية جميلة عفوية ومنسابة أجد فيها من السطور الشعرية الكثير ومن طبيعتي عند قراءة الشعر أن أدندنه فكانت السطور النثرية في حنجرتي أشواك تنغز فيها فتحيلها إلى قيثارة مقطعة الأوتار
لا يمكن أن نمزج أو نلاقح بين النثر والشعر فالأدب نهر من الكلمات له ضفتان النثر والشعر وكلاهما غابات من الجمال وثمار مختلفة الألوان والألوان والطعم ولو حاولنا أن نصل ضفة النثر بالشعر علينا إلغاء النهر
لو قرأنا القرآن الكريم لوجدنا فيه آيات تنطبق عليها الأوزان الشعرية وكثيرا من الخطب والمقالات الأدبية القديمة فيها الكثير من السطور الشعرية ومر عليها الكثير من العروضيين فلم ينسبوها إلى الشعر أو إلى نص تناغمي
كنت أقرأ في النص التي قدمته كشاهد فرغم جمال الصور ودقة الصياغة فيه وروعة المعاني التي تحملها حروفه الرقيقة وكلماته العذبة لكني لم أستطع أن أتذوقه شعرا بل كنت أقرأ نثرا جميلا تتخلله سطور شعرية
منذ عشرات العقود والشعراء يحاولون التجديد في مباني الشعر بحثا عن الشهرة وكانوا يعترضون على قواعد العروض ولكن صيحاتهم كانت تذهب أدراج الرياح فالشعر عالم لا تحده حدود ولا يقيده العروض ولكن التنغيم هو سيده وأميره ولا يخرج عن طوعه وبدون التنغيم لجميع الأبيات والسطور لن يكون هناك شعر والكل يعلم أن الخبب لم يعرفه الشعر العربي إلا بعد أن قدم الحصري قصيدته العصماء ( يا ليل الصبُّ ) والخبب في هذا العصر سيد الأوزان ولكن العروضيين أدرجوه ضمن دائرة المتدارك ولو نظم شاعر قصيدة على بحر المتدارك ( فاعلن ) ولم يزحفها لما وصلت إلى عذوبة الخبب
لماذا نحصر تفكيرنا في بناء الشعر وأشكاله القديمة والجديدة ونحن نعرف أن المعاني والصور هي أحلى وأجمل وأعذب حين تكون منغمة وواقع الشعر يشير إلى أن الغث من العمود والتفعيلة والنثر مليئة به ساحات الأدب ولماذا لا ينحصر تفكيرنا وينصب على المعاني وآفاق الشعر الجميلة ولندع أنفسنا تتحدث وتبوح للآخرين بعفوية منغمة وأحاسيس غير مفتعلة حتى نجد لنا رابطا مشتركا بين الشاعر ومتذوق الشعر
لقد أطلت عليك ففي مدينتي ينشط الجميع لإعادة بناء القصيدة من الخارج وهم يعلمون أنها خاوية من الداخل حتى أصبحت القصيدة كقبور الفراعنة تدهش العيون إلى رؤيتها وهي لا تضم إلا هياكل جثث الملوك
ما كتبته رأي قد أكون مخطئا في كل فقراته ولكني كنت صادقا في طرحه
دمت يراعا يسكب الشعر شهدا والنثر نميرا