همس الياسمين
(1)
أكتبُ للمدينة لأنّها أنثى، وأكتبُ لك ِ لأنّك مدينة، تتشابهان ِ أنتِ والمدينة، جدائلك ِكما ليلها، أحلامُك ِ كما أحلامها ممنوعة، همومك ِ عميقة ...
أريدُ أن ألتقيك ِتحت ظلال المفردات، حيثُ لا حواجزَ تحولُ بيننا، لا مواعيدَ مُسبقة علينا أن نرتبها قبل مرور الوقت، لا ستائر مسدلة تحجب عنّا عيون العابرين في طرقات الرصد.
هنا فقط ... أستطيع ُأن أنفرد َ بك، لا سلطانَ لعقارب السّاعة، ولا قلق َمن الحواجز التي تغلق أبواب المدينة، لا بنادقَ ترصد حركة العابرين، فينتقي رصاصها العشوائي أجسادهم ...
هنا فقط ...تبوحُ المفردات بكلّ شيء، تنطلق في فضاء حضورك، ترسم ملامحك ِوشكل جدائلك، تُعيد تسريحتها بما يتلاءم مع انتباهة وجهك.
هنا فقط ... سأصنعُ لنا مقعدين في مقهى الفراغ، وأتركُ للنادل حرية تقديم فنجان قهوتك بأناقة، تشبه كثيرا أناقة ربطة عنقي .
هنا فقط ...تمنحين ابتسامتك حرية الإنطلاقة ، ربما تكبر ُذات شوق ٍ وتصبح ُ ضحكة ، ربما تمتزج ُ بدمعة ٍ تترقرق ُ خوفا ً من الغياب ...
سأكتبُ لك ِ، وأترك الياسمين َيهمس ُ بكلّ شيء ، يُحدّثك عن لواعج شوقك ، شغب طفولتك ، وجع الوحدة التي تُحاصرك ، رغباتك المنسية في أجندة الوقت ...
كم كنت تحدّثين الياسمين حديثا صامتا ، وحده كان يسمعُ صوتك الممزوج باللهفة والألم ، كان يصغي لصوتك الصامت ، وبوحك الساكن في أعماق روحك ، الآن ...دعينا نعيد تريب الأدوار ، هذا دوْرُ الياسمين ، ليهمسَ لك ِوأنت ِتستمعينَ وتنصتين ، وهل ْهناكَ أنثى كأنتِ بارعة في الإصغاء والإنصات ... ؟!.
ولأنَّ البدايات تحملُ دائما الكثير من الوقار واللغة التي نُجيد انتقاءَها ، نُحاولُ من خلالها تقديم أنفسنا بالطريقة التي يتقبلها الآخرون منّا ، نريد ُ أن نكون كما يريد الآخرُ أن نكون ، ربما نلجأ في كثير من الأحيان ونحن نرسم خيوط البدايات لإظهار الوجه المشرق لنا ، يمتزجُ الخجلُ مع القلق ، حالة ٌ من التوتر تكون حاضرة ، رغبات متباطئة ، كثير من الأشياء تتجلى في البدايات.
لكنّنا منذ البدء ... لم نكن ْ كذلك ، وكأنّنا اتفقنا على حالة ٍ من التمرّد على المألوف ، كنت ِ واضحة ً تماما وضوح َ المرايا ، وكانت ْ كلُّ نوافذي لك ِ مُشرعة ، لكلّ هذا لم يكن الحديث الأول هو الأوّل ...خلعنا كل َّ الأقنعة ، وكنّا نحن بكامل حضورنا ووضوحنا ، وكأنّنا ندرك ما نريد ، ما أجمل َ أن يعرف َ المرءُ ما يُريد ! .
ربّما للبداية وهجٌ جميل ، يبقى عالقا على جدران الذاكرة ، ليس لأنَّ البدايات تحمل ُ الصدق َ والنقاء ، وتحمل البراءة والوضوح ، إنّما لأنها تحمل ُ الشرارة َ الأولى ، تلك الشرارة التي تسبق الإشتعال بقليل ...
ــــــــــــــــــــــــــ الوليد