عرض مشاركة واحدة
قديم 09-08-2011, 12:06 PM   رقم المشاركة : 2
نبع فضي
 
الصورة الرمزية رياض محمد سليم حلايقه





  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة :رياض محمد سليم حلايقه غير متواجد حالياً
اخر مواضيعي
قـائـمـة الأوسـمـة
افتراضي رواية رجل من الماضي/ رياض حلايقه ( 2 )

مدينة جيرسي 1799م
وصلت العربة إلى المحطة في بلدة (جيرسي) وكان جمع من الناس ينتظرون , وجو ما زال قلقاً وهو يترك العربة بحذر وخوف إلى عالم جديد وعيناه ترقب الناس أمامه تبحث عن ديفيد بينهم، ولكنه لم يشاهد إلا أيدي تلوح من بعد في آخر الزحمة حيث توجه نحوها وهو يخترق ذلك الجمع حتى وصل إلى خارج حشود الناس التي التقت بعضها ببعض من قادمين ومستقبلين وجو يأمل أن يكون مثلهم وأن يلتقي بديفيد كما التقى الناس بعضهم .
ولكنه لم يعثر عليه كما كان يتوقع فأخذ يبحث ويراقب ويزداد حزناً وهو يفكر:
إلى أين سيذهب ؟
وأين سيقضي ليلته ؟
وكيف سيبحث عن منزل صديقه ؟
جلس على الأرض واتكأ مهموماً على الحائط , أين أنت ديفيد بحق السماء ؟
وفجأة تذكر رسالة صديقه فأخرجها من جيبه ثم توجه إلى أحدهم وطلب منه أن يدله على عنوان ديفيد المكتوب داخل الرسالة .
كان الرجل يقرأ في الرسالة وجو يتأمله ويأمل أن يأخذ بيده إلى منزل صديقه وإذا بصوت قادم من بعيد يصرخ …. جو أنا هنا ….
جو أنا هنا ….
التفت جو إلى حيث الصوت وإذا بصديقه ديفيد يأتي مسرعاً وهو يبتسم ….
نسي جو الرسالة مع الرجل وأخذ يركض مسرعاً نحو صديقه حتى إذا ما التقيا تعانقا طويلاً وجو يبكي فرحاً من سعادته , عزيزي ديفيد خشيت أن لا تحضر , كنت خائفا .
قال ديفيد : أرجو المعذرة جو , كنت في المدرسة , أنا سعيد بوجودك معي جو .
قال جو : لا تعلم كم هي سعادتي , أنت ... أنت ديفيد مثلي الأعلى , أنت الصديق الوفي , أنت أكثر من أخ ’ وجود معك يشعرني بإنسانيتي , أنت الوحيد الذي يحترمني .
ثم عاد إلى الرجل وأخذ منه الرسالة بعدما شكره .
غادرا المحطة إلى منزل ديفيد وسط البلدة وهناك وفي الطابق الأرضي ( التسوية ) كانت مفاجأة سارة بانتظار جو … غرفة واسعة بها كل ما يحتاجه…حتى أنّه وجد فيها ما لم يجده في بيت والده ، فكانت غرفه جميلة ومريحة لها مدخل مستقل من الجهة الغربية….
كانت الغرفة تحوي كرسيين من الخشب وطاولةً صغيره، عليها بعض الصحف والمجلات، وسريرٌ من الحديد يعلوه فرشةً قطنيةً ذات قماشٍ بلون السماء ومخدة من النوعِ ذاته وبطانية ذات ملمس ناعم، مغطاة بشرشفٍ أخضر اللون وكان ثمةً أواني مطبخ تنتشر في الركن المقابل للسرير وإبريق ماءٍ من الزجاج وكاس لشرب الماء .
سهر الصديقان بعض الوقت وأدرك ديفيد بأن جو بالرغم من فرحته إلا أنه مرهقٌ للغايه, وعيناه ذابلتان شبه مطبقتين , فتركه لينام وأغلق الباب خلفه .
غط جو في نومٍ عميق ولم يفق إلا صباحاً، نظر من النافذةِ إلى الشمس وهي بالكاد قد بانت وبدأ قرصها الذهبي يوزع شعاعه في كلِ مكان وتأمل الأشجار في الحديقةِ ثم استعد لحضور ديفد لينطلق به إلى عمله الجديد .
