فرحة وصرخة ألم
كان الجميع يحدقون بالرجال وهم ينزلون من العربات لينخرطوا بين الأهل، وكل منهم يبحث عن زوجته وأبنائه أو والديه وإخوانه في منظر مدهش، وعندما يعثر أحدهم على ذويه يبدأ العناق والسلام بحرارة الصيف تطفئها قبلات الأحبة وتهدئ من حرارتها، في حين كان العمدة ومساعده وآخرون يراقبون هذا المنظر الجميل، وما هي إلا لحظات حتى بدأ الجميع بالرقص والغناء وكل واحد منهم مشغول بأهله وأحبته ونسي أو تناسى كل من حوله، وفي تلك اللحظة زلزل صوت عنيف أرجاء الساحة وأصم الآذان وهز المشاعر واقشعرت له الأبدان .
ساد الصمت فجأة كل من في الساحة، وكأن على رؤوسهم الطير، واتجهت الوجوه نحو مصدر الصوت وإذا بامرأة تقف وحيدة في آخر الساحة وقد التفت يد ابنتها اليافعة حول عنقها، وصغارها يتمسكون بأطراف ثوبها، وهي تبكي بحرارة ولوعة، ثم صرخت من جديد بصوت حزين…..
أين زوجي ؟
أين زوجي ؟
كانت تلك المرأة هي ليزا زوجة جو، وكان صغارها يبكون خائفين وجلين، وابنتها ساره أشدهم رعباً وخوفاً. انزعج العمدة وغضب أشد الغضب، ولام نفسه لأنه لم يسأل عن الجميع….
نسي العمدة في فرحة اللقاء السؤال عن الرجال واحداً واحداً، فالفرحة التي لقيها في وجوههم جعلته يظن أن الجميع بخير، ما جعله يطمئن كل الاطمئنان.
تقدم العمدة بوجه عابس وسأل بغضب:
أين جو يا رجال ؟
لماذا لم يأت معكم ؟
ما الذي أخّره عنكم ؟
كان العمدة وجميع أهل البلدة خاصة ليزا زوجة جو وابنته ساره ينتظرون الإجابة من الرجال. طأطأ الرجال القادمون رؤوسهم ولم يجب أحد ….
لا يوجد لدى أحد منهم الجواب الشافي على سؤال العمدة .
ما زال الصمت يخيم على الساحة …
ما زال العمدة وزوجة جو بل وأهل البلدة كلها ينتظرون جواباً شافياً، لأن الجميع اعتقد أن مكروهاً أصاب جو. أعاد العمدة السؤال مرة أخرى، ووجه سؤاله للسيد جاك الذي أمّره على الرجال، وقال له :
أين جو يا سيد جاك ؟
وما الذي حدث له ؟
تقدم جاك نحو العمدة وواجه الأهالي، وقال :
سيدي العمدة :
سيدتي ….. أيها الاخوة ،
إنه لأمر محزن جداً أن نعود إلى البلدة دون السيد جو، لأن ما حصل له أمر لا يصدق أبداً ……
وأخذ جاك يروي ما حدث لجو بالتفصيل، والجميع بين مصدق ومكذب وبين خائف وحائر.
ما كادت ليزا زوجة جو تسمع بالحكاية حتى صرخت بعنف …..
آه….آه... آه
ثم وقعت أرضا فاقدة الوعي، وما زال صغارها يتمسكون بأطراف ثوبها، وابنتها سارة تبكي بلوعة وحرارة .
أسرع الدكتور سكوتي لنجدتها وابنتها، وتم إسعافها ثم نقلت إلى منزلها والنسوة من حولها يحاولن التخفيف عنها ويرجونها أنْ ترحم صغارها ونفسها وأنْ تتجمل بالصبر .
تعجب العمدة من تلك الرواية الغريبة والمثيرة وقال للرجال والحضور :
كنا نأمل أن نحتفل بعودتكم في هذا اليوم السعيد، إلا أن فقدان أحد الرجال أصابنا جميعا بالحزن والأسى؛ لذلك نلغي الإحتفال، وليعد الجميع إلى منازلهم، فالرجال لا شك أنهم تعبون من السفر، ثم قال للسيد جاك:
لقد أفزعتمونا أيها الرجال بتأخركم عن الموعد المحدد .
