عرض مشاركة واحدة
قديم 09-12-2019, 01:45 PM   رقم المشاركة : 7
نبع فضي
 
الصورة الرمزية رياض محمد سليم حلايقه





  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة :رياض محمد سليم حلايقه غير متواجد حالياً
اخر مواضيعي
قـائـمـة الأوسـمـة
افتراضي رد: رواية رجل من الماضي على حلقات

كأنَّه لم يشاهدْ ابنته سارة ذات الأربعةَ عشر ربيعاً في المنزل، فخبا سرورُه قليلاً إلى أن تذكَّر أنَّ ابنته في تلك اللحظاتِ تكونُ في المزرعة، تقطفُ الثمارَ؛ لتبيعَها وتُنفقَ على الأسرةَ في غيابه، فابتسمَ وهو يرى خيالَها بين النباتات ويديها الناعمتين قد كساهما الترابُ كما الحناءُ، وهي تعملُ كالرجالِ في غيابِه... لكنَّ الصورةَ تتلاشى لتعودَ البناياتُ الشاهقةُ من جديدٍ أمام ناظريه؛ فتمتلئُ عيناه بالدموع.
3
كانت الصحفيَّةُ سوزي تعملُ محرِّرةً لصفحةِ الحوادث في الجريدة اليوميَّةِ في البلدة بعد أن تخرَّجتْ في كلية الإعلام، اعتادتْ بعد ظهرِ كلِّ يومٍ زيارة مقرِّ الشرطة للاطِّلاعِ على ما يستجدُّ من حوادثَ في البلدة؛ لتعودَ بها إلى الجريدة، وتنشرَها في العددِ القادمِ.
كانتْ سوزي معروفةً في البلدة لدى الجميع، كانتْ على عَلاقةٍ قويَّةٍ مع قائد المخفرِ وأفراد الشرطةِ، وكثيراً ما تجدُها في موقعِ الحادثة فورَ وقوعِها، فتلتقطُ الصورَ وتجمعُ المعلوماتِ من كلِّ مَنْ له عَلاقةٌ بتلك الحادثة؛ وهذا ما أكسبَها شهرةً كبيرةً.
كانتْ تجلسُ في مقرِّ الشرطة ككلِّ يومٍ في الميعاد نفسه، الصحفيةُ سوزي بشعرِها المائل للحمرة وقَصَّتِهِ الفرنسية التي تُضيفُ هالةً تحيطُ بوجهها الدافئ، بعينيها اللامعتين بلون الزيتون الأخضر، بقامتها الطويلةِ، ترتدي بنطالَ الجينزِ الأزرقَ السماويّ والسترةَ ذات اللون الهادئ الذي يعكسُ لونَ عينيها، تحضرُ كلَّ يومٍ لتسجِّلَ الأحداثَ التي تجري يومياً؛ لتنشرَها في الجريدةِ التي تعملُ فيها.
عند ظهرِ ذلك اليوم كانتْ سوزي هناك، تجلسُ مع النقيب جاك، عندما حضر شابان على عجَلٍ بادٍ عليهما الفزعُ، وبلّغا عن رجلٍ غريبٍ ظهر بشكلٍ غريب، ويتصرف كتائهٍ أو مجنون، ويسألُ أسئلةً غريبةً، ويتجول في الشوارع بلا هدفٍ، يرتدي ملابسَ غريبةً وباليةً، أكَّدَ الشابان أنَّ صديقاً لهما يتبعُ الرجلَ ليُراقبَهُ، ويبلِّغَ عن مكانِه حتى تحضرَ الشرطةُ.
رنَّ هاتف الجوال مع أحد الشابّين، وتلقَّى مكالمةً من صديقه الذي يتبعُ الرجلَ وأخبرَه أنَّه يجلسُ الآن تحتَ شجرةٍ بوسط الحديقة، على الفورِ غادرتْ سياراتُ الشرطةِ مُتوجِّهةً نحوَ الحديقةِ وهي تُطلقُ صفاراتِها، وتنيرُ الشارعَ بأنوارِها، وتفرَّقتْ ملتفَّةً حولَ الحديقةِ من كلِّ جانبٍ.