كانت تلك الليلة من أجمل الليالي التي عاشها جو مع صديقه الوفي حتى أنه نسي أو تناسى والديه وإخوته وأنانية جون .
في الصباح اصطحب ديفيد صديقه جو وهو في طريقه إلى المدرسة وسلمه عمله الجديد كموزع للجرائد في أحياء بلدة (جيرسي) كان الأمر يبدو سهلا للوهلة الأولى إلا أن جو واجه يوما شاقا، فقد كانت تعترضه بعض المتاعب من الصبية والعابثين …
وكان الناس غرباء عنه كما هو الحال مع الأحياء والشوارع التي لم يسبق له أن تعرف عليها، أمضى جو يومه بمشقة كبيرة إلا أنه باع كل ما لديه من جرائد .
هكذا تعود جو على تلك الحياة، ويوما فيوما استطاع التأقلم، وبالرغم من تلك الحياة الصعبة التي كان يعيشها بين أحضان عائلته وبالرغم من أن السفر والعمل بعيدا عن أسرته كان حلما له وقد تحقق ،إلا انه شعر بالغربة والوحشة بل وافتقد تلك الأمسيات الحزينة والمؤلمة معهم وذلك لأنه في بلدة (جيرسي) يقبع وحيدا معظم أوقاته بانشغال ديفيد عنه في مدرسته ودراسته في البيت إلا من بعض اللحظات القليلة التي يعرج فيها ديفيد عليه كل مساء .
أيام وأسابيع مضت تعرف فيها جو على كل أحياء البلدة بل تعرف على معظم الناس فيها خاصة في الشارع الذي يسكن فيه والمحلات التي يتردد عليها أو يتجول أمامها، و وجد بعض الأصدقاء وكان سعيدا بهم ، كان جو يتسامح مع الجميع . وفي كل مرة يتعرض فيها إلى الإهانة من البعض كان يضع اللوم على نفسه ويعتبر نفسه مقصرا مع الآخرين .
كان الأجر الذي يحصل عليه جو جيدا إذا ما قورن بما كان يحصل عليه في بلدة (هدسن) بل كان أكثر من الأجر الذي كان يتقاضاه والده ذو الخبرة الطويلة ، كان جو يرسل كل ما يزيد عن حاجته إلى والده وكان يرسل لهم أخباره أولاً بأول عن طريق صديقه ديفيد .
كان أصدقاء جو الذين تعرف عليهم أخيرا قليلين وكانوا لا يلتقون إلا في النهار عن طريق العمل فقط ولم يكن ليزوره أحد في منزل ديفيد خوفا من إزعاجهم ، أحب جو عمله كثيرا وأحب بلدة (جيرسي) أيضا وكان مثاله الأعلى في هذه الحياة هو ديفيد الذي لم يبخل عليه بشيء حتى أنه أخذ يعلمه الكتابة والقراءة، إلا أنه أصبح وحيدا بعدما تفاجأ بأن ديفيد سيرحل لأن والده سيرسله إلى مدرسه داخليه في بلدة بعيدة مما زاد في عزلته وانطوائه .
كان جو يمضي أوقاته في المنزل بعد العمل في مطالعة الجرائد وكان سعيدا بذلك لأنه تعرف على أخبار العالم من حوله للمرة الأولى في حياته وإن كانت بصعوبة وبطء شديدين .
ذات يوم بينما كان جو عائدا من العمل إلى المنزل، كانت هناك برقيه في انتظاره تخبره فيها أنّ عليه العودة الى بلده (هدسن) سريعا، لقد رحل والده عن هذه الدنيا تاركا خلفه مسؤوليات جسام ستلقى بالتأكيد على كاهل جو وحده، فجون ما زال صغيرا وطالبا في المدرسة وأمه تعاني من مشاكل صحية كثيرة، أما أخته جوليت فكانت العائلة تستعد لحفل زفافها من ابن صديق العائلة لولا وفاة والدها المفاجىء .
غادر جو البلدة عائدا إلى مسقط رأسه وهو يحمل هموما كبيرة، وتم استقباله بحرارة بالغة من أمه وأخته والجيران والأصدقاء ، ولكن والده كان قد دفن قبل وصوله بلحظات .
