حكاية : الصياد وحورية البحر
كنا نتراص قرب بعضنانحيط كحلقة دائرية بأمي نتلمس الدفء من تلك النيران المنبعثة من مدفأة صغيرة تقبعفي ركن الحجرة التي كانت تلمنا جميعا .. في ذلك الوقت كنت ما أزال طفلة صغيرة أرنوالى حضن أمي وأحلم أن يكون لي حظ أختي الصغيرة التي تنعم بدفئها وحنانها .. في مثلتلك الأيام شديدة البرد كانت أمي تخبز لنا الرغيف وتضع فوقه السمن والسكر كي نأكلفنسد جوعنا وندفئ أجسادنا.. لكن عقولنا وقلوبنا تظل تنتظر متى انتهت من عملها لتقصعلينا حكاية من حكاياتها الجميلة .. وبعد أن انهت ما كانت تقوم به من عملجلسنا حولها كما اسلفت في انتظار مشوق لحكاية جديدة .. قالت :
كان يا ما كانفي سالف العصر والأوان صياد سمك فقير يخرج فجر كل يوم الى البحر ليصطاد مؤونة يومه تاركا ابنته الصغيرة تنام في حضن فراش مهلهل من شدة الفقر وتطوي يديها على بطنها في انتظار قاس أن يعود لها أخر النهار وهو يحمل معه رغيف خبز وبعض تمرات وشيئا من اللبن .. !
شعرنا بالجوع حينها وأمسك كل منا بقطعة الرغيف المحلاة بالسكر ورحنا نقضمها شيئا فشيئا واستمرت أمي تقول :
كان البحر ذلك اليوم خاليا من الرزق إلا سمكة صغيرة تعلق في الشبكة كلما رماها خرجت ذات السمكة.. وكان كلما امسك بها صعبت عليه وأحزنه إبعادها عن ذويها وهي مازالت صغيرة .. في المرة الاخيرة قال في نفسه هذه المرة لوخرجت لي ذات السمكة سأخذها وأطعم بها ابنتي بدلا عن اللبن والتمر وشاء القدر أن تكون ذات السمكة الصغيرة رزقاً له ذلك اليوم وقبل أن يقطعها بالسكين نزلت دمعة ساخنة على يده وصوت يقول له : أرجوك لا تذبحني وأعدني الى والديّ لقد خالفتهما وابتعدت عنهما وزادني فضولا أنك كنت ترمي بي كلما التقطتني في الشباك فأردت أن اعرف ماحكايتك.. أسرع الصياد ورمى بها الى النهر وهو يقول: سامحيني يا ابنتي سأعود اليك اليوم بلا طعام .. وبينما هو يلملم أشياءه ليعود ظهرت من بين الأمواج حورية رائعة ونادت: أيها الصياد توقف لا تذهب .. تنبه الصياد وفرائصه ترتعد من هذه الجميلة التي تناديه ؟ قالت :لا تخف أنا حورية ساقتني الأمواج لأرى وأسمع ما حصل بينك والسمكة الصغيرة خذ هذا الخاتم التقطه خذه ولا تخف واذهب الى السوق وبعه ثم اشتري لطفلتك الطعام والثياب ..
فسألها: لماذا تفعلين هذا معي ..؟
قالت لرقة قلبك ولطفك بالصغاروطهارة روحك فعلى الرغم من الجوع الذي يمزق معدتك كان لدمعة السمكة الصغيرة أثر أن تثير شفقتك وحنانك إذهب وستراني هنا كل شهر في هذا الموعد أحمل لك قوت شهر قادم ..
كانت السعادة تملأ صدر الصياد وهو يشتري لابنته الطعام والثياب .. وحين عاد الى بيته حكى ما حصل معه فامتلأت أركان الدار بالغبطة والسعادة ..
في صباح اليوم الثاني استعد الصياد للذهاب الى البحر لكن ابنته استغربت و سألته: ألم تعدك الحورية أن تعطيك قوتنا كل شهر..؟
قال: نعم
قالت: لماذا تتعب نفسك اذاً ..؟
قال الصياد يا ابنتي اليد التي لا تعمل لا خير فيها .. سيمنحني العمل القوة والعزة لعل الحورية حلّت لنا مشكلة والله هو الرزاق الكريم الذي أرسلها إليّ ،لكني لا أستطيع أن أعيش عالة على أحد حتى لو كانت حورية البحر ..
نظرت الى إخوتي كانوا قد ناموا والطفلة الصغيرة في حضن أمي ترقد بسلام.. شعرت حينها برغبة شديدة أن تحتضنني أنا أيضاً كي أنام ..!!