مدينة برانس 1805م
وصلت العربة أخيرا وحاول النزول قبل أن تقف العربة تماما، وعندما نزل منها أخذ يراقب الناس المتواجدين هناك، فهو لا يعرف كيف سيتعرف على صديقة ليزا من بين كل الفتيات الموجودات هناك ، وكانت المفاجأة غير طبيعية هذه المرة .
إنها ليزا مع بعض الأصدقاء في الانتظار، وكانت الفرحة عظيمة وهو يشاهد تلك الابتسامة من جديد وتعرف على أصدقائها واصطحبته في الحال إلى الكنيسة ، كان كل شيء معد وجاهز وتم عقد القران وتوجه الجميع نحو المنزل الجديد .
في المنزل المتواضع الذي استأجرته ليزا كان ثمة أصدقاء كثر ينتظرون داخل البيت وقد أعدوا مفاجأة كبيرة و أقيمت حفلة صغيرة ومتواضعة استمرت حتى منتصف الليل .
جو يتمتم ـ أنا في الجنة , لقد عوضني الله عن عائلتي بليزا , إنها أعظم إنسانة في العالم , ماذا أريد أكثر من ذلك لقد حقق الله لي أكثر من ما طلبت وتمنيت , يجب علي أن أخدمها بكل ما أستطيع , يجب أن أجعلها لا تندم على زواجها مني أبدا .. أبدا .
أصبحت ليزا زوجة شرعية لجو وشعر جو بأنه يعيش في الجنة ، بيت جديد وزوجة رائعة وأصدقاء يحترمونه , ولم يكن يحلم يوما أن يعيش كما يعيش الآن فكان يحسد نفسه وهو يبذل كل ما يستطيع من أجل ليزا التي وهبته نفسها وضحت بكل أهلها وثروتهم من أجله .
لقد غادرت ليزا بيت والديها دون سابق إنذار، وتركت لهما رسالة تقول فيها إنها ستغادر البلدة إلى المجهول بعيدا عن عيونه وعيون أعوانه ، كان لدى ليزا المال ولكنه كان محدوداً وكان عليها أن تعمل جنباً إلى جنب مع زوجها جو في مصنع للنسيج ، بدأت حياة الزوجين بالتعاون في البيت والعمل . وكان جو في منتهى السعادة مع ليزا التي كانت أكثر سعادة منه وهي تجده يعمل من أجلها بكل حنان وحب .
أما والد ليزا فقد جن جنونه عندما وجد رسالة ابنته الوحيدة تخبره فيها بأنها ستغادر البلدة إلى مكان مجهول، فاعتقد والدها بأنها عادت إلى بلدة (جيرسي) حيث يسكن جو فأرسل خلفها أحد أصدقائه ليعيدها إلى بيتها ولكنه أرسل عيونه خلفها في كل مكان في بلدة (برانس) أيضاً , وعندما علم بأن جو غير موجود في بلدة (جيرسي) وأنه سافر إلى جهة غير معلومة زاد قلقه وخوفه على ابنته فوظف متحرياً خاصاً ليقوم بالبحث عنها وطلب إليه أن يقتل جو إذا ما كانت ليزا معه .
كانت مولي صديقة عزيزة لليزا , وكانت على علاقة وثيقة بليلى التي تعمل في مكتب والد ليزا وكانت مولي تبعث بأخبار والد ليزا أولاً بأول إلى ابنته ليزا عن طريق فتاة تعمل مع ليزا في المصنع وتدعى ماري فكانت تلك الخلية من الفتيات موفقة إلى حد كبير في عملها حيث استطاعت ليزا أن تبتعد عن عيون والدها طيلة تلك الفترة .
كانت ليزا تعلم جيداً بأن والدها عنيد جداً وسيواصل البحث عنها حتى يجدها . وهي على ثقة تامة بأن والدها سيجبرها على الرجوع إليه ويطلقها من جو إذا ما عثر عليهما حتى لو أدى ذلك إلى قتله ، لم تندم ليزا يوماً على اختيارها جو شريك حياتها ، فقد كان يعاملها كسيدة حقيقية ويعتبر نفسه مجرد خادم أمين لها يحرص على راحتها وسعادتها .