تقبل جو العزاء في والده من جموع الناس وبعد الغياب الطويل عن العائلة ، وبعدما أصبح المموّل الوحيد لها ، ظن أنّه اصبح السيد في البيت وأن له الاحترام والتقدير من الجميع ، ولكنه اصطدم بوالدته المريضة التي ما زالت تعتبره ذلك الصبي الساذج والأهوج ، وأن جون ما زال محط إعجابها واهتمامها وحبها مما حدا بجو إلى التفكير في العودة إلى بلدة (جيرسي) سريعا لولا إصرار والدته أن يبقى حتى تزف أخته إلى عريسها بعد أيام قليلة تنفيذا لرغبه الأب قبل وفاته .
كان جو يتأمل والدته المريضة ويتمتم ـ أنت تؤذيني أمي كثيرا , أنت تدمري حبي لك , لماذا ...لماذا بعد كل هذا الغياب لا تقدري ما أفعله من أجلكم ؟
أنا أعيش وأشقى لكم , كل ما لدي أقدمه لكم , لماذا ما زلت تتجاهليني ؟
ماذا أفعل لتعتبريني إبنك الأكبر الذي يسعى على خدمتكم ؟
كان جو حزينا طيلة فترة وجوده في بلده (هدسن) وبعد أن تم زفاف أخته ودع جو والدته وأخبرها بأنه سيبقى يتذكرهم جميعا وأنه سيرسل لهم المال وكأنّ شيئا لم يتغير ضم أمه إلى صدره بحنان وحب وحاول كذلك مع أخيه جون المتعجرف الذي تراجع قليلا وبالكاد وضع يده في يده وغادر البلدة يقطر قلبه ألما وحزنا .
في بلدة (جيرسي) كان جو يشتري كل ما يحتاجه من بقالة بالجوار، وكان يتردد عليها يومين كل أسبوع ، ما زال جو وحيدا دون أصدقاء ولكنه كان يعرف كل زبائن المحل ، في الفترة الأخيرة رأى جو فتاة تتردد على المحل لأول مرة ولم يسبق له أن شاهدها من قبل .
كانت الفتاة تحمل أغراضا كثيرة بالكاد تستطيع حملها .
قال ديفيد : يا لك من فتاة رائعة , أنت لست من هذه البلدة ؟
هذه أول مرة أشاهدك فيها , بالتأكيد أنت بحاجة لمساعدة .
فتقدم جو واستأذنها في حمل بعض أغراضها عنها، رحبت الفتاة بالعرض ورافقها إلى منزلها ، إنه قريب من منزله، وعندما وصل إلى المنزل وضع ما معه من أغراض ثم عاد أدراجه إلى المحل ، شكرت الفتاة جو على مساعدته بابتسامة رقيقة ، كانت تلك الابتسامة أفضل أجر يحصل عليه طيلة حياته، فقد وجد فيها البلسم الذي سيداوي به همومه وجراحه.
قال جو وهو يودع الفتاة :
الحياة تبتسم لي من جديد , هذه الفتاة تحمل قلبا من ذهب , أتمنى أن نلتقي من جديد .
تكرر اللقاء صدفة عدة مرات بين جو وتلك الفتاة .
وفي إحدى المرات وعندما كان جو يساعدها في حمل أغراضها طلبت الفتاة من جو أن يصعد إلى منزلها ليحتسي فنجاناً من الشاي ووافق فورا بل كان يتمنى ذلك من قبل ، كانت والدة الفتاة في المنزل ورحبت به كثيرا بعدما سمعت من ابنتها عن مساعدته لها أكثر من مره ، كان جو سعيدا وهو يجد من يرحب به ويحترمه وكان سعيدا أكثر بذلك التقارب وتلك الصداقة.
كانت الفتاة واسمها ليزا قد قدمت إلى بلدة (جيرسي) مع والديها قبل أيام قليلة وذلك لأن والدها جاء في مأمورية لبضعة أسابيع وقد قاربت على الانتهاء وسوف يعود إلى بلدة (برانس) حيث يعيش هناك ، أحبت ليزا جو كثيرا ووجدت فيه ما لم تجده في أصدقائها الكثيرين .
كانت ليزا وحيدة والديها وكان والدها يحبها كثيرا ويلبي كل طلباتها، وكان له مركز مرموق في البلدة وعلى علاقة كبيرة بكل المسؤولين فيها .
كان جو يعيش لحظات من السعادة إذا التقى ليزا وتحدث إليها , وهي تبادله بابتسامتها المعهودة كلما التقت به وتكن له الاحترام والتقدير . كانت ليزا تحب في جو بساطته وحبه لمساعدة الآخرين وكذلك الطيبة والتواضع وكان جو يعيش على أحلام تلك الابتسامة كلما كان وحيدا .