قال جاك : لم نتأخر يا سيدي أبدا فهذا اليوم هو موعد وصولنا حسب الاتفاق فنحن وبعدما أنهينا العمل غادرنا المزرعة فورا ولنا منذ تلك اللحظة خمسة أيام بالتمام هي مسافة الطريق .
فكر العمدة قليلا ثم تبسم وقال :
يبدو أنني أخطأت في الحساب لأنني لم أضف هذه الأيام الخمسة فترة العودة .
قال جاك : لا باس يا سيدي فجميعنا نخطىء ..
ثم أخرج من جيبه منديلا وأعطاه للعمده قائلاً :
تفضل يا سيدي هذا المبلغ من المال أرسله الزعيم إلى زوجة جو لتستعين به .
قال العمدة : يا له من رجل كريم …
أرجو من جميع الرجال التواجد في البلديه بعد ثلاثة أيام لبحث أمور كثيرة .
حلم غريب :
(الشعور والإحساس الذي ينتاب الإنسان أحياناً أثناء نومه وأثناء حلمه يبقى تأثيره بعد ذلك وربما يتحقق هذا الحلم ولو بعد حين .
هذا ما كان من أمر سارة إبنة جو تلك الليلة، فقد أفاقت من نومها في صباح اليوم التالي والابتسامة ما زالت على شفتيها وملامح الفرحة ظاهرة على وجنتيها، أرادت ساره أن تنقل تلك الابتسامة الموشحة بالحزن لوالدتها الثكلى، وأن تبشرها بما رأت في ذلك الحلم، التفتت سارة إلى والدتها وإذا بها على الهيئة التي تركتها عليها قبل أن تنام حين غلبها النعاس وأعياها البكاء .
حزنت سارة على والدتها وحاولت التخفيف عليها لتنام بهدوء، لكن الأم أفاقت على لمسة ابنتها الرقيقة في حين ما زالت خيوط دموعها فوق خديها، ولشدة حرارتها بدت كأخاديد حفرت على وجنتيها، مسحت سارة دموع والدتها المنهارة والمنهكة بكل رقة وحنان، وألقت بنفسها في أحضانها لعلها تعطيها جرعة من الثبات والصبر وحتى تشعرها بأنها معها قالت لها :
يجب أن تكوني قوية يا أمي ويجب أن يكون لديك الإيمان بأن والدي ما زال حياً وأنه سيعود بالتأكيد .
قالت الأم : لا تضحكي عليّ وعلى نفسك يا سارة فالأمر واضح جداً، فلو كان أبوك حياً لعاد مع الرجال ولو افترضنا أنه أخطأ الطريق أثناء الذهاب لعاد إلينا بعد هذه المدة الطويلة، فأين هو إذن .
لا شك …..
قاطعتها سارة وقالت :
لا يا أمي …..
أرجوك لا تكملي …..
لا تقولي ذلك أبداً لقد قلت لك إنه ما زال حياً …..
لقد أخبرني بنفسه هذه الليلة، نعم لقد جاءني أبي هذه الليلة وأخبرني أنه حي وكنت سعيدة معه ولقد أفقت من نومي وأنا أبتسم فرحة وهو يودعني .
قالت الأم : ماذا ؟
تقولين إنه حي….. وجاءك الليلة …..
ولكن كيف ؟
لماذا لم يأت إلي ؟
قالت سارة : يبدو أنه رآك متعبة ونائمة فجاءني وقال لي :
أنا ما زلت حياً يا ابنتي، أخبري والدتك أن تكف عن البكاء لأني سأعود إلى البلدة يوماً ….
لقد رأيته على هيأته التي سافر بها قبل عام وكان يبدو عليه التعب والإرهاق وهو يرقد في سرير جميل وقلت له :
نريد أن نطمئن عليك يا أبي أخبرني أين أنت الآن ؟
قال : لا أدري يا ابنتي ولكني بخير .
قلت له : لماذا تركت الرجال وذهبت وحدك ؟
قال : لا يا ابنتي لا تقولي ذلك ….
