![]() |
ثأر مع الغياب ..
/ ثأر مع الغياب .. ما زالت كلماته الأخيرة ترنّ في رأسي، كأنها لم تُقل ثم تمضي، بل استقرّت هناك تعيد نفسها كلما حاولتُ أن أجد سكوني؛ ولم أكن يومًا مرتاحًا للغياب، فبيني وبينه ثأرٌ قديم لا يُنسى. كنتُ قد جرّبتُ مراراته من قبل، تجرّعتُه قطرةً قطرة، لحظةً بلحظة، همسةً بهمسة، وكانت الذكريات تتكاثر داخلي، ذكرى تتبعها ألف ذكرى، حتى غدوتُ غارقًا في ظلاله الباردة، أواجهه طويلًا حتى بهت لوني وصار شاحبًا معتمًا، وكأن الحياة انسحبت من ملامحي بهدوء؛ لكنني لم أستسلم، نهضتُ رغم انكساري، رغم جسدي النحيل والهزيل، ووقفتُ كصخرةٍ عنيدة تتلقّى ضربات الظلال، لا تنكسر ولا تنحني، ومع مرور الوقت حدث ما لم أتوقعه؛ تعبت الظلال وهدأت فجأة، كأنها أدركت عبث محاولاتها. في تلك اللحظة خرجتُ إنسانًا مختلفًا، كان هناك شيءٌ في داخلي قد تغيّر، شيء لا أستطيع وصفه بدقة لكنني شعرتُ به بوضوح، كأنه مات ثم عاد للحياة من جديد، وصرتُ كأنني ألف شخص في جسدٍ واحد، وكل واحدٍ منهم يحمل جزءًا مني؛ والغريب أنني لم أبحث بينهم عن نفسي، لم أسأل من أنا أو أين أنا، كنتُ أنا فيهم جميعًا وكانوا جميعهم أنا بكل تفاصيلهم وملامحهم. أمّا الغياب فقد كان الوحيد الذي يعرف حقيقتي طوال ذلك الوقت، كان يراقبني من بعيد مختبئًا في عتمته، يظن أنه ما زال يمتلكني، لكنه لا يعلم أنني تغيّرت؛ فالآن، في اللحظة التي عرفتُ فيها من أكون، صار هو من يتساءل في أزقّة الظلام: من أنا؟ وأنا… أنا الذئب الذي لا ينسى ثأره، أمشي وحيدًا لكن ظلي لا يهدأ، إن جُرحتُ لا أنبح، وإن غُدرتُ لا أتألم، بل أنتظر، أترك للزمن أن يقول كلمته الأخيرة قبل أن أقول كلمتي، وسوف أقولها وقتما أشاء وحينما أشاء.. . . |
| الساعة الآن 06:05 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.9 Beta 3
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.