وجد جو في ليزا ما لم يجده في أمه وأخته من حنان وحب واحترام ولكنه لم يجرؤ يوما أن يبدي لها رأيه فيها لأنه يعلم أنه في وضع لا يسمح له بمجرد الحديث معها ، فأين هو منها ومن عائلتها ؟ وكان يظن أن تلك المعاملة من ليزا له لا تتعدى كونها علاقة بين سيدة وخادمها .
كان اللقاء الأخير بينهما أمام البقالة ، كان الموقف حزينا وكئيبا لأن ليزا لم تقابله بتلك الابتسامة الشفافة التى تعود عليها , وبالترحيب الذي كان يلاقيه منها مما شجعه على السؤال عن حالها ، كانت الإجابة بمثابة صدمة كبيرة لجو عندما أخبرته ليزا بأنها سترحل مع والديها خلال أيام .
حزن جو حزنا لم يعهده من قبل حتى عند موت والده , فهو سيفقد برحيل ليزا إنسانة عظيمة أشعرته بإنسانيته ومكانته . ورفعت كثيرا من معنوياته . وكان جو يشعر نحوها بعاطفة جياشة كان سيصرح لها لولا الفارق الاجتماعي الكبير بينهما ، لم يتكلم جو ولو بحرف واحد ولكن عيونه ونظراته قالت ما فيه الكفاية ، كانت ليزا أكثر جرأة منه وبدأت في الكلام .
قالت ليزا: يبدو أنك حزين يا جو ، لماذا ؟
قال جو : نعم كثيرا ، لأنك سترحلين ، سأبقى وحيدا .
قالت ليزا : هل تحبني يا جو ؟
قال جو : - متلعثما- أحبك ….أنا…. نعم … نعم …أنا….
قالت ليزا : هل توافق على الزواج مني يا جو .
قال جو : ولكن ……
قالت ليزا : ولكن ماذا يا جو ؟
قال جو : أين أنا ؟ وأين أنت ؟
فأنا فقير جدا يا آنسة .
قالت ليزا : كلنا أبناء تسعة يا جو .
يكفي أنك تملك أخلاقا عالية لا توجد لدى الكثيرين .
قال جو: وأهلك ، والدك ، هل سيوافق .
قالت ليزا : والدي يحبني كثيرا، ولا يرفض لي أي طلب، فأنا ابنته الوحيدة ثم هذه حياتي يا جو ، فأنا قد بلغت السن القانوني .
قال جو: ماذا سأفعل إذن ؟.
قالت ليزا : تعال إلى منزلنا الليلة وتحدث إلى أبي .
كانت تلك الليلة رهيبة جدا في بيت ليزا ، والدها ووالدتها يجلسان بجوار بعضهما وكانت ليزا تجلس بالقرب من جو الذي يجلس في خوف وقلق ولكنه لم يتكلم بل لم يجرؤ على الكلام .
أخذت ليزا تحثه على أن يبدأ في الحديث مع والدها ، أخذ جو يتحدث ببطء شديد ولكنه كان يتلعثم كعادته وللموقف الجلل الذي جاء من أجله ، لم يفهم والد ليزا شيئا مما يقول ، تتدخل ليزا لإنقاذ الموقف ولتنقذ جو مما هو فيه من رهبة .
قالت ليزا : إن جو جاء إليك يا أبتِ ليطلب يدي منك ، لقد اتفقنا على الزواج ، كان جو يومئ برأسه ويحاول الابتسام وهو يسترق النظر إلى والد ليزا .
نهض والد ليزا وصرخ بأعلى صوته في وجه جو متهجماً عليه وقائلا :
إنهض أيها الأبله المعتوه .
كنت أظنك خادما مؤدبا ، لم أتوقع أبدا أنك وقحٌ لتجرؤ على مخاطبة أسيادك والجلوس معهم .
وقف جو وهو يرتعد خوفا ولم ينطق بحرف واحد وحاول الهروب مسرعا إلى الباب .
إعترضته ليزا وقالت لوالدها :
أرجوك أبي ….أنا من طلب منه ذلك ...فأنا أحبه .
قال والد ليزا : أنت !… لابد أنك تمزحين …
بل تريدين أن تسخري من هذا الأبله وتتلاعبين بعواطفه …
اْليس كذلك يا ليزا ؟.