4
عاد الرجلُ إلى حالةِ صمتٍ رهيبٍ خيَّمتْ عليه، كانتْ الأفكارُ تضطربُ بعقله ووجدانه، بعد أنْ آل إلى هذه الحالِ جلسَ تحت الشجرةِ؛ ليأخذَ استراحةً قصيرةً قبل أن يُعاودَ البحث عن أسرته بعد أن تذكَّر زوال بيته القابع بجانبِ قصرِ العمدةِ -الذي اختفى أيضاً- ولم يبقَ إلَّا أطلالٌ منهما..
كان الرجل مُشوَّشاً لدرجة أنَّه لم يكن قادراً على التفكير في شيءٍ، وساد الهدوءُ حوله بالرغمِ من أنَّ ضجيجَ السيَّاراتِ التي تعبرُ الشارع يصمُّ الآذانَ، إلا أنَّ الرجل بدا في سكونٍ مُطبقٍ، اقتحمَ النقيبُ جاك ورجالُه الحديقة مُلوِّحين بمسدساتِهم بعد أنْ انتشروا حوله، أصابه الوجومُ والخوفُ، حاول النهوضَ والهربَ، ولكنه أدرك أنَّه لا جدوى من ذلكَ؛ فآثر الصمودَ والمواجهةَ.
في تلك اللحظةِ غادرتْ سوزي مقرَّ الشرطةِ مع الشابين، وتوجهت أيضاً نحو الحديقةِ، وأخذتْ تُراقبُ ما يجري، وتُسجِّلُ في دفترِها الملاحظاتِ وتلتقطُ الصورُ.
قال النقيبُ جاك بعد أنْ تقدَّم إلى الأمام عبر مُكبِّر الصوتِ: المكانُ مُحاصرٌ، سلِّمْ نفسك، ضع يديك خلفَ رأسِك، لا تتحركْ وإلا سأطلقُ النارَ عليك.
قام الرجلُ وقد تملَّكه الرعبُ من هوْلِ ما رأى ومن كثرةِ رجال الشرطةِ وسياراتهم وأنوارها المتلألئة فوق سقوفها حتى ظنَّ الناسُ أنَّ هناك سطواً مُسلَّحاً أو فيلماً سينمائيّاً يصوَّرُ خاصةً عندما شاهدوا زيَّ المُتَّهمِ الغريبَ.
شاهد الرجلُ كمًّا هائلاً من الناس يُحيطون بالمكان من بُعد، وازدحمتْ السيارات وتعطَّلتْ حركةُ السير، وتجمَّعَ الصحفيون حتى بلغ منه الرعبُ مبلغه، خارتْ قُواه وأيقن بالهلاك، شعر أنَّ نهايته قد اقتربتْ، صلَّى صلاةً سريعةً: "مَنْ آمَنَ بي وإنْ ماتَ فَسَيَحْيَا".
وقف الرجل رافعاً يديه خلف رأسه مفرجاً ما بين قدميه، تقدَّمَ نحوه عددٌ من رجالِ الشرطةِ مُصوِّبين مسدساتِهم نحوه وأحاطو به، قام أحدُهم بتفتيشِه تفتيشاً دقيقاً ثم كبَّلوه بالقيودِ، لم يُعثرْ معه على شيءٍ، فقادوه إلى السيارةِ التي تنتظرُه ثم توجَّهوا به إلى مقرِّ الشرطةِ لاستجوابه.
بقيتْ سوزي تلتقطُ الصورَ إلى أن تمَّ إلقاءُ القبضِ عليهِ، فعادتْ أدراجها إلى مقرِّ الشرطةِ؛ لتتابعَ ما سيحدُثُ، أخذتْ سوزي موعداً مع الشابين في المقهى، بعد الانتهاءِ من التحقيقِ.
كان الرجلُ خائفاً مُتعباً وهو مُحاطٌ برجالِ الشرطةِ الذين لم يسبقْ له أنْ تشرَّفَ بلقائهم من قبلُ؛ فانهارَ مَغشيّاً عليه وهو يهذي: أريدُ أرضي.... أريدُ زوجتي....
