"الوجود عجلة صنعها الوهم لتحرث سراب الحقيقة
فكل بداية هي نهاية ضلت طريقها
وكل رقصة هي حشرجة روح تأبى الانصياع لجاذبية التراب.
نحن نرتدي الأيام ثم نخلعها لصعوبة إيجاد زمن يليق
بأحلامنا.
وفي نهاية العرض، لا يتبقى سوى عرق الحياء
الذي يغسل وجه القصيدة."
في فضاء عار إلا من نبض الوجود، حيث 'البانتومايم'
ليس مجرد حركات مائعة، بل هو سديم يتشكل
وحقيقة تتجلى بلا لسان.
نحن أمام 'بدء' لا يستأذن الضجيج، بل ينسل من سكون
العدم ليقيم صرح العرض على أعمدة الإيماء.
طفق الممثل يذرع الفضاء سعيًا
ويستنطق بسبابته غيبًا عصيًا.
حرك سكون، وطلب مكنون، ووجد لا تدركه العيون.
فكان القرار والجواب:
نغمة شردت، وعن صنوها بحثت
كأنها روح تائبة في هيكل الموسيقى قد حارت واستجارت.
ثم تلاشي اللون وانكشاف المشهد:
تبددت الأصباغ فبان الوجه الصراح
وانقشع الزيف فاستحال العناء كفاح.
لا الثوب يستر عري الزمان، ولا الصندوق يحوي تيه المكان.
عجبًا لمن صنع من التنافر محورًا، ومن النفور مدورًا!
صاغ من المغناطيسِ 'رقصًا' ومن المنشار 'إتقانًا'
فكان كمن ينحت في الريح تماثيل المعاني.
ينسدل الستار على لجة المعنى
حين جمعت شتات الحركة في بوتقة السكون
وأضعت النهاية لأن العروض العظيمة لا تنتهي
بل تظل عالقة في أذهان النظارة
كطنين النحل في أذن الزهر. أتقنت الرحيل قبل أن توصد الأبواب.
لله درّ الكاتب المبدع عبد الكريم لطيف..
فقد صاغ من حركات الجسد لغة تخر لها الحروف ساجدة.
مخملية تنسج من الصمت صراخًا كونيًا
وتمزج بين فنية 'البانتومايم' وعمق الوجودية ببراعة
من يمسك بمقاليد الدهشة.
أوجزت فأعجزت، ورسمت بالكلمات إيماءة لا يمحوها النسيان.
طابت يمينك، وطاب فكرك المتوقد.