قالت ليزا: لا… هذا ليس صحيحا أبدا، فانا جادة في كل ما أقوله ومتأكدة من عواطفي نحوه .
قال والد ليزا : لقد جننت إذن …لن أسمح بذلك أبدا .
أتفهمين ؟
احتدم النقاش بين ليزا ووالدها بينما هرب جو مسرعا ودموعه تنهمر بغزارة من عينيه حتى وصل إلى غرفته فرمى بنفسه على الأرض يتمتم ويبكي ، ويكلم نفسه .
أنا أستحق أكثر من ذلك …
من أنا لأتزوج ليزا ؟
أين أنا منها ؟
اْنا غبي وساذج فعلا …
والد ليزا محق في تصرفه معي …نعم إنه محق …
كان يحترمني عندما كنت أساعد ليزا …
أما الآن فانتهى كل شيء …كل شيء .
وأخذ يبكي ويندب حظه .
كانت تلك الليلة قاسيه جدا على جو ، وعادت إليه الأيام الماضية والمؤلمة بكل أحزانها وقساوتها إلا أن والد ليزا كان أكثر قسوة وأسلط لساناً .
وفي الصباح وهو خارج من بيته إلى العمل شاهد جو ليزا تقف على ناصية الطريق بانتظاره .
تفاجأ جو …
وابتسمت ليزا له ابتسامتها المعهودة …
كانت ليزا حزينة أيضا تلك الليلة الفائتة لما سببته له من ألم كبير .
قالت ليزا : صباح الخير يا جو .
قال جو : صباح الخير آنسه ليزا .
قالت ليزا : أنا أعتذر لك يا جو عما حدث بالأمس من والدي .
قال جو : لا عليك يا آنسه ليزا ، إنه ذنبي ، أنا الذي تجرأت على طلب يدك .
قالت ليزا : أرجوك يا جو لا تقل ذلك فأنت شاب طيب …
وأنا ما زلت موافقة على الزواج منك .
قال جو: علينا أن ننسى الأمر آنسه ليزا .
قالت ليزا: إسمع يا جو ، بعد غد سنعود إلى مدينه (برانس) وسأبحث لك عن عمل ومنزل أيضاً وسأرسل لك رسالة بذلك وهناك سنتزوج بعيدا عن أبى وسلطته ، وسيكون لنا حياتنا الخاصة والجميلة ، أعدك بذلك يا جو ، أما الآن فوداعا .
قال جو: وداعا آنسه ليزا ….إلى اللقاء .
مرت الأيام والشهور وجو ينتظر تلك الرسالة ، ظن جو أن ليزا كانت تسخر منه كما قال والدها بالرغم من ذلك الإحساس الجميل الذي يشعر به نحوها ، لكنه أحبها فعلا وإن كان ذلك الحب لا يؤدى إلى الزواج منها كما كان يعتقد، و حاول نسيان ليزا وأمر الزواج منها واعتقد أن الأمر انتهى وأخذ يهتم بالعمل والعمل فقط ، وكان يمضي بعض أوقاته في الشوارع والمنتزه القريب من مكان إقامته .
وفي أحد الأيام وصلت جو رسالة من أخيه جون يطلب منه العودة للبلدة فورا ، كانت أمه مريضة جدا ، كان جو يحبها حبا عظيما حتى أكثر من نفسه ومن ليزا أيضا .
عاد جو إلى بلدة(هدسن) مره أخرى، وتوجه إلى منزله كانت جنازة أمه في الطريق، أسرع جو نحو جموع الناس الذين رافقوا جنازة أمه التي اقتربت من المقبرة، أنزلت الجنازة عن أكتاف الرجال لحظه وصول جو إليها ، خرَّ جو راكعا أمام هذا الموقف الرهيب، ولم يتمالك نفسه ولم تقوَ قدماه على حمله، ساعده رجلان على النهوض إلى حيث ترقد أمه ليودعها …أكب جو على أمه يقبلها ويبكي .
كان جو يعلم بأنه يودع البلد كلها بوداع أمه ، لم يبق له فيها شيءٌ بعد رحيل أمه، لقد غادرت أخته جولييت البلدة برفقة زوجها، وجون أكمل دراسته وهو يعمل في بنك صغير في البلدة (هدسن) وهو ليس بحاجة له بعد اليوم ، وهو بطبيعة الحال لا يعيره أي اهتمام ، فكان على جو الرحيل فورا إلى بلدة (جيرسي) .