بالرغم من سعادة جو وليزا إلا أن تلك السعادة كانت ناقصة فكانا يعيشان في سجن اختياري ولم تتسنّ لهما حرية الحركة، وهذا ما لم تعتده ليزا في حياتها فقررت الرحيل وإختارت العودة إلى بلدة (موندا) حيث مسقط رأس والدتها وأول مدينة رأت النور فيها وترعرعت بين أحضانها .
لقد بعثت ليزا برسالة إلى سيليفيا إحدى صديقاتها هناك وطلبت منها البحث عن منزل مناسب وعمل لها ولزوجها وعندما جاء الرد غادرت ليزا وزوجها بعدما تخفيّا في زي شرقي حتى لا يشك بهما أحد من عيون والدها المنتشرة هنا وهناك .
مدينة موندا 1810م
في مدينة (موندا) وجدت ليزا نفسها مع زوجها وعاشت أحلى أيام عمرها ، وأنجبت طفلتها الأولى وأسمتها سارة ، كانت ليزا على اتصال دائم بصديقتها مولي، لكن الرسالة الأخيرة التي وصلتها من مولي تحمل أخباراً غير سارة فقد علمت أن والدها أوصى بجميع أمواله لجمعيات خيرية وحرم ابنته الوحيدة لأنها خرجت عن طوعه وإرادته .
لم تكترث ليزا لذلك الخبر لأنها تعيش حياتها بكل معانيها مع الرجل الذي أحبته ووجدت فيه ما لم تجده في الآخرين، وبعد خمس سنوات رزقت ليزا بغلام أسمته جورج وبعد سنة أخرى رزقت بغلام آخر أسمته نكسون وما زالت السعادة ترفرف على الزوجين .
لأول مرة يدخل جو المقهى ويجلس على طاولة بالقرب من الباب، على الطاولة المقابلة يجلس روبرت وزوجته هيلاري وصديقتهم ساندي , يدخل المقهى كوفي صديق العائله وينضم لهم .
قال روبرت : أهلا بك كوفي , كيف حالك؟
قال كوفي : بخير .
قال روبرت : أعرفك على ساندي صديقة هيلاري .
قال كوفي مرحبا بك ساندي , كيف حالك , أنت جميلة حقا .
قالت ساندي : أهلا بك كوفي , أنا بخير , شكرا لك .
قالت هيلاري : ساندي تشبهك تماما كوفي فهي من محبي الطبيعة والحيوانات والغابات .
قال كوفي : حقا ساندي , هذا يدل على أنك تتمتعين بحس مرهف وجمال روحي .
قالت ساندي : شكرا لك , يبدو أنك شاعر أيضا .
قال كوفي : أقترح عليكم أن نذهب في رحلة للصيد , فأنا أعرف مكانا رائعا على بعد أيام من هنا , غابة كثيفة الأشجار وكثيرة الطيور والحيوانات .
قال روبرت : أنا أقترح عليكم شهر عسل في الغابة الجميلة .
قالت هيلاري : سيكون شهر عسل ممتع ورائع , ما رأيك ساندي .
قالت ساندي : يبدو أن كوفي لا تعجبه الفكرة .
قال كوفي : هذا يعني أنك موافقه .
روبرت : لنشرب نخبكما إذا .
قالت هيلاري : سأكون وصيفتك ساندي وسأجعل عرسكما مميزا وجميلا .
شاهد كوفي جو يسترق النظر إليهما وهو يجلس وحيدا , طلب من جو الإنضمام لهما ومشاركتهما فرحتهما وتعرف جو على الجميع ودعاه كوفي لحضور حفل زواجهما .
الهروب إلى المجهول
لقد انقطعت كل الإتصالات والأخبار بين جو وأخيه جون وأخته جوليت , ولم تعد ليزا تعلم شيئاً عن أخبار والدها بعدما غادرت صديقتها مولي البلدة كانت السنوات العشر التي عاشتها ليزا مع جو بمثابة شهر عسل قصير ما لبث أن عكرته غمامات سوداء لاحت في الأفق .
لقد بدأت الحرب الأهلية تنسج خيوطها السوداء في كل مكان وأخذ الناس يهربون طلباً للأمن , لكن جو وليزا فضّلا البقاء في المدينة إلا أن قساوة الحرب التي اشتد سعيرها أجبرتهما على شد الرحال إلى المجهول كغيرهم من الناس , ولكنهما كانا وحيدين لا يعرفان إلى أين يسيران وترك العنان لجواده يقوده حيث شاء إلى أن قدر لهما الالتقاء بالسيد نورمان .
