يا لهذا الدفق الهتون، ويا لشجو الحنين
حين يستحيل قريضًا ينساب كنمير دجلة في ليل السهاد.
تراتيل وفاء نكأت، جرحًا ما اندمل
وسكبت في محابر الوجد من مهجة حرى
فجاءت الكلمات جياشة
ترسم بالدمع والدم خارطة وطن سليب
ووجه حبيب غيبته يد الردى وبغي العدى.
عظم الله أجرك في رثاء تتقاصر دونه القوافي
وتتطأطأ له رؤوس البلاغة هيبة وإجلالًا.
لقد أودعت في هذه الأبيات لوعة الثكالى وصمود الرواسي
فبينما كان 'منقذ' طيب الله ثراه
يفتدي الرافدين بروحه الأبية؛ كنت أنت الحصن الذي يذود
عن ذكراه بوفاء عز نظيره.
ويا لنفس تتوق للوصل والبعد ينخر في حشاياها!
أبدعت في وصف لهب الحنين وهو يحرق الأحشاء
كأنه نار القرى في ليل الصحراء
توقدينها لتستدلي على مرافئ السكينة
في بحر الغربة والبعاد.
لم تكن مرثيتك للزوج فحسب
بل كانت نشيجًا على بغداد
التي شوه وجهها الأغيار الأرذال.
ودمعك الهتان على ضفاف الغربة هو الغيث المرتجى
ليغسل كمد السنين
ويحيي ورود المروج الغناء بماء العزة والأنفة.
وما أجمل التجاءك لبارئ النسم!
فبينما يثقل الأنين كاهلك
يرتفع صوتك الصادق عبر البحار
ليبدد فحيح الحية الرقطاء بنور اليقين
فما كان دعاء المخلصين إلا سهمًا يصيب كبد الظلام
ليشرق فجر السلام.
ألا إن 'منقذًا' لم يمت
ومنسأ ذكراه في قلبك خضراء
وصوتك هذا هو الصمود بعينه
يعيد بهاء الروح لجسد الأمة الكليم.
نسأل المنان، ذا الجلال والإكرام
أن يتقبل شهيدكم في أعلى عليين
وأن يربط على قلبك الطاهر برباط الصبر والسلوان
وأن يجعل من نور الشهيد سراجًا
ينير لك عتمة الليالي النائية
حتى يجمعكما في مستقر رحمته
حيث لا لغوب ولا نصب
وحيث اللقاء سرمدي لا يشوبه كدر.
هنا..
ننحني إجلالًا لهذا القلم الباذخ والوفاء الصادق.
وتقبلي سيدتي أسمى آيات التوقير والتقدير
فلقد كنت في حرفك خنساء العصر
وفي صمودك نخلة عراقية
شامخة لا تنكسر أمام عواصف الزمان.
دمت وبقي ذكر الفقيد منارة من طهر.