فأنا لم أتركهم بإرادتي لكن تلك الليلة أصابني ألم حاد اخترق أوصالي ومزق صدري، فوقعت على الأرض من شدة الألم، وبدأت أتخبط كأني دجاجة مذبوحة، لقد حاولت الصراخ حتى ينجدني أحدهم ….ولكني لم أستطع …
وبعد ذلك أحسست بأيدٍ تمتد إلي وتسعفني فشعرت بالراحة، ثم حملتني الأيدي معها وطار أصحابها بي في السماء وأنا معهم الآن .
قلت له : يجب أن تعود يا أبي فنحن بحاجة إليك …
نحن نحبك يا أبي .
قال لي : وأنا أيضا يا ابنتي …
سأعود إليكم …سأساعدكم …هذا وعد .
كانت الأم تستمع لابنتها باهتمام بالغ وكأنها فتاة صغيرة تستمع لحدّوثة جدتها قبل أن تنام، فعاد لها البشر ثم قالت لابنتها : أمتأكدة من ذلك يا ابنتي ؟
هل أخبرك بأنه سيعود وسيساعدنا ؟
قالت سارة نعم يا أمي وأقسم على ذلك.
فجأة سمعت الأم صوت الباب يدق …
كان هناك من يقف على الباب ويستأذن بالدخول ..
إنه العمدة ومعه زوجته جاءا للاطمئنان على عائلة جو ومساعدتهم، وكانت زوجة العمدة تحمل كيسا من المواد التموينية …
رحبت ساره بالضيوف وأمها تجلس حزينة تتوق أن تسمع من العمدة كلاما يريح أعصابها ويخفف عنها حزنها وألمها .
قال العمدة : أرجو يا سيدتي أن تكوني بخير وأن تتجملي بالصبر فنحن جميعا معك …
ثم أخرج المنديل وقدمه لزوجة جو، وقال لها : تفضلي يا سيدتي هذا المبلغ من المال أرسله لك السيد جو مع الرجال .
أخذت الدهشة والاستغراب الأم تتوشحها بابتسامة حزينة حين رأت داخل المنديل نقوداً حقيقية، وهذا ما تنبأت به سارة قبل قليل ما يؤكد لها بأن جو ما زال حيا .
قالت ساره بفرح : ألم أقل لك يا أمي أن أبي سيبعث مالاً وسيعود إلينا ؟
أرأيت ؟
التفتت زوجة العمدة وهمست في أذنه قائلة له :
ما الذي قلته لها يا رجل ؟
قال العمدة : هل أخطأت في شيء ؟
قالت زوجته : نعم…
لقد أخبرتها بأن زوجها من بعث المال …
ألا تراها سعيدة بهذا الخبر ؟
لقد سرت زوجة جو بما سمعته من العمدة فقالت له :
هل قلت يا سيدي بأن زوجي هو من بعث المال لنا ؟
قال العمدة : عفوا سيدتي …
لم أقصد ما تفهمينه بالضبط …
لكن الزعيم صاحب المزرعة هو الذي بعث بالمال بالنيابة عن زوجك، ولقد أخبرني الرجال بأن زوجك ضل الطريق أثناء الليل ولا بد أنه سيعود قريبا .
قالت ساره : نعم يا سيدي …لقد أخبرني هذه الليلة بأنه سيعود .
استغرب العمدة ما سمعه من ساره وقال لها :
أخبريني يا ابنتي ماذا قال لك السيد جو ؟
بدأت ساره تروي للعمده وزوجته ما شاهدته في الحلم تلك الليلة والعمده يستمع لها بشغف كبير .
وبالرغم من أن العمدة لديه إحساس قوي بأن جو قد مات إلا أنه وجد في حلم سارة ما يبدد ذلك .
فال العمدة : الحمد لله، هذه أخبار جيدة وتبشر بخير، إن ذلك شعورنا جميعا… كوني مطمئنة يا سيدتي غدا سأجتمع مع الرجال وسنبحث معهم أمر زوجك والبحث عنه .
قص العمدة ذلك الحلم على الرجال واللجنة الاستشارية …
أكد الرجال بعدما سمعوا كلام العمدة بأن ذلك ما حصل بالضبط مع جو، وما أكده لهم الزعيم، وأن ذلك حقيقة بل وأصبح لديهم ثقة بعوده جو. وانتشر الخبر سريعا في البلدة كلها وأصبح حديث الناس .