وذلك بعد ثلاثة أيام من الوحدة والمعاناة والخوف الذي ألمّ بجو وعائلته ، إلتقى بالسيد نورمان وعائلته على مفترق طرق ليؤدي في النهاية إلى المنطقة (نيوفلج) المجهولة بالنسبة لهم ، كان السيد نورمان يستقل مع عائلته عربة رائعة وخلفهما عربتان أخريان تحملان أثاث منزله وبرفقته مساعده آندي .
رحب السيد نورمان بجو ودعاه إلى مرافقته إلى حيث شاء الله لهما أن يصلا ، كان ذلك من دواعي سرور جو وعائلته، فقد شعر بالأمن والاطمئنان مع نورمان ، وكان جو كعادته خدوماً مخلصاً للآخرين . فيما كان نورمان رجلاً بشوشاً ، وحليماً ، وكريماً ، وكان السيد نورمان يستمع باهتمام إلى حديث جو الذي كان يحبُّ الحديث عن نفسه ورحلة حياته الشاقة التي كان يسردها على أسماعه كلما حطّا رحالهما للاستراحة من عناء السفر .
خلال الأيام القليلة التي رافق جو فيها السيد نورمان عرف أنه إنسان بسيط جداً ورجل غير عادي ، ولكنه توقع له رحلة صعبة في هذه الحياة ، ولذلك قررّ مساعدته في ظل ظروف الحرب ، لئلا يتعرض إلى المجاعة أو التهديد من الآخرين مكافأة له على إخلاصه وتواضعه .
واصلت القافلة مسيرها حتى وصلت مساء أحد الأيام إلى قرية نيوفلج حديثة العهد والتي تكونت بعد الحرب الأهلية مباشرة . كانت بداية تكوين القرية التي كانت قبل شهور فقط غابة تسرح فيها الحيوانات وتمرح إلى أن جاء إليها العروسان كوفي وساندي برفقة الأصدقاء لقضاء أغرب شهر عسل في ذلك الزمان ......بدأت الحكاية بالصدفة المحضة في مقهى بمدينة برانس عندما التقى كوفي وروربرت .....
شهر عسل في الغابة 1805م
من مدينة برانس
كانت العربة جميلة بجمال العروسين، فقد كانت مزينة بأجمل الورود الزاهية الألوان وهي تنساب برفق خلف اثنين من الخيول البيضاء .
كان ذلك في بداية القرن التاسع عشر، العربة تقترب من الساحة التي ستشهد الاحتفال الكبير بالعروسين الشابين حيث الأهل والأصدقاء، وجمع غفير من المدعوين، والمتطفلين، وعشاق الغناء، والطرب، وفرقة موسيقية لإحياء تلك الليلة .
ظهر كوفي ببدلته السوداء ، وعن يمينه عروسه الجميلة ساندي، بفستانها الأبيض الرائع، وكانت ترتسم على شفاههما ابتسامة عريضة، وتبدو في وجهيهما فرحة غامرة بعد أن تم عقد قرانهما في الكنيسة .
توقفت العربة أمام الحشد الكبير ، وترجل العروسان منها وكان في الاستقبال روبرت وزوجته هيلاري ، روبرت من أعز أصدقاء العروسين بل هو الذي جمع بينهما بهذا الزواج، وهو عريف الحفل، والمشرف عليه مع زوجته صديقة ساندي العزيزة .
تعالت الأصوات بالفرح والسرور، وبدأت الموسيقى تصدح بصوت عذب يملأ المكان، فيما توسط العروسان جمع الحضور الذين راحوا يرقصون ويغنون، واستمر الاحتفال حتى منتصف الليل تخلله عشاء وشراب، ثم غادر العروسان إلى بيت الزوجية وسط هتافات المحبين .
كان كوفي ينتمي لعائلة ثرية جعلت تحت تصرفه كل ما يريده ويتمناه، وكان والده يهتم به كثيراّ فلا يمنع عنه أي شيء يطلبه ولا يردعه عن فعل يقدم عليه .
الطبيعة بجمالها وسحرها ومناظرها الخلابة وحيواناتها البرية المختلفة وتغريد الطيور وزقزقتها كل ذلك كان يستأثر باهتمام كوفي منذ صغره ، ولماّ بلغ ريعان الشباب التقى ذات يوم بساندي برفقة صديقه الوفي روبرت وزوجته حيث تعرف إليها ورآها فتاة غاية في الرقة والجمال ، كانت طويلة القامه رشيقة جميله بشكل ملحوظ وكانت عيناها سوداوين لامعتين عامرتين بالحنان وذات شفتين مشرقتين وخدين موردين. ولما عرف كوفي أن لديها الاهتمام ذاته سعى الاثنان لجعل الحلم حقيقة وقررا الزواج .