نُقلَ الرجلُ إلى المستشفى، وأُعطي العلاجَ اللازمَ، ثمَّ طلبَ الطبيبُ من الشرطة ترْكَ الرجلِ حتى يستريحَ،... وضعتْ الشرطةُ حارساً عليه، وقُدِّمَ للرجل الطعامُ والماءُ والدواءُ.
كان لدى المحقِّق حَدَسٌ أن ثَمَّةَ ما يربط بين الجثةِ والمُتَّهم بالرغم من تقريرِ الطبيبِ الشرعيّ أنَّ الموتَ كان طبيعياً.
طلبتْ سوزي من الشبابِ أن يَرْووا، لها ما حدثَ معهم ومع الرجلِ عندما ظهرَ عليهم فجأةً، وعندما شاهدتْ سوزي الشبابَ يجلسون أمام المقهى ومن خلفِهم سياجٌ حديديٌّ كبيرٌ ولاحظتْ عُلوّ البنايةِ وعرفتْ أنَّ الرجل ظهرَ خلف الشبابِ من جهة الحاجزِ أصابَها الوجومُ كما أصابَ الشبابَ أوَّلَ مَرَّةٍ....
كان لدى سوزي اعتقادٌ أنَّ هذا الرجل ليس طبيعيّاً، وربَّما ليس من البشر وأنَّه يحملُ أسراراً غامضة.
أخذتْ سوزي المعلوماتِ الكاملةَ من الشباب وسجَّلتْ الوقتَ الذي ظهر فيه بدقَّةٍ.
5
أُحضِرَ الرجلُ من المشفى للتحقيق معه بعد أنْ استعادَ بعضَ وعيه، المتهمُ يجلسُ على كرسيِّ الاعترافِ في غرفةِ التحقيق، ويقابله اثنان خلف طاولةٍ مُستطيلةٍ من الخشب الأبيض، وحولها أربعةُ كراسٍ من الكروم المُنَجَّد بالقماش المخمليِّ، في الغرفةِ فتحةٌ أشبه بشباك له زجاج مُعتمٌ، بحيث لا يرى مَن بالداخل مَن هو خارجَ النافذةِ، وكان المتهم كالغريق.
المتهم يتنكَّر بزيِّ رُعاة البقر؛ يعتمر قبعةً سوداء ذات حوافّ مَطويّة على محيطها، ويلبسُ حذاءً قديماً بالياً من موديلات القرن الثامن عشر، كان الشابُّ وسيماً أشقر الشعر، بعينين زرقاوين لامعتين عامرتين بالذكاء، بوجهٍ ناعمٍ أشبه بعذراء، طويل القامةِ، فمُه صغيرٌ بين شفاهٍ رقيقة، وله وجهٌ قارب على نضوج الشباب، لكنَّه كان شاحبَ الوجه كأنَّه مُخَدَّرٌ أو ثملٌ.
أراد المُحقق- النقيب- أن يستجوبَ الرجل بأسلوبٍ رقيقٍ ولطيفٍ لعلَّه يصدُقُ في إجاباته.
النقيبُ: اسمُك كاملاً؟ وعمرُك؟ ومهنتُك؟
المتهم: اسمي جو مارتن ويلسون، عمري 45 عاماً، من مواليد عام 1815، عملي مزارعٌ صغيرٌ في بلدةِ نيوفلج.
المحقق مشدوهٌ من إجابة الرجل على سؤاله عن عمرِه وتاريخ ميلاده، وهو يُحَدِّقُ في الرُّزْنامةِ الموجودة أمامه بتاريخ 15/6/1985م، وما زال الرجلُ مُتردِّداً في الإجابة عن سؤالِ المحققِ أينَ يسكنُ وما هو عنوانُه.....
النقيب: نحنُ في عام 1985م سيد جو! ماذا دهاك يا رجل؟ لعلك وُلِدْتَ عام 1950م هذا معقولٌ، أو لعلك فقدْتَ عقلك عام 1985م، هذا معقولٌ أكثر، ثم لا يوجد في البلاد كلها بلدةٌ تُدعى نيوفلج!
النقيب: لماذا أنت مُتنكِّرٌ بهذا الزي البالي القديم؟
المتهم: لا أملكُ غيره سيدي، وهذا ما تعودت عليه.