بعد عودة الرجال من السفر اجتمع معهم العمدة وأطلعهم على القرارات التي اتخذها المجلس الاستشاري للبلدة بتطويرها وتحديثها .
لقد تعلم أهل البلدة الزراعة بشكل جيد لكن البعض من الرجال الذين هم أصحاب صناعة وخبرة من قبل أخبروا العمدة قبل سفرهم نيتهم بناء مصانع في البلدة بعد عودتهم لتساعد أهل البلدة في العمل ولرفع مستوى البلدة.
كان المجلس قد أوصى بإقامة عدد من المشاريع الصناعية الهامة التي يريدها الرجال والتي ستساعد في تشغيل أكبر عدد من أهل البلدة، اتفق الرجال على تشكيل مجموعات لتشكل كل مجموعة شركة خاصة لإقامة ثلاثة مصانع، وأوصى المجلس بمنح تلك الشركات قطع أراضٍ متساوية قرب المنطقة الزراعية .
بدأت الشركات بإقامة الأبنية اللازمة، وطلب العمدة من كل شركة إرسال مندوبٍ عنها ليرافقه في السفر إلى العاصمة لشراء الآلات اللازمة لتلك المصانع.
غادر العمدة والوفد المرافق البلدة متوجهين نحو العاصمة، تم شراء تلك الماكينات وبقي المرافقون في العاصمة للتدريب عليها حتى يستطيعوا العمل عليها عند تركيبها في مصانعهم، ذلك أن الماكينات التي اشتراها العمدة أكثر حداثة مما تعود عليه الرجال من قبل .
قام العمدة بتفقد بعض أعماله هناك، لم يفكر العمدة بإقامة مصانع له في البلدة لأنه يعمل في التجارة فقط، وفكر بأن يعود قريبا الى مكان إقامته الدائم .
عاد العمدة ومرافقوه إلى البلدة ومعهم مهندسون ليقوموا بتركيب تلك الماكينات والإشراف عليها حتى تعمل، وذلك حسب الاتفاق مع الشركة الصانعة، كانت فرحة الأهالي كبيرة بعودة العمدة والرجال واستقبلوهم استقبال الأبطال .
شهور قليلة وإذا بالمصانع تعمل بشكل جيد، وأخذ التطور يمتد بالعمران شيئا فشيئا واتسعت البلدة وبدأت ملامح الرضى والسعادة تظهر على وجوه الجميع، كانت الحرب قد انحسرت في أماكن محددة ولاحت في الأفق بوادر الانفراج .
كانت ليزا تعيش مع ابنتها وولديها دون رجل يحميهم ويعتني بهم، ما ولّد لديها شعورا بالوحدة، وبالرغم من أن إحساسها بمجيء الوقت الذي يعود فيه زوجها صار يقينا، فقد خشيت أن تذهب المزرعة من أيديهم لأنها تعرف جون على حقيقته، فهو الذي لم يكترث لهم ولم يسأل عنهم طيلة تلك المدة التي غاب فيها جو لأن همه الوحيد هو المال؛ وما الذي يمنع شخصا بجشع جون من أن يأخذ المزرعة منهم ليعطيها لأي رجل يعتمد عليه ويدفع له مالا أكثر؟
كانت ليزا زوجة جو تحسب ألف حساب لأبناء جورج الذين تعمدوا مضايقة ساره في كل مرة تذهب فيها إلى المزرعة، وخشيت أن يستغل ستيف غياب جو ليزداد تهديده لابنتها، لقد تعودت ساره مساعدة والدها في المزرعة وحافظت عليها جيدا أثناء غيابه، وهي تعي جيدا ما يقلق والدتها فوضعت نصب عينيها هدفا واحدا ألا وهو الاحتفاظ بالمزرعة فقد كانت تسعى بكل قوتها لتطويرها وزيادة إنتاجها .
