اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الفرحان بوعزة ***** العنوان : هناك... كلمة "هناك" تُعرب عادةً كظرف مكان منصوب. فإذا كنت تشير إلى شيء على بعد مسافة، تقول "هناك". بينما تُستخدم "هنا" للإشارة إلى المكان القريب. وقد تستخدم / هناك/ للإشارة إلى شيء يقع بعيداً عن المتحدث، كما أنها تشير إلى أحداث يريد المتكلم أن يخبر عنها، وهو يعرفها جيدا. فانحازت كلمة "هناك" عن معناها الأصلي، فأصبحت تفيد المقارنة بين ما يجري من أحداث في القرب"هنا"، وبين ما يجري "هناك"في البعد. وما دام أن الإشارة تمت نحو البعيد، فإنها تشير إلى أحداث خفية لا يعلمها إلا الذي يشير بيده أو بأصبعه. إشارة تشوق القارئ وتحفزه لمعرفة ما يقع "هناك" من أحداث مثيرة ومهمة يود أن يطلع عليها الغير، فإما أن تكون من أجل الإخبار، الاستفادة، التنبيه ، الإعلام بها، أو طلب أخذ الحذر والحيطة... عنوان تم اختياره بعناية فائقة، يحفز القارئ للبحث عن كل الدلالات الممكنة التي تعزز مضمون النص الشعري، والذي يكون مفتوحا لكل الاستجابات الدلالية الممكنة والقراءات المختلفة. هناك/ تدل على انتقال فكري من مكان إلى أمكنة بعيدة لدغدغة شعور الآخر وإحساسه ليتفاعل جيدا مع الأحداث التي تقع بعيدا عنه. وضعية تجعل القارئ تحت اختبار عاطفي وشعوري ، وقياس مدى قدرته على التفاعل مع الأحداث التي سيرويها الشاعر بقلبه وفكره وشعوره. فالشاعر يرى ما لا يراه القارئ، ويعلم ما لا يعلمه المخاطَب. فالعنوان"هناك" وحده يزخر بألم صامت، وحسرة متقدة في النفس والشعور، وأحزان متعددة ومختلفة، تدفع بالقارئ إلى استجلاء الدلالات والمعاني الخفية التي تركها الشاعر مضمرة بين لغة القصيدة، والتي قد يستشعرها القارئ قبل الدخول في غمار النص الشعري، فيسارع إلى التأويل والتخمين. فإما أن يكون منسجما مع أفكار النص، أو مخالفا لها. إشارات النص الخفية لقد أحاط اليأس والتذمر بالنفس والشعور من جراء واقع بعيد عنه له دلالته وقيمته، واقع مختلف عن الذي يعيش فيه الشاعر. فالأحلام التي كان يراهن على استمرارها قد باتت ضائعة، أو أنها أشرفت على نهايتها، فموت الأحلام هو ضياع لنفسية الإنسان، خاصة إذا انتقلت من أحلام الكرامة إلى أحلام اليأس والشؤم. فلم يعد الواقع المعاش يحمل في جعبته حياة مستقرة وثابتة. فما عُـدنا نستنشق رائحة عيش كريم يطفح بالسعادة والهناء، فلم نعد نعرف الأمان والاستقرار النفسي. لقد تغير فكر الإنسان، وانطفأ شعوره ، وضعفت عاطفته،وضاعت أمانيه، فلم يعد يساير حياته بفرح وسرور. لقد أصابه الخوف والرعب من الذي يحدث، فعدة تغيرات قلبت حالته النفسية من التفاؤل إلى التشاؤم ، فأصبح يعيش بين الأحزان المستمرة، ولم يعد يثق بما سيأتي به المستقبل. فلا أمل في إبعاد ألألم والهم والكرب . فأصبح الإنسان المعاصر يبحث عن وطن مثالي يضمن له الطمأنينة والسلام النفسي والعاطفي. فالشاعر يؤكد أن خللا "حدث " فعلا، اختلال أدى إلى النفور من حياة بائسة، وواقع يتلبَّس بحروب قاتلة، فلا سلام يرجى منها. واقع ملطخ بالحقد والكراهية المقيتة. ولا أمل في العودة إلى الحياة النقية التي تطفح بالحب والأمن والسلام الدائم. كل ما نعشه اليوم قد "حدث"، التوجس، والخوف، وفقدان الأمل في استقامة