لقد أثقلت كاهل جو أحداث جسام وحياة صعبة ومريرة رافقته منذ ولادته، كان جو بحاجة إلى معجزة حقيقية تخرجه مما هو فيه من بؤس وشقاء، عاد جو وحيدا والعربة تسير مسرعة نحو بلده (جيرسي) . العربة تعج بالناس والكل مشغول بأمره أو مع الآخرين، كان جو يعيش في عالم آخر ولكنه مجبول بالشقاء. أدرك أن أياما صعبة تنتظره في (جيرسي) خاصة بعد رحيل ليزا ودراسة ديفد في الجامعة.
لم يبق أمام جو إلا أن يعود إلى ممارسة عمله في توزيع الجرائد وقراءتها . كان هناك فراغٌ كبيٌر في حياته ، كان بحاجة ماسة إلى التغيير ، فكر مليا في السفر إلى أي مكان يبعده عن كل ذكرياته الجميلة مع ليزا والحزينة مع عائلته .
وصلت العربة أخيرا وتركه المسافرون جميعا ولم يبق إلا جو الذي أفاق على صوت السائق صاحب العربة وهو يطلب منه النزول ، خرج جو يجر قدميه ببطء شديد وهو يخترق صفوف وجموع الناس، ربما لم يشاهد أحدا منهم ولم يسمع أصواتهم المرتفعة ووصل إلى منزله دون أن يعرف كيف وجد نفسه هناك، ولم ينتبه إلا بعدما سمع صوتا يناديه، وعندما التفت إلى مصدر الصوت رأى والد ديفيد وبيده رسالة يلوح بها في الهواء .
اقترب جو من والد ديفيد وألقى التحية بابتسامة مصطنعة وخجولة، ناوله الرسالة وهو يبتسم أيضا وقال له:
هذه الرسالة لك يا جو إنها من ليزا …
خطف جو الرسالة من يد والد ديفيد وأسرع نحو غرفته دون كلمه شكر، لم يكن جو بطبيعة الحال يقصد ذلك، لكن اسم ليزا جعله يتصرف ولأول مرة بشكل غير لبق .
جلس على السرير مرتبكا ’ فتح الرساله وبدأ يقرأ كلمات من ذهب :
عزيزي جو، أعتذر عن التأخير، فقد واجهت مشكلات كثيرة لأن والدي يراقبني ليل نهار , أخيرا وجدت لنا عملا ومنزلا جميلا , أنا بانتظارك حبيبي أرجو أن لاتتأخر , ستكون إحدى صديقاتي بانتظارك، لا عليك عزيزي، هي ستتعرف عليك وستأخذك إلى المنزل , سأكون بانتظارك على أحر من الجمر .

ليزا .

رقص قلب جو طربا وفرحا وقام على عجل يلملم حاجاته المتواضعة , وودع أهل ديفيد وشكرهم على حسن الضيافة وهرول مسرعا إلى محطة العربات وجلس ينتظر موعد سفر العربة إلى مدينة برانس .
اعتذرت ليزا عن التأخير وكذلك عن استقباله في المحطة خوفا من أن يكتشف والدها أمرها .
كان جو سعيدا جدا بتلك الأخبار وبدأ يرقص ويغني في المحطة لا يأبه بمن حوله، فقد كانت تلك الرسالة المنقذ الوحيد له من عالمه المتشائم وكانت بداية ولادة وعهد جديد له ، وبداية حياة يأمل أن تكون سعيدة ، لقد بددت أحزانه وملأت قلبه بالشوق والحنين للقاء ليزا من جديد .
غادر بلدة جيرسي إلى بلده (برانس) , لأول مرة يشعر جو بمتعة السفر وقلبه ينبض بالحب ، وكان يأمل لو أنه يستطيع دفع عجلات العربة ليصل بسرعة، كان الوقت طويلا والمسافة بعيدة ، لقد كان يظن أن العربة لا تتحرك مع أنه كان يسمع صوت ، كان فكره مشغولا بليزا والحياة الجديدة التي تنتظره، وكان مشهد المحطة يتراوح أمام عينيه بين الفينة والأخرى طوال الطريق.






آخر تعديل شاكر السلمان يوم 09-08-2011 في 12:39 PM.
  رد مع اقتباس