منتديات نبع العواطف الأدبية

منتديات نبع العواطف الأدبية (https://www.nabee-awatf.com/vb/index.php)
-   القصة القصيرة , الرواية,المسرحية .الحكاية (https://www.nabee-awatf.com/vb/forumdisplay.php?f=65)
-   -   العهد (https://www.nabee-awatf.com/vb/showthread.php?t=26720)

عروبة شنكان 08-01-2017 12:21 PM

العهد
 
العهد

:1 (45):
في موكبٍ مهيبٍ اِخترق نعشهُ أسواق المدينة القديمة، توقف الحشدُ أمام متجره قليلاً وتابعوا التقدم باتجاهِ المقبرة الحديثة، ابتسم حسان في سرهِ مقابرٌ حديثة ومقابر قديمة ماالفرق بينهماا ياغالِب، استدار الثاني نحو صديقه مُندهِشاً:
ـ هل هذا وقت المزاح؟
ـ لا أمزح يا رجل..
ـ حسناً رُبما كانت المقابر الحديثة أكثر اِتساعاً، وقبورها أكبر مِساحةً ناهيك عن مشروعِ تسييج المقابر، فالمارُ مِن هُناك يعتقد أنها حدائِقُ فسيحةٌ يتوسطها مسجِدٌ ومغاسِلٌ! لا يشعرُ الزائرُ بوحشةً، غير أن رهبةُ الموتِ تبعثُ في النفس الخشوع والتأمل. أذكُرُ والدي الذي وافتهُ المنية قبل أعوامٍ كُنت في أوربا، عِندما اتصلت بي والدتي، كان في صوتها رعشة خوفٍ مُلبدةً بحسرة وتوجس، لا أعلم كيف تمكنتُ مِن حجز تذكرة سفر، كم بعُدت المسافاتُ، وتعقدت الأمور، وكم بدت الحياةُ تافِهَةً!!
كانت السماءُ مُلبدةً بالغيومٍ، تعِدُ بمطرٍ غزيرٍ.. أواسِطُ الربيعِ في أوربا فوضويات فصولٍ، وتراكُمُ همومٍ، هكذا شعرتُ لحظة مُغادرتي منزلي الصغير القابِع في أطراف بلدةٍ صغيرة، فضلتُ عُزلتها، على صخب المُدن هُناك! اِخترقتُ ساحات المطارِ مُسرِعاً، أتلعثمُ بكلماتي، وأُحاوِلُ عبثاً مُداراة دمعي، أو إخفاء وجعي.
تأخرت الطائرة في الإقلاع، بينما بقي الإتصالُ وعائلتي مُضطرباً. ما إن أعلنت المُضيفة موعِد الإقلاعِ، حتى اِزدحمت الصور في ذهني، بدا لي والدي في هيئةِ ملاكٍ، توسد الياسمين، وذهب في نومٍ عميقٍ، كم كان يعشقُ رائحة الياسمين، بل ومن وصاياهُ أن يسور قبرهُ بالياسمين! لن يكون كُل شيء على ما يُرام، رحيل الأب عن حياةِ أبنائهِ أمرٌ صعبٌ للغاية، تشعرُ بعودتِك طِفلاً، تُداعِبهُ أنامِلُ والده بحنانٍ يدعوك لِتكون رجُلاً، واثِقُ الخُطا تُمضي بقية حياتِك.
وصلتُ مدينتنا مساءً، كانت تتلألأ بين الأنوارِ هادِئةً، وعلى أكتافِ البيوتِ العتيقة عربشاتُ الياسمين، التي تستدِلُ عليها مِن رائحتها كُلما اقتربتَ مِنها، بدأتُ أشعرُ بِالضيقِ وتسارعِ أنفاسي، ارتعشت أصابعي كثيراً، كيف سأحضنُ جسد والدي، كيف سألقنهُ عباراتُ الوداعِ، سيكونُ كُلُ شيء صعباً عليَّ..
في النهاية وجدت نفسي في منزلنا الذي اِكتسى الحُزن أركانهُ، كانت روائِحُ المِسكِ، وبقايا أنفاسِ أبي عالِقةً فوق سريرهِ، لم يكن مُمدداً كما خِلتهُ، ولم يكن بهيئةِ ملاكٍ كما توهمتُ، لقد رحل والدي إلى مثواهُ الأخير قبل أن ألتقي بِهِ، قبل أن أحضِنُهُ، وقبل أن أُستودعهُ الكلماتُ الخمسة التي كان يوصيني بِها :الصدق، الأمانة، الإخلاص، الوفاء، والتضحية، زادُنا في الحياة، وخزينتُنا للآخرة.
توقف غالِب عن الكلام دامِعاً، بينما بدأ موكِبُ التشييعِ دخولَ المقبرة الحديثة، لِتبدأ مراسيمُ دفن صديقهم عامر.
كانت اللحظات طويلة حدّ السماء، وجُدران الجامعِ كما لو أنها اِعتادت حالات الحُزن حتى سكنها. تمت صلاة الجِنازة بسلامٍ، ليبتعد بعدها غالِب عن صديقهِ حسان، ويذهب حيثُ روائح الياسمين التي ضج قبرُ والِدهِ بها. اِقترب الرجلُ الطِفلُ مِن ظِلالِ والدهِ، بدا القبرُ لهُ شفافاً، اِحتضَنُ والدهُ بِكُل أمانةً، لِتسري بين شرايينهِ حالةٌ مِن الوجد، داراها طيلة أعوامٍ كم اِشتاق لِضمِ جسده الناحِل الذي أنهكهُ المرض، لم يقو على كبتِ جماحِ شوقهِ، اِنفجر في داخِلهِ الطفلُ باكياً، لِتزدحِم العِباراتُ بين شفتيه:
أبي، أبي..
سادَ المكانُ حالةً مِن الهدوء بعد دفنِ عامر، كان الأسى قد علا الوجوه، بينما يستعِدُ المُقرئ لِتلاوة القرآن تفقد حسانُ صديقَهُ الذي اِختفى تذكر روائح الياسمين التي حَدّثهُ عنها، اِقترب حيث عربشاته فوق ضريح والِدهُ التي بللتها قطراتُ غيمةٍ عابِرةٍ تارِكةً المكان رطباً ندياً حيثُ صدمتهُ جُثةُ غالب التي كانت مُمددةً وفاءً لِروائِح الياسمين!