الحياة كما كانت من قبل. هناك من يتمتع بالخيرات وما جادت به الأرض عليهم. فهم يعيشون في رغد وعيش وافر، بحيث لا تغضب الأرض عليهم. ولا تمنع عنهم رحمة المطر، فلا يصيبها تصدع ولا شقوق تحد من قدرتهم على العيش الكريم. فكل مكونات الطبيعة من أرض وقمر، وشمس تزيدهم بهجة وسرورا. لكن الشاعر يخفي عدة معانٍ توجد تحت لغة النص . فهو يشير إلى حياة هادئة، لا خلافات ولا تفرقة تذكر بينهم. ولا حروبا دائمة، ولا مشاحنة تأكلهم . إنهم بعيدون عن الحقد والضغينة، يعيشون على هواهم في أمن وسلام. فكأن الشاعر يقارن بين وطن "هنا"، ووطن"هناك" فرق كبير بينهما، "هنا" تجري في بعض الأوطان أحداث مؤلمة، من مآسي متعددة ، ومن آلام متنوعة، وأحزان يندى لها الجبين. وبين ما يجري من أحداث جميلة في أوطان أخرى بعيدة. ومع ذلك، فالشاعر لم يصبه اليأس والقنوط، فراهن على مستقبل يحمل أحسن الأماني، فما علينا إلا أن نعانق الأمل، ونتشبث بالتفاؤل، والصبر الجميل.. لقد ربط الشاعر بين المتنافرات اللغوية من قبيل:/ شارفت الأحلام على نهايتها/ وشمس رؤوم/ لا تخدش أسماعنا بالنابيات/ الألم بعيد المنال/ أنامل خيالي أن تتلمس ملامحك التي بهتت..../ فالشاعر استطاع أن يخلخل العلاقات الدلالية السطحية لعدة جمل شعرية، فمن خلال هذا التلميح المعنوي واللغوي، يتبين أن الشاعر يخضع للتوتر النفسي والفكري والعاطفي، مما جعله ينظر إلى واقع متغير ومتباين من خلال أفكاره وأحاسيسه وتجاربه الشخصية. قصيدة شعرية مبنية على شحذ الكلمات لإنتاج أكبر قدر من الدلالات والمعاني المتعددة. إبداع شعري يتميز بشبكة لغوية يمكن لكل قارئ أن يملأها بدلالات مناسبة، فالدلالات الكامنة في هذا النص الشعري لا تعرف الحدود، والمعاني هاربة بين لغة النص. يقول بودلير:"فتعدد المعنى ولا نهائيته، يعني أن المعنى سيظل بلا ميناء، فهو رحَّال يستمد وقوده من محطات قرائية يمر بها، لكن من دون استقرار، وبخاصة أن "اللانهائي"ملمح من ملامح الحداثة". هذا ما جاد به فكري وشعور أخي المبدع المتألق عبد الكريم، أقرأ وأعيد، فاشتبكت مع المعاني والدلالات الساكنة بين دهاليز النص، أتمنى أن تكون قراءتي مناسبة لهذا الإبداع الراقي، وأنا متأكد أن قراءتي ليست نهائية ، فالمعاني تستجد باستجداد ظروف تلقي النص، ولهذا فإن قراءتي هي أرضية ممكنة لقراءات أخرى أفضل. كتبت فأبدعت شاعرنا المبدع المتألق. حفظك الله، دمت بخير وصحة جيدة. تحياتي وتقديري ****** ما هذا ..أيها الكريم النفس النقي السريرة ،؟! أي مجسات ومستقطبات تمتلك حواسك وكم لبصيرتك الثاقبة وبصرك النافذ من قدرة على سبر أغوار ومجاهل الأنفس من خلال الحرف .. أي قارى أنت.. تحتوي النص وحالة كاتبه وتتقمصها وجدانيا وشعوريا لتغدو كأنك كاتب النص .. هذه حالة صدق هو صدق الحرف ومن ثم صدق القراءة .. جعلتني أشعر بالفخر أنني أستطيع بث حالتي بكلماتي .. كم أنت رائع يا صديقي .. اديبنا الأنيق الروح والحضور والكلمة الفرحان أنا ممتن وشاكر لك بعمق السماء .. بوركت اخي الفاضل ..اسعدني جدا مرورك العارم الذاخر الفاخر أسعدك الله .
أنا شاعرٌ .. أمارس الشعر سلوكا وما أعجز .. أترجمه أحرفا وكلمات لا للتطرف ...حتى في عدم التطرف ما أحبّ أن نحبّ .. وما أكره أن نكره كريم سمعون