كانت الفترة الماضية كفيله بجعل ساره فتاة قويه وناجحة، وقد ساعدها في ذلك بقاء الزبائن على علاقة جيدة معها، ولكن ساره لم تستطع دفع المبالغ المترتبة عليها لعمها في الأوقات المحددة مما حدا بعمها إلى مطالبتها أكثر من مرة بتسليم المزرعة له، وطالبها إن رفضت بزيادة الأجرة السنوية، ولم تكن هذه المرة الأولى التي يطالب فيها جون باسترجاع المزرعة، فقد سبق له وأن طالب جو مرات عديدة .
لم تصدق ساره ما سمعته من عمها، كانت ساره تتوقع أن يمد لها عمها يد العون والمساعدة إذا لزم الأمر خاصة في المحنة التي تمر بها العائلة بعد غياب والدها، حاولت ساره إقناع عمها بالعدول عن مطلبه إلا أنه أصر على ذلك .
بقي الأمر سرا ولم تطلع ساره والدتها على الأمر، فقد تذكرت أنها سمعت عمها من قبل يطالب والدها بذلك وسمعت أصواتهم ارتفعت، ولكنها تذكرت أيضا أن والدها هدد بكشف أمر عمها لزوجته حتى تراجع عن مطالبته، ولكنها لم تعلم ما هو الأمر الذي هدد به والدها حتى تستطيع استخدامه ضد عمها .
قررت ساره محاولة تهديد عمها لعل ذلك يجدي نفعا، فقامت بزيارة عمها في بيته ، كانت تربط ساره بزوجة عمها علاقة حميمة جدا، وكانت جيسي تحب ساره كثيرا وكأنها ابنتها، فطلبت من عمها تخفيض الأجرة لها أمام زوجته قائلة له :
تعلم يا عم بأن والدي كان يعمل أحيانا عند الكثير من الناس ليكسب بعض النقود؛ لتساعده في مصروف العائلة إلى جانب عمله في المزرعة، أما أنا فوحيدة ولا أستطيع العمل، فالمزرعة تأخذ كل وقتي وجهدي وربما لا تكفي للأنفاق علينا، وأنت يا عم في مقام والدي يجب أن تساعدنا حتى يعود أبي .
قال العم : أنت يا ساره فتاة جميلة ورقيقة ويجب أن تبقي في البيت لتحافظي على جمال بشرتك فالأرض بحاجة إلى رجل يعمل بها .
قالت ساره : وكيف سنعيش يا عم ؟
قاطعتهم جيسي وقالت : يا سارة عمك كوالدك كما قلت، وسينفق عليكم حتى عودة أبيك وسيكون ذلك دينا يسدده والدك بعد عودته .
كان جون يحاول مقاطعتها وهو مغتاظ جدا من تدخل زوجته في الأمر .
قال جون صارخا : ماذا تقولين يا جيسي ؟
هل جننت يا امرأة ؟
كيف سأنفق علينا وعليهم وأنت تعلمين أن الوضع صعب و لا يحتمل .
قالت سارة : شكرا لك يا زوجة عمي، أنا لا أقبل يا عم أن أستقبل والدي عند عودته بالديون حتى لو كانت منك أنت، إنني قادرة على العمل والإنفاق على أمي وأخوتي .
قال العم : أنا لم أقصد يا ساره، ولكن يجب على أمك أن تعمل، أمك يا ابنتي لم تحرك ساكنا .
قالت سارة : وماذا تريد من أمي أن تعمل ؟
قال العم : خادمة في البيوت، فستجد الكثيرين يفتحون لها أبوابهم، فأمك جميلة وما زالت شابة .
قالت سارة : لا تكمل يا عم فأنا لا أسمح بذلك أبداً .
احتدم النقاش بينهما وقاطعت زوجة العم الجلسة قائلة :
أرجو المعذرة … سأعد لكم كوبا من الشاي .
قال العم : سمعت أن والد أمك رجل غني جدا، لماذا لا تبحث عنه أمك وتعيشون في قصره .
قالت سارة : اسمع يا عم، لم أرد التحدث أمام زوجتك لأنني أخشى عليك فما زلت أعتبرك كوالدي وسمعتك تهمني بالتأكيد ونحن لسنا بحاجة لأحد حتى لو كان جدي .