:1 (18)::1 (18)::1 (18):
:1 (10)::1 (10):
:(

ألبير ذبيان 08-02-2017 10:14 AM

رد: العهد
 
شكرا لهذه اللفتة الواقعية جدا أختي الأديبة
حفظكم الله

عروبة شنكان 08-02-2017 11:31 AM

رد: العهد
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ألبير ذبيان (المشاركة 434482)
شكرا لهذه اللفتة الواقعية جدا أختي الأديبة
حفظكم الله

كل الشكر للمرور والتعليق أ. ألبير
تحيتي

الدكتور اسعد النجار 08-02-2017 02:39 PM

رد: العهد
 
بحرفك الجميل جاءت الصياغة معبرة

تحياتي

عروبة شنكان 08-02-2017 02:42 PM

رد: العهد
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الدكتور اسعد النجار (المشاركة 434500)
بحرفك الجميل جاءت الصياغة معبرة

تحياتي

أشكر مروركم وتعليقكم الغالي دكتور
نورتم متصفحي

قيس النزال 08-03-2017 08:53 AM

رد: العهد
 
أجدت عروبه برسم خلجات وعواطف رائعه..تابعت بشوق ..

كل التقدير

عبد الكريم سمعون 08-03-2017 12:10 PM

رد: العهد
 
أختي الغالية عروبة تحية طيبة .. عساكم بخير ..
لقد أجدت وأبدعتِ لغة النص جميلة جدا والمغزى أجمل
لك التحايا سعيد باللقاء مجددا

عروبة شنكان 08-03-2017 01:04 PM

رد: العهد
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة قيس النزال (المشاركة 434544)
أجدت عروبه برسم خلجات وعواطف رائعه..تابعت بشوق ..

كل التقدير


ممتنة حضوركم مُتصفحي
شكراً التقييم
تحيتي وتقديري

عروبة شنكان 08-03-2017 01:05 PM

رد: العهد
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد الكريم سمعون (المشاركة 434582)
أختي الغالية عروبة تحية طيبة .. عساكم بخير ..
لقد أجدت وأبدعتِ لغة النص جميلة جدا والمغزى أجمل
لك التحايا سعيد باللقاء مجددا

سعيدة بلقائك ثانيةً في نبع العواطف
أشكر حضوركم متصفحي وتقييمكم الغالي
تحيتي ومودتي

سولاف هلال 08-14-2017 08:08 PM

رد: العهد
 
سرد بديع أخذني برفق إلى نهاية جد حزينة
تحية وتقدير كبير
أثبت النص مع محبتي


الساعة الآن 04:37 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.9 Beta 3
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.