النقيب: كيف ظهرْتَ فجأةً أمام المقهى بصورةٍ مُريبة؟
المتهم: لست أدري، طلبت من أصدقائي في كوكب سيراتا الذين خطفوني قبل شهور وسجنوني في المَشفى الكبير ومنعوني من العودة أن يُعيدوني إلى ساحة البلديَّة في نيوفلج لا إلى هذا المكانِ الغريبِ.
كان النقيب جاك يذرعُ أرضَ الغرفةِ ذَهاباً وإياباً، بينما أحد الشرطة يدوِّن ما يقوله المتهم، والآخر يحملقُ في المتهم وهو يعتقدُ بأنَّ المتهم مجنونٌ لا محالةَ.
النقيبُ: أيُّ بلدةٍ تقصدُ بنيوفلج؟
المتهم: إنَّها بلدتي سيدي، وهي بلدةٌ صغيرةٌ حديثةُ عهدٍ بالبناء، وبيوتُها متواضعةٌ من الأخشاب.
ضحكَ النقيبُ بملءِ فِيهِ بصوتٍ عالٍ، وشاركه أحدُ مُساعديه باستهزاء، وقال النقيبُ في نفسِه: رجلٌ مجنونٌ!
لكنَّه آثر ألَّا يُصرحَ للمتهم بذلك لاستكمالِ التحقيق واستدراجِه لقولِ الحقيقةِ.
قال أحدُ مُساعدي النقيب: نعم يا سيدي، المتهمُ صادقٌ؛ قرأتُ عن تاريخ هذه البلدة، وكانتْ تُدعى نيوفلج ثم نيو ستي قبل أن يُصبحَ اسمها جيرسي.
المحقق: معلوماتٌ قيمةٌ، شكرًا لك للتوضيحِ.
ثُمَّ التفتَ للمتهم وقال له: يبدو أنَّك متعبٌ؛ سنأخذُ استراحةً قصيرةً لشرب الشاي.
تذكَّرَ الرجلُ ذلكَ الشقيَّ ستيف الذي داومَ على معاكسة ابنته سارة والتحرشِ بها فازدادَ حنقه وغضبُه، لكنَّه تناسى ذلك بعد أنْ طغى حبُّ الوطن على مشاعرِه، فشعرَ بالحقدِ على هؤلاء الرجال، الذين احتلوا أرضه وبلدته، بينما الرجل يُراجعُ ذاكرته غارقاً في أفكاره، يستذكرُ ما حصلَ له صباحَ ذلك اليوم وهو يحتسي فنجانَ الشاي الذي قدَّمَه له النقيبُ جاك، سمعَ صوتَ النقيبِ من جديدٍ يُعاودُ استجوابَه.
النقيبُ: أرجو أنْ تكونَ بوضعٍ أفضلَ الآن، وتُجيبُ عن أسئلتي بصدقٍ وبلا مُراوغةٍ سيد جو مارتن.
المتهم: نعم سيدي، لكنْ لا أعرفُ لماذا أنا هنا؟
ماذا حصلَ مني لتقبضوا عليَّ؟ أنا لم أسرقْ، لم أشتمْ أحداً، ولم أقتلْ، ما ذنبي بحقِّ السماء؟
المحقق: حسنًا، قرَّبتنا من الهدف سيد جو، لقد ذكرتَ شيئاً نبحثُ عنه منذُ أيامٍ، وجدْنا جُثَّةَ رجلٍ في المكانِ نفسِه الذي ظهرتَ فيه دون سابق إنذار وبصورةٍ شيطانية، فمن المعلومِ أنَّ القاتلَ يعودُ إلى مكانِ الجريمة يتشمَّمُ الأخبارَ، أريدُ تفسيراً لذلك، لماذا قتلتَ الرجلَ وألقيتَه أمامَ المقهى؟
لماذا جئتَ إلى المقهى من جديدٍ؟
ما الذي تبحثُ عنه سيد جو؟
هَلا أخبرتنا!
المتهم: قتيلٌ!... جُثَّة!... عمَّا تتحدث سيدي؟ أنا لا أعرف شيئاً عن الذي تقوله، أُقسم على ذلك سيدي.
