مرَّ بالنصِّ مبهورَ الحواسِ، مفتونَ الرؤى!
إلا أن الوقت داهمَ مواهبهُ الاستقرائيةَ المذهلة..
فتوعد المضمونَ بالعودِ ذاتَ هدوءٍ تشتهيهِ خلجاتُ النفسِ
قريرةً ترتادُ مرافئها الروحُ.. لتنهلَ وتستبينَ...
**
وعلى أهبةٍ من إبحارٍ بارعٍ.. عزمَ على خوضِ الغمارِ
مَركبهُ اللغويُّ مترعٌ بكواشفِ المشاعر..
مهما علت لُجَّةُ التراميزِ بواطنَ البوحِ
هدهدها بمجدافه المحفوفِ بالرؤيةِ المتعمقةِ كوامنَ المضامين..!
**
جلس على كرسيِّه الخاصِ..قبالةَ مكتبهِ الفريد،
ذاك المكتب الذي شهد محافلاً من لذائذ القراءاتِ، عشقاً لغةَ الفصيحِ
قرأ النصَّ قبيلَ نثرهِ بروحهِ النديةِ آلافَ المرات..
قرأهُ بشخوصٍ كثيرةٍ، إبانَ استخلاصِ رؤيتهِ الأخيرة..
ثمَّ.. همى بيراعهِ الخبيرِ كاتباً على شواطئ تلكَ البحارِ..
بما حصد من لآلئ وجواهرَ قيِّمةِ المعاني، بمغزاها البعيدِ
تارةً.. متقمصاً روحَ مبدعها بخيالهِ الوسيعِ
وتاراتٍ .. كان بتعمقهِ ذاكَ رؤًى بحد ذاتها! تلبَّدَ وحيُها قريحةَ الكاتبِ الأصلِ
فذرفها بين يديهِ تراكيباً قرأها بفكره النجيب!!
**
ولمَّا قاربت رحلتُهُ الأثيرةُ حدودَ بلوغِ المرامي بغاياتها النبيلةِ
أنزلَ مرساةَ سفينتهِ المرمريةِ، قبالةَ تيكَ الشواطئ الرافلةِ بحبور الحضور
رقأ المدادَ في فم يراعهِ الهائمِ روعةَ الانسكاب
ثم.. رمق النَّصَ مرةً أخرى..تباينت عن أخواتها السابقاتِ بفلسفةٍ جديدةٍ
فلسفةٌ تخصُّ أسلوبهُ الأميزَ في اختراق النبضِ
والاحساسِ أبعدَ بلغتهِ الخاصَّةِ حالَ الاستقراء!
وعلى حينِ غرَّةٍ من كؤوسِ الزهورِ.. ألقم رؤيتهُ النَّدى
فانحدرَ لؤلؤيَّ الطابعِ، عابقاً بأريجها الممهورِ بالروعةِ
فبدت شفيفَة البيانِ، تدخل القلوبَ.. ودون استئذانٍ برقةٍ وعذوبةٍ
أدركتها خفقاتُ الهائمين...