قال العم : عن ماذا تريدين أن تتحدثي، فأنا ليس عندي أسرار أخفيها عن أحد .
قالت سارة : لقد أخبرني والدي قبل سفره بكل شيء، وإنْ لم تقبل نصف المبلغ فأنا مضطرة لإبلاغ زوجتك بذلك وأنت وشأنك .
قال العم وجلاً : لا..لا..
أنا كنت أمزح معك يا ابنتي وليبق كل شيء على حاله .
قالت ساره: بل سأدفع لك نصف المبلغ فقط وإلا…
دخلت زوجة العم جيسي وهي تحمل إبريق الشاي وبعض الكعك على صينية من النحاس .
قال العم : كما تريدين يا ابنتي فإن طلبات زوجة عمّك أوامر، وأنا لا أستطيع رد أي طلب لها .
قالت جيسي : هذا من دواعي سروري يا ساره.. الحمد لله أنكم اتفقتم أخيرا .
قالت سارة : شكرا لك يا زوجة عمي ولك أيضا يا عم .
زفت ساره البشرى إلى أمها وأخبرتها بأن عمها كان كريما معها، وقبل بنصف الأجرة وطلب منها الاحتفاظ بالأرض، فرحت الأم كثيرا بذلك وهي غير مصدقة لما يحدث، بقيت الأم تعمل في المنزل وتربي الصغار وبقيت ساره تعمل في المزرعة والأمور على خير وجه .
عاشت الأم على أنغام ذلك الحلم وهي تقنع نفسها بأن زوجها سيعود هذا اليوم، وفي المساء وعندما ينقطع الأمل بعودته تقول لنفسها إذن سيعود غدا وسأنتظره، وهكذا تمر الأيام مسرعة وسارة تتحمل المتاعب في المزرعة بمفردها .
حزن السيد جورج كما حزن كل أهل البلدة على ما حدث لجو، وطلب من أبنائه عدم التعرض لسارة والعمل على مساعدتها كلما استطاعوا ذلك، طلب السيد جورج من زوجته زيارة عائلة جو وتقديم ما تستطيع من مواد تموينية لهم .
زواج عكس التقاليد :
ما حدث لجو غير الكثير في البلدة، فالعداء والخصام بين ستيف وسارة انقلب إلى صداقة وتعاون. نسيت سارة كل ما مضى من ستيف، وأخذ ستيف يساعد ساره في المزرعة باستمرار حتى بدا كأنه شخص أخر تماما بل صديق حميم ومخلص .
كان ستيف منذ البداية وبعدما أصبح شابا مراهقا يحب ساره ويتودد لها إلا أن والدها جو رفض ذلك الشعور وأيدته ساره، وانقلب هذا الحب إلى معاكسات ومضايقات ليبقى على اتصال معها بشكل أو بآخر، وقد آن الأوان ليحيا هذا الشعور وهذا الحب بعد تلك الصدفة التي منحته إياها غرائب القدر، تقبلت ساره هذا الاهتمام وأخذت تبادله ذلك الشعور والتودد وتعمقت بينهم أواصر المحبة يوما بعد يوم حتى انتهى بحكاية حب عذري صادق ذاع صيته في البلدة .
وجدت ساره في ستيف ما يعوضها عن والدها، ويخفف عنها أعباءً جساماً أثقلت كاهلها مدة طويلة، وهي الآن بحاجة لرجل تعتمد عليه وتحتمي به وتستظل بظله فينتهي هذا الشقاء الذي لازمها حتى قبل سفر والدها. كان العيد على الأبواب وكانت الفرحة بانتظار ساره والعائلة .
اتفق ستيف وساره على الزواج، وقرّرا أن يكون يوم العيد موعدا للزفاف حتى تحتفل البلدة كلها بهذا الزواج، أرادت ساره أن يكون يوم زواجها مميزا لم يسبق للبلده أن شاهدت مثله من قبل، واشترطت ساره على ستيف أن يعيش معها في بيتها حتى عودة والدها لتستطيع الاهتمام بوالدتها وإخوتها، كما طلبت منه أن يتعهد أمام العمدة بذلك كونه سيكون وكيلا عنها بدلا من والدها الغائب .
