ذكريات
القسم الرابع
اصعب ، و أحرج ، مواقف ، عشتها
تشردت وجعت في الغربة ، كتمت سري عن اهلي ، وأصدقائي ، ومعارفي. مع اني لاقيت منها الامرين ، وأتعبتني فكريا ، وجسديا ، الا اني لا اعتبرها من احرج مواقف حياتي.
احرج المواقف التي مررت بها في حياتي كانت في الموصل ، وسأتطرق اليها ، لأنها لا تغيب عن ذاكرتي ، مع مرور سنين طوال عليها !!!!
1 – كما تعرفون ، كنت من التلاميذ الفقراء في الموصل ، وأعيش في حي قديم وفقير. كل تلميذ يعرف اني من طبقة فقيرة . لذا كنت اتجنب اولاد الذوات في علاقاتي ، مع اني كنت اكن الاحترام للجميع بدون تمييز.
اصبحت نجما معروفا بالموصل ، وقد نوهت على هذه النقطة في محل اخر. الا ان اولاد الذوات كانوا يحرجوني في تقربهم لي وملاطفتي. كنت اتهرب منهم دون ان يشعروا.
اتذكر عندما كنت في الاعدادية اولاد الذوات بعدد الاصابع ، يأتوا المدرسة بسيارة فخمة يقودها السائق وهكذا الحال عندما يخرجوا من المدرسة. هم عالم ونحن الفقراء عالم اخر. كان البعض ينتظرني ليوصلني الى البيت ، غير أني كنت أتخلص منه بصعوبة ، وكنت اعتبرها من اصعب مواقف حياتي نفسيا. كان صديقي وأخي سامي محمود النائب ( الان محامي ) . كان في كثير من الايام ، وخاصة في الايام الممطرة ، كان ينتظرني مع اني كنت اخرج من المدرسة بتعمد متأخرا. كان يجبرني بطيبه وحسن اخلاقه ان اركب معه ، وقبل ان اصل البيت بحوالي كيلومتر ، كنت ادعي أن بيتي في هذه الازقة الضيقة ، كنت اودعه وسائقه شاكرا ، غير اني كنت أذوب كابة وخجلا دون ان يعرف.
طلب مني صديقي سامي محمود النائب ان ندرس سوية واستجبت لطلبه ،(( مع اني قد تعودت ادرس لوحدي )) بشرط في احد صفوف المدرسة ، واستجاب لطلبي. ولكن عندما اشتد الحر ، ترجاني ان ندرس في بيته لتوفر الجو الملائم ، وبعد الحاح منه فرضت شروطي عليه وهي : أني لا اكل ، ولا اشرب ، الا الماء فقط في بيته ، واستجاب لطلبي.
من احرج الاوقات التي مرت في حياتي خجلا ، عندما ادخل بيته ، واخرج منه . الله كم كنت احس بخجل ، وكم كانت سويعات صعبة علي.
النقطة الاخرى ، لا احد من التلاميذ يعرف في أي زقاق اسكن ، الا عدد قليل لا يزيد عن اربعة من الاصدقاء ، وهم من الطبقة المتوسطة ، بل والقريبة من الطبقة التي انتمي اليها ، ينادوني ، او يقرعوا الباب ، واخرج اليهم.
يوما طرق احدهم باب البيت ، وصدفة خرجت ، فأندهشت وأنا ارى أمامي صديقي تحسين احمد النجار ( اصبح محاميا ) وبيده كيس وقال : صلاح جلبت لك فستق من بساتيننا كهدية مني. كيف عرف البيت ؟ !!!!!!! لا اعرف !!! حاولت رفض الهدية ، وجرى نقاش حاد بيني وبينه ، الا انه اصر ، وهو من اصدقائي الاخيار. بقيت اتذكر هديته ولحد هذه اللحظة.
التقيت به في بغداد ، وكان مع أخيه ( حاكم معروف ) ودعوتهما ، فاندهشا من امر ، وسمعتهما يرددانه : كيف استطعت يا صلاح ان تكتم سرك عن كل اصدقائك طيلة هذه السنين الطويلة في الموصل ؟ أكدت عليه ان فستقه كان اكثر دهشة من كتمان سري عليكم. شكرته على الفستق ثانية.
ونتيجة الصدف التقيت به وكان مع اخيه ثانية في استنبول ، ودعوتهم على العشاء ، كما ذكرته بالفستق ثانية ، الفستق الذي سبب لي في وقتها احراجا ، لا يفهم عمقه النفسي الا من مر بظروفي و فقري.
من وجهة نظري على المجتمع الاسلامي اولا ، والمجتمع البشري قاطبة ، أن يجدوا حلا لمشكلة الفقر ، على الصعيدين ، العربي ، والعالمي ، و الا كل الادعاءات ، والنصائح ، والقيم لا تجدي نفعا.
اخوكم ابن العراق الجريح : صلاح الدين سلطان