النقيب: كلُّ الدلائل تُشير بأنَّك أنتَ القاتلُ؛ ظهورُك المفاجئُ في المكانِ نفسِه، ملابسُك الغريبةُ، عدمُ انتمائك للبلدةِ، أنتَ غريبٌ عنها، تأكَّدْنا أنَّك لستَ مُواطناً أمريكيّاً أيضاً، ما هي هويتُك؟
لحِسابِ مَنْ تعملُ؟
لماذا أنت هنا سيد جو؟
المتهم: مّنْ قال ذلك سيدي؟
أنا مواطنٌ أمريكيٌ، ولدتُ عام 1815م في بلدةِ بايون، ثُمَّ أقمْتُ فترةً في بلدةِ نيوراك، وتزوَّجتُ هناك، ولما حدثَتْ الحرب الأهليةَ بين الشمال والجنوب هربْنا كباقي الناس، والتقينا بعددٍ منهم هنا عندما كانتْ هذه الأرضُ غابةً تعيشُ فيها الحيواناتُ، ونحنُ مَنْ أسَّسَ هذه البلدة، أنا مواطنٌ أمريكيٌ أصيلٌ يا سيدي.
النقيبُ: أنتَ تهذي بلا شكٍّ! -اقتربَ النقيبُ من المتهمِ، أخذَ يشمُّ رائحةَ فمِه ثُمَّ تابعَ-: هلْ أنتَ ثملٌ يا رجل؟
المتهمُ: أنا لا أشربُ يا سيدي، لا أشربُ أبداً، أنا هنا منذُ الأمس، تحتجزُني في ذلك القفصِ الحديديّ اللعين كالحيوانِ ودون سببٍ، أنا بكاملِ قواي العقليةَ سيدي.
النقيبُ: سأطرحُ عليك عدداً من الأسئلة، ما دمتَ تملكُ قُواك العقليَّةَ كما تقولُ، أرجو أنْ تُجيبَ عنها بصراحةٍ من أجلِ مصلحتِك، لم نعثرْ معك على جوازِ سَفَرٍ أو هويَّةٍ أو حتى رُخصةِ قيادة لتثبتَ بها شخصيَّتَك، من أنتَ بحقِّ السماء؟
المتهمُ: جواز سفر! رخصة! أنا لا أفهمُ ما تعني بذلك سيدي، ماذا تريدُ مني بالتحديدِ من فضلك؟
النقيبُ: أيَّ شيءٍ يُثبتُ شخصيتَك، يثبتُ مَنْ أنتَ.
المتهمُ: لا يوجدُ معي شيءٌ من هذا القبيلِ.
النقيب: لا بأس، قل لنا من أين جئت؟ كيف دخلت البلاد دون جواز سفر؟ مَنْ يقفُ خلفك؟
فكَّر المتهم قليلاً وهو أشبه بأرنبٍ يتربص به ثعلب، ثم رفع رأسه والتفت نحو النقيب الذي يبدو عليه أنَّه مخلوقٌ غريبٌ قبيحٌ ومزعجٌ أيضاً، إنَّه ضخمُ الجثةِ قصيرُ القامةِ أصلعُ بشاربين كبيرين، وعيناه صغيرتان حادتان، تابع قائلاً:
أنا من هذه البلدةِ، نعم سيدي، إنَّها بلدتي منذُ أنْ كانتْ غابةً وقبل أن.....
واختلسَ النظرَ نحو النقيبِ الذي يرهبُ جانبه، والذي يبدو عليه أنَّه فقدَ صبرَه، وأصبحَ عصبيَّ المزاجِ، ثُمَّ صمتَ ولم يُكملْ.
قال النقيبُ وقد انحلَّ من عقالِه وبدا عليه الامتعاضُ وكأنَّه يتكلَّمُ من بين أسنانه: أكملْ أيُّها الرجلُ، لماذا توقَّفْتَ؟ أنا أسمعُك جيِّداً.