كان شهر العسل الذي خطط له العروسان غريباً، ومثيراً، وجميلاً، كان رحلة إلى عالم الأدغال حيث الطبيعة بجمالها كما خلقها الله سبحانه، حيث وجّه كوفي الدعوة إلى خمسة أصدقاء متزوجين وكان روبرت بطبيعة الحال من بينهم.
زوّدهم كوفي بكل ما يحتاجونه في رحلتهم من الخيول، والعربات، والطعام، والشراب، وكذلك السلاح
وفي الصباح الباكر من يوم الأحد ، غادرت القافلة المدينة نحو الشرق، وبعد ثلاثة أيام من السير توقف الأصدقاء في وسط الغابة عندما شاهدوا نبع ماء ينساب من حيث تمتد الغابة الكثيفة الأشجار وحيث الطيور تصدح بأعذب السمفونيات مع حفيف الأشجار وخرير المياه .
كانت أشجار الصنوبر العاليه تعانق السماء وأشجار السرو الداكنه اللون وكذلك أشجار الخروب والسنديان كانت تزين الغابه بعشوائية ما يوحي للناظر بالعظمةِ والجمال وكان ثمةَ أشجار متناثرة صغيرة هنا وهناك وكانت الأشجار عند مجرى النهر الصغير قليلة الكثافة فيها متسعٌ من المساحةِ لبناء كوخٍ من أغصان الأشجار الميتةِ واليابسةِ وكانت المياه صافيةً عذبةً تنطلق رشيقة زرقاء وفي قاع النهر كانت الحصى بيضاء لامعة تعكس أشعةَ الشمسِ الوهاجة وكانت أوراق الأشجار المتساقطه المتراكمه منذ زمن أشبه ما تكون بسجاد يفرش الأرض، وفي البعد في قلب الغابةِ كان النهر أكبر وأعمق وكانت ثمةَ أسماك تعيش فيه وفي جوف الغابةِ كانت الأرانب والماعز البريةَ وغيرها تعيش بأمانٍ، وكانت الغابةُ لا تخلو من الثعالبِ والذئاب .
قرر كوفي وأصدقاؤه إقامة مخيمهم بالقرب من بركة ماء صافية عذبة المياه تتوسط جدول الماء القادم من أعلى الغابة ليتعرج في أحشائها حتى نهايتها، وكانت رحلة العمر لكوفي وزوجته بل للأصدقاء جميعاً ، واعتبرت بداية حياة سعيدة وطويلة كما ظن العروسان، ولذلك كان كوفي يخطط لإقامة طويلة وربما دائمة بعدما عشق الاثنان حياة الغابة على طبيعتها .
اقترح كوفي إقامة منزل من الأخشاب، ووجدها الأصدقاء فكرة جيدة، وقد اعتاد الجميع ، ومنذ اليوم الأول مغادرة المخيم، والتجوال في الغابة للتعرف على أسرارها، ولصيد ما يحتاجونه من حيواناتها لأغراض الطعام.
أخذ الأصدقاء بقطع بعض الأشجار الهرمة والمريضة، ثمّ تنظيفها وقصها بأطوال مختلفة حسب الحاجة ، ثم غرسوا بعضها في الأرض ، وشدّوا الأخرى مع بعضها البعض فوق الدعائم الأرضية، ليكون المنزل مرتفعاً عن الأرض وبعيداً عن خطر الحيوانات بأنواعها، ثم ركّبوا سلّماً خشبيّاً يتدلىّ من المنزل إلى الأرض ويسهل رفعه عند الغروب، أو مغادرة المكان فكان منزلاً جميلاً وعملاً رائعاً ثم أحاطوه بسياج خشبي مما تبقى من الأغصان الصغيرة .
لم يكن أحد من الأصدقاء أكثر ابتهاجاً وسعادةً من ساندي بذلك المنزل الجميل، وكأنه بيت العمر، وأمضى الجميع شهراً كاملاً من المتعة والإثارة، ثمّ قرر روبرت وأصدقاؤه العودة إلى المدينة وكان ذلك بمثابة صدمة قوية لكوفي وزوجته، لأنهما قررا البقاء في الغابة .