كانت تقاليد البلدة تقضتي أن يجهز العريس بيت الزوجية، وأن تقوم العروس بتجهيز نفسها من ملابس وزينة، طلب العمدة من ستيف أن يقوم بكل تكاليف الزواج خاصة وأنه سيعيش مع ساره في بيتها وسيكون فردا من الأسرة، في اللحظة التي وجد ستيف تجاوبا من ساره طلب من والده الاستقلال والعمل لحسابه حتى يتمكن من الزواج .
طلبت ساره من ستيف أن يشتري لها قماشا أبيض يكفي لعمل ثوبين لها وبعض اللوازم الأخرى، وقامت بالتعاون مع زوجة عمها بتجهيز ثوب الزفاف، وكل ما يلزم لتكون عروسة الموسم بلا منازع.
في يوم العيد ومنذ الصباح كالعادة تمّ تجهيز الساحة الرئيسية بالطاولات وبدأت النسوة بإحضار ما لذ وطاب من الطعام والشراب والحلوى .
عند ظهر يوم العيد تجمع كل أهل القرية في الساحة. كان ستيف في الصف الأول ببدلته السوداء الأنيقة يحيط به أمه وأبوه وإخوته، وكان العمدة ومساعده أمام الساحة بانتظار وصول العروس، الجميع في صمت تام إلا من بعض الهمسات هنا وهناك خاصة بين النساء، أطلت العروس سارة تمسك بيد والدتها وزوجة عمها وهي ترتدي ثوب الزفاف الأبيض المرصع بالأزهار الطبيعية والورود تجره خلفها ببطء، وهي تمشي بكل وقار واحتشام، ويمسك بطرف ثوب الزفاف إخوتها الصغار جورج ونيكسون .
كان الجميع يحدق بدهشه كبيرة في العروس وكأنها تشاهد لأول مرة. زيّن عنق سارة سلسال أبيض جميل بلون الحلق الذي يتدلى برفق وحنان ويعانق أحيانا عنقها الجميل وعلى رأسها إكليل بلون الفستان يعلوه تاج يشع بنور وجهها الجميل والبهي .
كانت ساره تضع مكياجاً خفيفاً وعطراً ساحراً تخالطه رائحة الورود الفواحة، كان جسمها فاتنا كله أنوثة وحيوية وهي تتقدم الصف الأول، أخذت والدة سارة بيد ستيف ووضعتها في يد سارة ووقفت مكانه وما زال الجميع يتأمل ويراقب والهمس من هنا وهناك بإعجاب وفرحة، توجه العروسان نحو المنصة الرئيسية بجانب العمدة .
تقدم العمدة قليلا إلى الأمام وقال مخاطبا الجمهور :
سيداتي… وسادتي ،،
نحتفل اليوم بمناسبتين عزيزتين علينا جميعا ..
الأولى هي العيد السعيد الذي يجلب معه لنا كل عام الخير والسعادة للجميع، والثانية الاحتفال بهذا الزواج المقدس والمبارك والمميز الذي يختلف عن كل الأعراس السابقة والذي يجمع بين الآنسة الفاتنه سارة والشاب المكافح ستيف .
منذ أن أحب ستيف عروسه سارة أصبح شابا نشيطا وعمليا بعد أن كان مشاكسا وكثير المتاعب. ضحك الجميع وهم يتبادلون النظرات. تابع العمدة :
لقد وقف ستيف إلى جانب عائلة جو موقفا مشرفا وكريما يشكر عليه.
صفق الجميع بحرارة وهم يهتفون .
التفت العمدة نحو الأب يوحنا، وقال له :
تفضل يا أبتِ لتبارك هذا الزواج وتعطيه شرعيته .
تقدم الأب يوحنا إلى المنصة، ووقف أمام العروسين وقال للحضور:
من المفروض أن يتم عقد القران في الكنيسة ولكن في مثل هذه الظروف التي تنبع من طابع البلدة خاص فإنني سأعقد قران العروسين هنا. صفق الجميع مرة أخرى، وقال الأب يوحنا :
آنسه سارة .
هل تقبلين ستيف زوجا لك تحترمينه وتقدرينه في السراء والضراء وإلى الأبد .
قالت ساره : نعم يا أبتِ أقبل به زوجا .
