عرض مشاركة واحدة
قديم 12-25-2012, 08:41 PM   رقم المشاركة : 1
أديبة
 
الصورة الرمزية ليلى أمين





  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة :ليلى أمين غير متواجد حالياً
اخر مواضيعي
قـائـمـة الأوسـمـة
افتراضي آدم خلف القضبان

(تابع آدم 2)
ادم خلف القضبان

ومن ظلمة الحياة إلى ظلمة أقسى وأمرّهي ظلمة السجن ،فقد وجد آدم نفسه خلف القضبان يتجرع مآسي ماضيه وهموم حاضره وهو قابع في زاوية من زوايا حجرة باردة تآكلت جدرانها وترك عليها الزّمن رسوماته التي باتت كتابا مفتوحا وسجلا خالدا يشهد رحلة السجناء عبر هذا النفق المظلم .فهذا رسم صورة وآخر خطّ أيامه وشهوره ولما لا سنواته وآخر كتب أحبك وآخر .......واللوحة الجدارية طويلة تحمل هموما أكبر وأعمق.وآدم لا يزال هنا يقاسم الحجرة أوجاعها وكأنّه يقول لها هونا عليك فكم حضنت من الأوجاع والآهات في صمت وكم سقيت أرضك دموعا .ثم يعود إلى واقعه حيث الألم تربع واستقربين جدران قلبه الرقيق الفتّي وهو يبحث عن بقعة فارغة عذراء يلجأ إليها ليهرب عن هذا العالم الغائبة شمسه،الخريفية أشجاره،وهناك همس في أذنه صوت رقيق استكان إليه فأطال الإصغاء.كان صوت أمه من العالم الآخر:«بني يا فلذة كبدي ،يا حلمي الذي لم أره،إنّ القدر أقوى منّي ومنك كم تمنيت لو قلت لك كم أحبك أحبك أحبك..............ويختفي الصوت وتختفي معه الإبتسامة ويعود إلى وحدته والتفكير في مصيبته وكيف الخروج من هذا المأزق .فتارة يلوم نفسه ويعاتبها على تصرفه اللانساني وجريمته النكراء وهوصاحب القلب الكبيرفيعود بفكره إلى هذا الشاب الذي وضع حدا لحياته ويتساءل إن كانت له أم تتفجع لفقده .وبين أخذ ورد اختلطت لديه الأفكار واشتعلت نيران الهواجس والأوهام .
ورأى أنّ هذا المكان وضع لمثله....وراح يردد في صمت:لما أريد الخروج من هنا؟ أليس هذا أفضل لي؟ فأين ذاك الصدر الحنون الذي ينتظرني عند باب السجن لأعانقه وهي تقول:كم اشتقت إليك يا بني وكم انتظرت هذا اللقاء.....وأين هم الأصدقاء الذين يرغبون في عودتي لنجتمع حول طاولة النرد او ندخن بعض السجائر...............
وهكذا كان أدم يواسي نفسه ويبرر وجوده خلف القضبان .
ما أصعب أن يعيش المرء غريبا في بلده ولنا لقاء مع آدم في المحكمة.
( آدم في المحكمة)
نظر آدم من حوله فلم يرغير الجدران وهي تحاكيه قسوة الزمن.فجلس يقلب كفيه ندما على ما صدر منه،يواسي الزمن،يواسي الحدث،يواسي نفسه المتأزمة ،و الحجرة الباردة في سكون،في حياد رفضت ان تبدي رايها في ادم المسكين علها تكسب ثقته بها فتنشأ بينهما مودة ،ومن له هنا غيرها.هل كانت حياته لتأخذ مسارا أخر لولا هذا الحدث؟ هل كان الزمن ليقسو عليه ؟ أسئلة من هنا وهناك خدّرت ذهن آدم،فراح يسبح في خياله إذ هو الوحيد الذي يحنو عليه .راى آدم أمه وهي تحضنه بشدة بعدما عادت من العالم الآخروأخذت تقبله بحرارة وتعده أن لا تتخلى عنه بعد اليوم ،ولن تسمح بايذائه وبينما هو في هذا العالم المحفوف بالرقة والحنو أيقضه صوت السجاّن وهو يخبره عن موعد المحاكمة•
عاد آدم الى أرض الواقع بعد هذه السفرة الرائعةوهو يفكر في كيفية مواجهة العدالة من جهة وأهل المجني عليه من جهة اخرى والأمر من هذا وذاك كيف ينظر في عيني والده المسّن والذي لم يسمع عنه شيئا مذ دخل الى السجن•
