همس الياســـــمين
(2)
طلع مساءٌ آخر ...
هذا هو المساءُ يجذبني بسكونه وهدوئه ، بكواكبه التي تغطيها غمامات متناثرة ، وقمرٌ يرسلُ ضياءه فتسلل لأعماقي رغما ً عنّي ، كأنّه يريد أن يشاركني وحدتي .
في هذه اللحظة ، أريد التمرّد على هذا الوجه المشرق للقمر ، أريد أن أزيح ضياءه ، أريد المكان معتما ً ، حتى أكتب عنك دون أن يشاركني أيّ شيء خلوتي ...ووحدتي .
فالياسمين حين يبدأ بالهمس لك ، في العتمة ، في ليلة هادئة يخامرها السكون ، يكون همسه أكثر وضوحا ، وفي العتمة لن يستطيع أن يقرأ سطوري وكلماتي سواك ، ولا أريد في هذا الليل سوى ملامحك التي كبرت وترعرت في سراديبي السريّة .
سأرخي كلَّ الستائر، وأمنع الضوء أن يتسلل لحجرتي، كلّ الضوء غير ضوء شمعة ٍ تزيّن طاولتي، لأستمتع بمنظر أوراقي المبعثرة، أستعيد مشهد الليلة الماضية، ليلة كانت مكتظة بك، ربّما هذه الكلمات يحملها كتاب ٌ يليق، أهديه لك فيما بعد.
وأعلم ُ أنّ كلماتي كما أنا، كلانا بعيد، تحجزنا المسافة والحواجز، وأنّك تكرهين الإنتظار، وتمقتين عقارب الساعة، ومفكرة المواعيد ...
اتركي الياسمين يهمس لك، ودعيني أجمع همساته على الصفحات، حتى ألقي بين يديك ما تحمله ذاكرتي، قبل أن يباغتها الوقت ويهزمها النسيان ...
كيف لامرأة ٍ مثلك أن تُنسى !! .
من أين أبدأ حكايتنا؟
ولهذه الحكاية بدايات كثيرة، بدايات ٌ مليئة بالشوق واللهفة، بدايات ٌ حالمة، بدايات ٌ اصطدمت في النهاية المفاجئة لفكرة بدأت بالجنون وغابت في ممر الذاكرة.
وحين أبدأ بالكتابة عنك، حين يقفز طيفك في عتمة هذا الليل، ويجلس جواري، وتتركين جدائلك كما كنت أحبّ دائما أن تكون، من أين أبدأ؟
هل أبدأ في الحديث عن ملامحك التي جذبتني من الوهلة الأولى؟
أم من ابتسامة ٍ تعرفين كيف ترسمينها بدقة ورقة؟
أم بطريقتك في اختيار مقعدك والجلوس؟
هل أكتبُ عن امرأة ٍ ملأت سطوري، أم عن أنثى أخرى تشبهك، كانت تمرُّ من الطريق بين العابرات، فصرخت في نفسي صرخة هزّت كل أعماقي ...أهي أنت؟
وحين ركضت ُ تسابق خطوتي دهشتي ولهفتي، وأخذتُ أتجاوز العابرين والعابرات ودنوت ُ منها، كانت أخرى تشبهك ...
ــــــــــــــــ الوليد