قال الأب : سيد ستيف ..
هل تقبل بسارة زوجة لك تحترمها وتقدرها في السراء والضراء وإلى الأبد .
قال ستيف : نعم يا أبتِ أقبل .
قال الأب : إذن أعلنكما زوجاً وزوجة وأبارك لكم، وبالسعادة والهناء .
تعالت الأصوات بالهتاف بالفرحة والسعادة وأخذ الجميع يقذفون العروسين بالأزهار والورود وهم يباركون لهما، ثم بدأ الرقص والغناء .
وقف مساعد العمدة وقال :
أيتها السيدات ..أيها السادة ،،
لقد حان الآن موعد إلقاء التحية على العمدة و العروسين، فلنقف كما تعودنا ولنبدأ مراسم التهنئة. بعد الانتهاء من المراسم أخذ الحضور في تناول الطعام والشراب ثم عادوا للرقص والغناء، ثم أنهى العمدة الاحتفال قائلا :
أهنئكم جميعا بهذا العيد المبارك. حقا لقد أسعدنا هذا العرس الرائع والجميل وأمضينا وقتا فريدا، علينا الآن العودة قبل حلول الظلام. ثم التفت الى زوجة جو وقال لها:
أرجو يا سيدتي أن تقبلي دعوتي الإقامة عندنا، فأنا وزوجتي سنكون سعيدين باستضافتكم لمدة أسبوع كامل، ولنترك المنزل للعروسين ليرتاحا فيه بعض الوقت .
شكرت زوجة جو العمدة على كرمه ورعايته واهتمامه بعائلتها، وتقدمت نحو العروسين وباركت لهما ودعت لهما بالسعادة .
استطاع ستيف أن يعوض سارة والعائلة عن جو وأخذ يعمل في المزرعة وحده بكل نشاط وحيوية، وأضفى على البيت والأسرة جوا رائعا من المحبة والبهجة، وأخذ يهتم بالصغار وألحقهما بمدرسة البلدة التي أسستها زوجة العمدة قبل سنة .
أخذ ستيف على عاتقه العناية بعائلة جو، وكان يقوم بأعمال تطوعية وخيرية تحت إشراف البلدية، وحذا ستيف حذو جو في حب الآخرين ومساعدتهم وأكسبه ذلك حب الجميع في البلدة، هكذا أرادت ليزا وابنتها سارة لستيف أن يكون .
كانت زوجة جو على ثقة بعودته يوما ما ولذلك ومنذ اليوم الأول أخذت تخيط لنفسها ثوبا خاصا لترتديه يوم عودته واحتفظت به في خزانتها وكانت كل يوم تتأمله وتقلبه كثيرا وتحاول أن تضعه على نفسها وتنظر في المرآة وتبتسم وتعود بذاكرتها إلى الوراء أيام الصبا والشباب .
بتوسع البلدة وزيادة عدد سكانها كثرت المحلات التجارية والخدمية، وتم توسيع الشوارع وتنظيم البلدة وبتاء المدارس وتعبيد الشوارع وإنارتها وأقيم مركزٌ صحيٌ ومخفرٌ للشرطة، كان العمدة قد أوصى لجنة من المهندسين بإعداد دراسة كاملة للبلدة ورسم الخرائط وفرز الأراضي وتنظيم أوراق رسمية بها وأعطى كل واحد ورقه تثبت ملكيته لأرضه .
أقام العمدة منتزهاً كبيراً ليكون مكانا يستجم به الناس بعيداً عن العمل والمنزل ويكون مصدراً لجلب السياح من كل البلاد، وأرسل عددا من الشباب برفقة مساعده كوفي إلى العاصمة ليتدربوا في بلديتها على كل الأعمال اللازمة حتى يقوموا عند عودتهم بتنظيم أمور البلدية.
عاد مساعد العمدة والشباب المرافقين له من العاصمة، كان العمدة مريضا جدا فلزم الفراش، وأوصى الأطباء العمدة بالراحة التامة وعدم إشغال نفسه بأمور البلدة وغيرها. استلم كوفي مهام العمدة وأشرف على إدارتها وتنظيم العمل فيها حسب الأصول .