رافق آدم السجاّن وهو مقيد اليدان ،مشوش الفكر،شريد الذهن،يجهل مصيره•
وصل آدم الى المحكمة قبل الوقت المحدد للمرافعة وهذا شرط أساسي يعرفه الجميع وقاعدة من قواعد وآداب وسلوك المحكمة•إذ ينبغي على أطراف المرافعة الوصول الى المحكمة بعشرين دقيقة قبيل بدء الجلسة.ان الجديد في هذه القضية أنّ ادم لم يوكّل محاميا بل ترك الامر في يدي العدالة والتي وكّلت له محاميا كان قد التقى به مرة او مرتين كانتا كافيتين لمعرفة ظروف الحدث.
ظهر رجل فوق المنصة بأثواب فضفاضة وهو يمسك بمطرقة خشبية وطلب السكوت من الجميع،أصيب آدم بقشعريرة واأيقن أن هذا الشخص هو قاضي المحكمة فطأطأ الرأس في حياء .
نودي على آدم بصوت مرتفع يهز البدن،فاستجاب للنداء واقترب من المنصة ،ثم انتظر حتى أذن له بالكلام ،وحينها تقدم المحامي الموكل للدفاع عنه والقاضي يقرأ ما جاء في الملف سردا للرواية من بدايتها الى نهايتها.أعطيت الكلمة للمحامي فراح بكل ثقة يدافع عن آدم ،لا لتبريئه وإنّما للحديث عن الأسباب التي ساعدت آدم على القيام بهذا العمل الإجرامي وقال:سيدي القاضي،حضرات المستشرين
أقسم بأنّني لا اقول إلا الحق كل الحق:،إن هذا المتهم الماثل أمام عدالتكم الموقرة ارتكب جريمة في حق المجني عليه ولا أحد ينكر ذلك، حتى المتهم نفسه ،ولكن سيدي القاضي حضرات المستشرين
أرجو من حضرتكم سعة الصدرلأن الجاني هو ايضا مجني عليه،لماذا لا ننظر للجاني الحقيقي؟
نعم إنه ضحية ظروف قهرية..ثم أعطيت الكلمة لآدم فقال:نعم سيدي القاضي ارتكبت هذه الجريمة ولكنني لو عدت الى الخلف لما فعلتها،
لقد استفزني سيدي القاضي وخدش شرفي وشرف أمي التي لم أرها قط،من منكم يرضى بأن تشتم أمه على الملأ _ودمعت عيناه_وواصل كلامه والقلب ينفطر:لم تعد أمي من هذا الوجود تركتني أصارع الحياة بمفردي،لم أعرف حتى والدي الحقيقي ،وقد تكفل بي هذا الشيخ المسّن ،جزاه الله خيرا
لفعله هذا.اشنقوني,قطعوني إربا إربا ولا تمس أمي بسوء,أرجوكم لا تعاتبونها عما فعلت لأنها بريئة.وأوقفته دموعه فصمت ليكمل المحامي حديثه:أين أبوه؟ أين أمه؟ أين المجتمع؟أين من هم في خط الدفاع عن الأطفال أمثاله؟أسئلة ما كانت أسئلة!وواصل كلامه المؤثّر والجميع في حيرة مع من يقفون ؟مع الجاني؟ام مع المجني عليه؟
سيدي القاضي,حضرات المستشرين...أكان ليقوم بهذا لو شملته الأسرة بالرعاية الكافية؟ أكان ليقف أمام عدالتكم اليوم لو وجد الحضن الدافئ من أسرة سويّة؟ إنه والله أداة جريمة وليس مجرما.
أنا سيدي القاضي لا أطلب من حضرتكم العفو عنه ولكن التمس منكم ومن سعة صدركم تخفيف الحكم عنه.ثم شرعت المحكمة في مناداة الشهود واحدا بعد واحد إلى أن نودي على الشيخ الذي لا أقول رباّه وإنّما جمعهما مسكن واحد ,امتثل الرجل أمام المنصة وأقسم بقول الحقيقة :وراح يروي قصة آدم من بدايتها ,وكانت المفاجاة حين ذكر إسم والده الحقيقي والذي ترك زوجته حاملا ليواصل دراسته باوربا وفجاة وقع القاضي على الأرض مصابا بنوبة قلبية أخذ إثرها إلى المستشفى ,ورفعت الجلسة إلى حين.....................................
في الحلقة القادمة آدم وخيبة الامل
بقلم بن صافي ليى















  رد مع اقتباس