أطلقَ المتهمُ من الحسرةِ زفراتٍ وتنهداتٍ، كان يخشى أن ينقضَّ عليه النقيبُ بعدما أصبحَ فريسةً سهلةً بين يديه، واقتربَ منه أكثر مِمَّا يجبُ، تابع المتهمُ بصوتٍ مخنوقٍ: قبل أنْ تحتلوها وتقتلوا أهلَها سيدي.
النقيب: يبدو أنَّك مجنونٌ فِعلاً، أو أنَّك تتقمَّصُ شخصيةَ مجنونٍ؛ لتُخفي شخصيتك الحقيقيةَ خلفها.
قال الرجل: إنَّها الحقيقةُ سيدي.
قال المحقق: أيَّةُ حقيقةٍ يا رجلُ؟
هذه البلدةُ لم تتغيرْ منذُ أربعين عاماً على الأقلِّ، وأنا وهؤلاء الرجال وكلُّ مَن في البلدة وُلِدَ هنا، وكذلك آباؤنا.... إنَّها بلدتنا وأرضُنا.
قال الرجلُ: هذا مُستحيلٌ!.... مُستحيلٌ!.... أنا لا أصدقُ أبداً!
تغيَّرَ كلُّ شيءٍ فيها، وبقيتْ الأراضي الزراعية كما هي لم تتغيَّرْ....
لقد سافرتُ للعمل قبل عِدَّة شهورٍ فقط، عندما عُدْتُ إلى هنا لم أجدْ أحداً....
لم أجدْ زوجتي ولا أبنائي ولا بيتي...
أنا لم أجدْ أحداً أعرفُهُ في البلدة... أينَ بيتي؟
أخذَ الرجل يبكي ويُتمتمُ: لماذا فعلتُم ذلك؟
لماذا... لماذا؟؟
قال المحقق: يبدو أنَّك مُتعبٌ ويائسٌ.
المتهم: أنا في أحسنِ حالٍ، غير أنِّي أحبُّ أن أمضيَ في حالِ سبيلي لأبحثَ عن عائلتي، أرجوك يا سيدي.. أرجوك.
قال المحقق: كي أصدِّقَك، هل تعرفُ أحداً في هذه المدينةِ الكبيرة؟
قال الرجل: نعم سيدي، أعرفُهم كلَّهم...
ثم فكَّرَ قليلاً وقال: ولكن أينَ هم؟
لم أرَ أحداً منهم....
لم أشاهدْ رجلاً واحداً أعرفُه....
ماذا جرى لهم؟ أين أبعدتموهم؟
أريدُ أنْ يحضرَ العمدةُ نورمان، إنَّه يعرفُني جيِّداً، إنَّه صديقي، إنَّه يحترمُني كذلك.
ثمَّ وضعَ يديه حولَ رأسِه وهو يتألَّمُ.
قال المحقق: يبدو أنَّك رجلٌ مخادعٌ وكاذبٌ، وتُخفي سِرَّاً سأعرفُه بالتأكيدِ.
قال الرجلُ: أرجوك سيدي....
لم يشتمْني أحدٌ طوالَ حياتي، أنا رجلٌ مُحترمٌ، ومواطنٌ صالحٌ أيضاً، ليس لك الحقُ في أنْ تفعلَ بي هذا... ليس من حقِّك.
قال المحقق: أكادُ أُجَنُّ، قلْ لي اسمَ شخصٍ واحدٍ تعرفُهُ... قلْ أيَّ شيءٍ إن كنْتَ صادقاً.
قال المحقق: يجبُ أن تقولَ الحقيقةَ... يجبُ أن تعترفَ بكلِّ شيء.
قال الرجل: بماذا اعترفُ سيدي؟
قال المحقق: هذا كلامٌ لا يفيدُك أبدًا ولا أقتنعُ به....
أيها الشرطيُّ، احرسْهُ جيدًا، وانتبه فهو رجل خطير.
قال الرجل: أرجوك سيدي، أنا مظلوم....
أريدُ زوجتي.... أريدُ بيتي وأرضي.... أريد.....
أُعيدَ الرجلُ إلى المشفى لتلقِّي العلاجِ كما طلب الطبيبُ.

يتبع













التوقيع


الجنة تحت أقدام الأمهات

  رد مع اقتباس