وعد روبرت وهيلاري بالعودة لزيارتهم في أقرب وقت ممكن ليزودوهما بما يحتاجانه من أغراض إلا أنّ سحابة سوداء قاتمة خيمت على سماء كوفي وزوجته بعد قرار الأصدقاء الرحيل، وفي الصباح الباكر غادر الأصدقاء المخيم وتركوا خلفهم حزناً عميقاً وألماً كبيراً، وكان ذلك اليوم صعباً بل من أصعب الأيام التي مرّت بهما طيلة حياتهما حتى أن اليأس والتشاؤم ظهر على ساندي بعدما أصبحا وحيدين في تلك المنطقة المهجورة والبعيدة .
بعدما لاحظ كوفي ذلك الوجه الحزين خشي أن تضعف ساندي، وتقرر اللحاق بالأصدقاء ، فحمل سلاحه ورفع السلم وانطلق ممسكاً بيد ساندي عبر الغابة مبتعداً عن المخيم وأخذ يغنيّ وينشد بصوت مرتفع ليبعد شبح الخوف عنه أولاً وعن ساندي ثانياً وما هي إلا لحظات حتى أخذت ساندي تشاركه الغناء .
كان الزوجان يمضيان يومهما في الصيد، والتعرف على أماكن جديدة من الغابة المحيطة بهما وفي المساء وبعد تناول العشاء يعكفان في منزلهما يتبادلان الحديث ويكتبان مغامراتهما اليومية، وهكذا أمضى الزوجان مدّة قاسية بعض الشيء نظرا لعدم وجود أناس يختلطون بهم في الغابة، كان كوفي يأمل أن يعود صديقه روبرت لزيارته ، كما وعده إلاّ أن الأيام تمضي وكأن صديقه نسي أو تناسى ذلك الوعد الذي يعيش على أنغامه كوفي وزوجته .
مساء أحد الأيام ، ولدى عودة كوفي وزوجته إلى المنزل شاهدا حصاناً أمام منزلهما ، وعربة في زاوية الحديقة ، فنظر إلى ساندي وقال لها :
انظري، لا بد أنه حصان روبرت وتلك عربته أليس كذلك ؟
قالت ساندي : نعم ، إنه هو بالتأكيد .
أسرع الاثنان نحو المنزل، ولكن بحذر شديد خشية ألاّ يكون روبرت من في المنزل ، وعندما وصلا إلى بوابة السياج المحيط بالمنزل صاح كوفي وبندقيته موجهّة إلى حيث الباب :
مَنْ هناك؟ مَنْ في المنزل ؟
كان كوفي ينظر إلى باب المنزل ، وكانت ساندي تختفي خلف العربة ، وإذا بالباب يفتح وروبرت وزوجته هيلاري يخرجان مبتسمين فرحين ، فصاح كوفي مخاطباً ساندي :
إنهما روبرت وهيلاري ……
تعانق الاثنان وتعانقت الاثنتان وغمرت كوفي وساندي فرحة لم يسبق لها مثيل ، وكأنهما لم يفترقا إلا للحظات قليلة .
أحضر روبرت معه أشياء كثيرة، خاصة الذخيرة التي يحتاجها الجميع للصيد والحماية، لقد تذكر روبرت وهيلاري تلك الأيام الرائعة في أحضان الطبيعة، لذا قررّا العيش فترة طويلة من الزمن إلى جانب كوفي وساندي.
كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن خلافات حادة بين كبار المسؤولين في البلاد حتى عجز الجميع عن إيجاد حل وسط يرضي كافة الأطراف، بل وأعطى بعضهم الضوء الأخضر لأتباعهم بإطلاق النار، لإرهاب الآخرين وحملهم على الرضوخ لمطالبهم وشروطهم .
لم يستطع أحد إيقاف فوهات البنادق، ولا حتى السيطرة على الشعب وأفراد الجيش الموالي لهذا الطرف أو ذاك مما أدى إلى اشتعال النيران في كل مكان , فأصبحت شيئاً فشيئاً حرباً شاملة ومريرة في طول البلاد وعرضها حيث كل طرف يحاول جاهداً إثبات وجوده وإسماع صوته وتحقيق طموحاته على جثث أتباعه وأشلائهم الممزقة في كل الميادين .