رسائل من دفين
جنائن الورد والودّ
8
عذراُ... شقيقاتي
طال بي حديث الذكريات والنكش في اسفار الماضي .. ولكنني لا امتلك اليوم في وجداني غير الماضي الذي دفناه فقام من الاموات... ولاحقني بالذكريات.. أبوح بما في الوجدان من ذكرى لتكون لنا البشرى
الآن اتذكّر تلك اللحظة الاليمة إنّها لحظة فارقة في حياتي , لحظة ألم مهيض كطير مكسور الجناح....
عندما لمحت في محاجركنّ دمعة القهر وقد تحجرت في أسى جارح وجارف... انّه اقوى في وجداني من سياط الجلاد....
يعزّ عليّ ان ارى تراب الذل فوق الرؤوس وكيف لا والفرعون دائما دأبه استضعاف النساء وقهرهن.... إنّها هوايته المفضلة في كسر الارادة وتحطيم المعنويات وجرف المبادئ بجرافات القهر..
كنتن رهائن في قيضة الجلاد... لمحتكن والايدي مصفدة بالاغلال
فمادت بي الارض... تمنيت وقتئذ ان الفظ انفاسي الاخيرة في المقصلة قبل ان ارى هاته المشاهد الدامية..........
كانوا يبحثون عنّي وعندما ظفروا بي بعد مشقة حملوني على ذات عجلات وركبت عود الريح لأجد نفسي هناك في القبو وفي لحظة فارقة تحوّلت حياتي الى جحيم.. تذكرت القهوة السوداء التي كنت احتسيها قبل ان يختطفونني في واضحة النهار وكيف تبددت كفقاعات الهواء ,,,
ـ مات لا احد
كان زوار الفجر لا يفترون عن المجيء للبيت للبحث عني.. كنت حينها في قبضتهم ومع ذلك كانوا يقولون لكم في صلف
ـ لا بد ان يسلم نفسه فالامر خطير جداا
انها المصلحة العليا للوطن...........
لحظة فارقة جدا تلك التي وجدتني فيها داخل قيامة الدنيا.. نعم قيامة الدنيا.. القيامة بكل المعايير..
هناك كان الحاج الكبير يصيح فينا ونحن مقرفصين ارضا وتراب الذل قوف الرؤوس
ـ هنا دار الحق
من يعمل مثقال ذرة خيرا للوطن يراه
ومن يعمل مثقال ذرة شرا للوطن يراه
وانتم كلكم اشرار...
هنا القيامة والعذاب والصراط والجحيم وغسلين وغسّاق والشيفون والطيارة ونزاعة الشوى وكاسرة العظام والصعق الكهربائي والزبانية والشيفون ومرارت الحنظل القاتلة.....
داخل هاته القيامة سمعت اصواتكن فمادت بي الارض... أن يثلم الكريم في عرضه وحرماته إنّها اقوى من وطأة العذاب المرير جدا
تجرّعت من الغصص الحرار ما تشيب من هوله الولدان
بعد ايام ثقيلة على نفسي اكتشفت اللعبة القذرة ..كانوا يرفعون عبر مكبرات الصوت اصواتا لشقيقاتي في تسجيل مفبرك وهنّ يستغثن ويصرخن... كانوا يخضعونني لعذاب نفسي مرير ولكنني تحررت من قيد القهر عندما فطنت للحيلة وتعمدت ان اخبرهم بانّني كشفتهم قلت للجلاد بعد ا استجمعت قواي الخائرة
ـ لقد انتهى الدرس وفهم الغبي
قال باستفهام
ـ ماذا تقصد؟
قلت له فيما يشبه التحدي
ـ المسجلة .. تعطّلت قم لتغيير الشريط
عمّ الصمت للخظات
عندها ادركوا أنّني قد كشفتهم قال كبيرهم في غمغمة
ـ الخبيث ذكي
قال الآخر
ـ صطّيوه
والتصطية عندنا هي الجنون ... والهذيان المرير
داخل هاته القيامة دخلت جنّة الدنيا
كنت من قبل خبزيّا... إن احببت الانثى جاوزت في الحب حدود الوله والهيام والتتيم .. اردد قول الشاعر
طاف الهوى بعباد الله كلهمو ÷÷÷÷ حتّى اذا مرّ بي من بينهم وقفا
وفي تلك الغمرة نسيت الحب الحقيقي" والذين آمنوا أشدّ حبّا لله"
داخل العتمة الباهرة قهرا قرأتها بعمق ورددتها بشغف لا متناهي
" والذين آمنوا أشدّ حبّا لله" وكأنّي اسمعها لأول مرّة في حياتي
" أشد حبّا لله".......فاشتعلت داخل حذوة الحب السرمدي ولم تنطفأ
هناك تذكّرت رفيقي عبد الحق عندما كان يقسو علي وهو يقول
ـ تيقظ .. إنّ الحب والعاطفة تقصم ظهور الرجال ان استسلموا لها
يعم الصمت بيننا فالمح في الافق كلمات مضيئة ذات بريق
ـ كن ربانيا امنحك اعظم حب........
أن تكون ربّانيا... يعني انّك تمتلك المفتاح لتسلك الطريق في مدارج السالكين..... لرب العالمين
كان عبد الحق يحدثني يومها عن ابن القيم الجوزية وكتابه الماتع روضة المحبين ونزهة المشتاقين
وهو ...يهزّ رأسه قال
ـ" مساكين أهل العشق حتى قبورهم عليها تراب الذل من بين المقابر"
احتضنت الكتاب بقوة وعكفت عليه اياما طوالا.. فنزلت بي سكينة اللحظة والهيعة للحمى... والشهور بالامان...
ولكن هنا في القيامة المغربية... دخلت جنّة الدنيا,, فقد عرفت ربي لأوّل مرة أعرفه عن كثب قويّا جبّارا سميعا بصيرا مجيبا قريبا ودودا لطيفا... كنت اردد لساعات طوال في عمق جهنم" الله لطيف بعباده" فاشعر بالسكينة...و أفرّ إليه في وصلات الذكر الممتدة ...
هناك عرفت ربي لا تقوى الكلمات التي الكون كلها عن وصف الكرامات وكأن الغطاء قد انكشف فغدى بصيري حديدا... ألمح الكرامة من هناك.. واحتضنها في دفء ووقار
كانت الايام حبلى بكلّ شيء
ارادوا استئصال شأفتنا فرسخوا في اعماقنا يذرة الايمان فغدى قويا راسخا رسوخ الجبال الرواسي
ذلك اليوم وريح الصديد والقيح والنتن الذي عمّ المكان من دبق الدماء وتكلسها .. شممت ريح المسك.. بل شممناه جميعا كان قويّا متفردا نفاذا له عبق ولون آخر.....
كانت لحظة الامان بل ارنومة السكينة الخالدة في عمق الفزع وتأوّهاته الخفيظة والعالية....
هناك عرفت ربي......" يحبّهم ويحبّونه" نعم يجبّهم ويحبّونه
يا لها من كلمات ليست ككلّ الكلمات........
ولا يزال بوح الهاجرة متواصلا