عرض مشاركة واحدة
قديم 07-01-2017, 08:56 PM   رقم المشاركة : 2
أديب
 
الصورة الرمزية سيد يوسف مرسي





  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة :سيد يوسف مرسي غير متواجد حالياً
اخر مواضيعي
 
0 إياك والغرور
0 حرب الفجار
0 ساعة حظ

افتراضي رد: متى تصل الطريق ؟

******
عيناها لا تكفان الخرير بالدموع وأجفانها تخشى الخشوع تلالي تنادي السماء تدعو ربها ،وما هو ببعيد عنها لقد غابت عن الوعي رغما عنها ،راحت في ثبات عميق ليس نوماً وإنما غياب التيه الذي يخالطه الأنين والوجع ،تمر الدقائق والساعة تلي الساعة ولا أحد يراها وما النوم عنها ببعيد ،أنها تدرك أن الأمر لن يكون سهلاً ،ولكنها مصرة بلا عودة مهما كان الحساب والعقاب لها ،
الخوف الذي يسيطر عليها والرعشة التي يلازمها ، مسكينة حميدة هذه الفتاه الفقيرة ، الذي يجري الفقر وراءها ويعصرها ، لا يريد أن يذهب بعيداً عنها كأنه مرض عضال أصيبت به هي وعائلتها . تخرج من جوفها صرخة ،ويد تمتد إليها وصوت يحادثها ، ووجه رجل يتفحصها ، لقد ألقي إليها الخوف والفزع ما لم يكن له وجود تهب على قوائمها الثكلى قائمة ، تنظر حولها تدور برأسها لا أحد ،تجلس مرة ثانية وتحاول أن تغمض عينيها ، لكن العين لا تستجيب ،لقد تذكرت حميدة صاحبتها وصديقة عمرها بنت بائعة الجميز أخت إبراهيم أبو عصعوص البنت سنية ،التي دائما كانت تسريها وتلازمها الشقاء في الرواح والكد والعودة وهما يفضيان إلي بعضهما همومها لبعض ،والأمل يجمعهما مع بعض مثل ما يجمعهما الشقاء ،لقد كانت نظرتهما إلي الدنيا أوسع رحابة مما كانا فيه ، كانا يريدان أن يحلقان في سماء الدنيا مثل الطير ،كانت شهيتهما مفتوحة وبصيرتهما رائدة ،يتطلعان إلي حياة أكثر رغداً مما هما فيه من فقر وحرمان ، صحيح حميدة لم تذهب إلي المدينة كما كانت تذهب سنية مع والداتها أو حين اعتمدت عليها أمها وبدأت ترسلها لتقضي لها بعض متطلباتها من المدينة ،فكانت تري ما لم تراه حميدة ،اللباس الجيد والنظافة والطعام الذي تمتلئ به المطاعم في المدينة والسكن النظيف بدلاً من الأكواخ والعشش التي يسكنون بها ،فكانت كلما ذهبت إلي المدينة ورجعت التقت مع صاحبتها وحكت لها عن رحلتها وعما أحضرته لأمها من المدينة ،أما حميدة فكانت تفتقد إلي لمثل ما تقوم به سنية وما تحصل عليه من رؤية ، لقد كانت القيود حول حميدة أكثر وأشد ، وخصوصاً بعدما فارقتها أمها ،وأصبحت قيد نظرات زوجة أبيها لها وتحت رعايتها ، فكانت مقيدة لا تستطيع عمل شيء دون الرجوع إلي زوجة أبيها ، وكثيراً ما كانت تشكو إلي أبيها منها فتنال قسطاً وافراً من الضرب المبرح والسب ولا يوجد بالبيت من يرفع عنها ويمنع عنها العصي تنزل علي جسدها النحيل وهي تتلوي ، فكان الحلم يجمعهما والشقاء يجمعهما ،لكن سنية ؟ لقد وجدت مقتولة مدرجة غارقة في دمائها بجوار زريبة أبو طاقية ، لم تنس حميدة منظرها وأهل القرية حول جسدها يلتفون ،عيونهم زائغة ورؤؤسهم منكسة ووجوههم مكتئبة وأفواههم مغلقة مكممة ،لقد كانوا كالأصنام والتماثيل التي رصت في طريق معابد الملوك والآلهة في حلقة دائرية تحدق عيونهم شاخصة لا يلتفتون عن يمين أو شمال ،اختلطوا شباناً ورجالاً ونساء ،إلا أمرآة رفعتها من الثري علي رأسها وغطتها بثوبها وراحت تولول وتقدح بالصراخ علي أبنتها ،وأخ جلس فوق رأسها يظهر الحزن والألم يتوعد بالانتقام لمن قتل أخته وجلب له العار ولأسرته وأهله ،لقد لفتها الحسرة والخوف والجزع أكثر حينما حط الخيال إليها بهذه الصورة وذكرها بها ، لكن حميدة كانت تعرف شيئاً أقرب إلي الحقيقة مما كان يثار ويقال عن سنية البنت المسكينة ، لقد كانت ترغب سنية وتتطلع إلي الزواج من أحد أبناء الأثرياء ، حيث كانت تلتقي به علي غفلة من أهلها ،وقد سول لها طموحها الزائد وتطلعها إلي حياة الثراء والنعيم أن تتزوج يوماً بأحد أبناء الأثرياء ،فهي تملك قدراً من الجمال والرشاقة وخفة الدم ،لماذا لا يكون زواجها من هذا الثري ؟ الذي طالما وعدها ومناها،لكن يبدو أنه غدر بها يوماً بعد أن أشبع رغبته ونال مراده منها ، فانحدرت تحت ضعف تطلعها وصدقت هواها وهوى وأرادته أملاً أن يكون منفذاً للخروج من سجن الفقر ، هيهاتَ هيهاتْ فما للشيطان صدق في الوعود ، لقد وقعت سنية ضحية الفقر والطموح ، أوقعها الشيطان فسلمت وسقطت ثم تركها لتقتل علي يد أخيها الذي جلس فوق رأسها يتوعد قاتلها ،لقد ذهبت الشكوك أن صلاح بن أبو طاقية هو الذي قتلها ،لكن حميدة كانت تعلم الصواب وقريبة من الحقيقة ،وهناك من يعرف ويعلم ما تعلمه حميدة عن سنية من أهل القرية ،لكن لا يستطيعون الكلام فهذه الأمور وإنما يتهامسون به في مجالسهم ويتساررون به في الخفاء ، أنها عادة أهل الريف في هذه الأمور ،يتغامزون ويلمحون من بعيد أما حين تسألهم لا تجد غير كلمة واحدة علي أفواههم (ما خبرش ),ومهما فعلت مع الواحد منهم سواءً بالترغيب أو الترهيب لا يقر إلا بهذه الكلمة ، لقد قتلها إبراهيم أخيها خوفاً من إفشاء أمرها بين أهل القرية وقد عرف أن الشيطان قد أغراها فسقطت مثل غيرها ولم يحرك ذلك للشيطان ساكناً ، وحميدة تعلم أن هروبها لا يجلب لها إلا نفس المصير لو أمسكوا بها فلن تعود وإن عادت سوف تعود إلي قبرها مخضبة مدرجة في دمائها فهي تعرف أن أبيها لا يرحمها وتعرف أن الفقراء مثلهم لا يستطيعون الحلم والاختيار،لقد أخذت حميدة القرار ولن ترجع أو تعود فإن عادت ستعود إلي الفقر والشقاء لو تركوها وإن سلمت ونجت لم يتركوها وسيكون مصيرها مصير صاحبتها سنية وبئس القرار ،













التوقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

  رد مع اقتباس