الموضوع: الصبار
عرض مشاركة واحدة
قديم 04-18-2017, 06:59 PM   رقم المشاركة : 6
أديب





  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة :الفرحان بوعزة غير متواجد حالياً
اخر مواضيعي
 
0 إقصاء
0 إحـجـام
0 سقوط

افتراضي رد: الصبار

من خلال التفاعل القرائي للنص يتبين أنه يبرز حياة متشعبة داخل عالم متناقض ، ورغم هذا التشعب عمل السارد على إخضاعه للمراقبة والترصد والمتابعة الدقيقة ، عالم يعج بالحركة والحيوية ، تتداخل فيه الأحداث وتتشابك ،ولكل حدث زمن معين رغم أننا نتخيل أنها تجري في زمن واحد ، فالبطل ليس هو الفاعل الوحيد في هذه الأحداث ، بل هناك شخوص فاعلة تؤثث الخطاطة السردية وتساهم في بناء نص أدبي متكامل ..
انطلق الكاتب من بداية محددة هي / داخل الفصل/ كنقطة بدأت تكبر وتنمو ، جرفت معها أحداثاُ أخرى مست نفسية البطل وكادت أن تعصف بمسار حياته .. أحداث تركها السارد تتابع مجراها في رتابة زمنية ، فعدم الذهاب إلى المقهى ،وعدم زيارة البطل لخطيبته ، وعدم رد السلام على البائع ،هي أحداث مألوفة غير مؤثرة في حياة المدينة ، ولكنها بدت نتائجها على نفسية البطل من خلال تغير في سلوكه وأفعاله وعاداته ..
بسرد هادئ تارة ، وسرد صارخ في صمت ، رسم لنا السارد حياة جمعت من كل المتناقضات التي تبدو في الظاهر فوضوية ولكنها في العمق هي فوضى رتبها الكاتب ونظمها على مقاسه لضمان استمرارية الحياة بشكل طبيعي داخل النص وخارجه ...
كشف النص عن تناقض كبير بين / فضاء الفصل / و/ فضاء الشارع / رغم أن الأول يكمل الآخر ، الأول هو فضاء التربية والثاني فضاء ضياع هذه التربية / سب وشتم / الأول يربي ويهذب الأخلاق ويحافظ على الرسالة النبيلة ،والثاني يضيعها ...
في خضم هذه الحياة استطاع السارد أن يكشف تشنجاته الانفعالية التي يخفي وراءها مأساة ذاتية ونفسية ، فضلا عن المأساة الاجتماعية والتربوية التي يحمل أوزارها رجل التعليم دون أن يحس به أحد ..
ــ هكذا أنتم معشر المعلمين... كأنكم تحملون أوزار العالم فوق ظهوركم ..
نص غني بالدلالات المبثوثة بين ثنايا النص، وعبر جغرافيته العميقة يعيش البطل بين عدة متناقضات منها / النجاح والفشل / الاعتداد بالنفس / الشعور بالإهانة / الأمل / التشاؤم / التفاعل مع الآخر / التفاعل مع الإنسان العادي / قوة العاطفة الإنسانية / خلق المربي وصفاته الحسنة / عدم الإحساس به / هضم حقه في الترقية والانتقال / الانعزال والانطواء / الإنصات للغير ومساعدته / ....
نص أدبي متميز يتأرجح بين تعرض البطل لتدمير الذات ومحاولة بنائها من جديد عبر محطات انتقالية بين ما يجري في الشارع وبين الخلوة التي يعيد فيها ترتيب أفكاره .. فقد تعرض البطل لعدة انتكاسات نوعية وعاطفية ومادية .،إلا أن أهم انتكاسة في حياته هي : امتناع التلميذ عن تنفيذ ما أمره به ، مما عرض حياته إلى هدم نفسي وذاتي ، غيرت مجرى حياته في السلوك والتصرف والتفكير ، فاهتزت علاقته بالناس ، بالجيران ... وبنفسه وذاته ..
نص أدبي لا يتعيش من الواقع الظاهر فقط ، وإنما يتعيش من تحت جلباب هذا الواقع ، بتركيزه على هموم الآخرين ونسيان همومه ، فاعتناؤه بالتلميذ وتشجيعه كان كافيا لتبديد ذلك التحدي الذي نغص عليه حياته، بتجربته وحنكته استطاع أن يعيد لحياته توازنها، رغم أنه كان يجهل الأسباب والظروف التي يعيشها هذا الطفل من قبل ..
نص جميل وغني بالدلالات العميقة التي تمس جوهر الواقع النفسي والاجتماعي والتربوي ، بفنية أدبية متميزة استطاع الكاتب أن يشد القارئ من بداية النص إلى نهايته، اعتمد على لغة بسيطة لكنها عميقة في توصيل الفكرة شفافة واضحة .. حقا شدتني طريقة السرد والحكي المتدرج الهادئ مما أكسب النص جودة فريدة متميزة ..نص ممتع وغني.
أتمنى أن لا أكون قد خدشت هذا النص الجميل بقراءتي الذاتية والانطباعية المتواضعة، أتمنى له قراءات أخرى أفضل وأحسن.
محبتي وتقديري أخي الشاعر والمبدع المتألق ، رشيد الميموني صاحب الكلمة الأدبية النقية.






  رد مع اقتباس