مشاهدة النسخة كاملة : رواية ....الرخام الأسود
مختار أحمد سعيدي
07-13-2011, 02:14 AM
الرخام الأسود
الفصل الأول
تلك هي ليالي الشتاء عندنا في الهضاب العليا ، باردة و ممطرة ، يكشف البؤس فيها عواراتنا وتجاهرنا أيامها بالحرمان ، على ارتفاع 800م عن سطح البحر، كأننا نتصعد الى السماء ، وسط الجبال الشامخات التي أقسمنا بها في نشيدنا الوطني ، الأودية الموسمية ، كالوشم الجميل على جسد الحسناء و الغابات الجميلة التي تتحدى حرائق البحث العبثي عن الارهاب ، هجرتها القواطع و الأوابد.، و فرضت النزوح على الأهالي ، في هذه الولاية التي أهملت معالمها التاريخية و تجاهلت صانعيها ببديهية حمقاء ، لما تسيس البدو فيها و تحكم الأعراب في رقاب التاس و زمام الأمور، تقود أعراف الموالين القافلة ، و يعرفنا جغرافيوها بأننا في منطقة رعوية لا تجمعنا الا القرى الاشتراكية في المناطق النائية ، حيث يغتال التمدن و تنتهك قيم الحضارة بمفهومها العصري ، و تحول العصرنة المستوردة الى شريط الساحل و الى ولايات تسلط أبناؤها على الرقاب و احتكروا التاريخ و استعبدونا بشرعيات مختلفة ...اما بالحديد و النار ، و اما بالدين ، و اما باللغة ...هكذا تعددت أربابنا لنعيش مسخ الخلاف و الاختلاف تحت لواء الشعب العظيم الذي قتلوه بتهمة الرجعية ، ثم بتهمة الكفر ، و سيقتلونه بتهم آتية كسواد الليل المدلهم ...
فقلت له : سودتها يا صاحبي ، و كاد الكبد أن يتفجر فعد بنا الى بيت القصيد
فقال: ان مأساة خضراء ، صنعها هؤلاء الوحوش ، حتى الصدف كانت ضدها ، أصبر ستتمزق أكثر يا صاحبي ....
سميت ولايتنا ...شقية ..، نسبة الى عاصمتها المدينة الشقية ، أحداث هذه المأساة تجري في ..عين القسوة ..قرية من قرى هذه الولاية ، و ما أكثر العيون في بلدنا ، بداية من عين الفوارة الشهيرة ، وحدها هذه العين التي لا يرتوي منها هذا الشعب ،انها رمز الحضارة و التفتح ، و شهادة مرور التاريخ من هنا ، هكذا يقدس الفن عندنا و يتغير المفهوم الأخلاقي ، هكذا يجب أن نمارس الحضارة و التفتح و نخلد القيم الانسانية و آثارها مآثرها...هكذا يجب أن نكون... أو لا نكون ...
عين القسوة منطقة زراعية رعوية ، كانت اراضيها كلها تحت مزارعي الاستعمار الفرنسي اخصب الأراضي و أجملها ، يسكنون القرية و لهم في كل مزرعة مساكنا على الطراز الريفي الأروبي أنذاك ، مزينة بأشجار السرو ،زمز الخلود و البقاء و التحدي و فرض الذات ، و كان الأهالي كلهم اما يعملون من طلوع الفجر عندهم الى غسق الليل ، على فرنكات البؤس و الفقر ، أو رعاة تبتلعهم السهوب و الفيافي طوال السنة ، هؤلاء هم من أسس بعد الاستقلال لنظام حول قاطرة النتائج كلها، لتصب في هاوية بعيدة عن كل هوية ، سكنوا مساكن المعمرين و سلكوا مسلكهم في تسيير الريع بعصيهم و عفيون جديد..الشقاء يا صديقي لا يصنعه شيء واحد ...هي ذي الظروف التي تترعرع فيها معاناة خضراء ، ضحية هذه القصة بحوادثها المؤلمة ، و قدر أريد له أن يسقي الضعفاء المرارات ، و تدفع الذاث البشرية ثمن بقاءها ، و بقاءها فقط ، آلاما و آهات ، و دموعا ، ذنبها الوحيد أنها جاءت الى الحياة في الوقت الغير مناسب ..هنا في هذا البيت الذي كان يسكنه المسيو صونديرو ، بدأ الشقاء يوما يؤسس لمعاناة انسانية يعجز اللسان عن وصفها ...
كان الليل حينها قد غمر الكون و خيم السكون و هجعت الحياة ، و في مثل هذه الساعة دائما ، ساعة مولد خضراء ، يرتفع ذلك النداء الذي ينبعث من أدغال الصمت ، من عمق ظلام النفس ،يتشكل منه سواد شبح قادم من كل جهة ، كأنها مقيدة فوق هذا السرير الموحش ، المسكون بلعنة شرسة تترصدها ، لا تمل و لا تغفل و لا تيأس ...منكمشة تحت الغطاء تحاول اسقاط تلك السنوات من العمر ، حديدية الأطراف ، في صراع مع هذا الأرق ، يحول الآرهاق زفراتها الى أنين ، يخرجها من الخيال الى مصرح الاحتمالات الرهيبة ...فتحت عينيها ، تنفست الصعداء ، نبضات قلبها تكاد تطغى على دقات المنبه التي تطارد الزمن لبلوغ ساعة الاستنفار ، كانت الغرفة مظلمة ، ترد جدرانها صدى الآيقاع بطريقة عجيبة تثير الأعصاب ، مزج فيها السكون بضوضاء النفس اللوامة و حركات العقارب التي تطوي المسافات من العمر في عجالة مفرطة ، تخفي سذاجتها الحدث بالحدث و تنتقل من حال الى حال ، يتداول كل شيء في نفسها و تتعاقب الزوابع ...النقاط اللامعة المضيئة و سط الظلام على شكل دائرة مفرغة ، ينبعث من مركزها شعاعان ، تشير بهما الى الساعة الثانية صباحا ، انها لم تنم أكثر من ساعة واحدة ، و لم يتخلف ذلك الكابوس الذي يطاردها في النوم مثل اليقظة . و بدأت من جديد ساعات العذاب و التأنيب ، يمزق الندم بمخالبه المفترسة الطوية الكتوم ، تتقلب يمينا و شمالا ، تدس رأسها تحت الوسادة ، تتوسدها ، تشد رأسها بين يديها ، تعض على شفتها ، محاولة بذلك أن تدفع تلك الفكرة الجنونية بعيدا بكل ما تملك من قوة ، تصاعدت وتيرة تنفسها وامتزج خفقان القلب بريبة سكون المحيط الذي يحرك النوابض في كل شيء ، استحودت الروح الشريرة على مجمع الحواس، فانسلت من فراشها كأنها حية انسلخت ، و تسربت من غرفتها الى المطبخ ، حملت خنجرا و خرجت تشد بين أنيابها على ارادة كانت تخونها دائما ، ارادة تكاد تنفلت من حين الى حين ، تمشي على دقات قلبها و الدموع متحجرة في عينيها التي تكاد ان تتفجر من شدة الاختناق ، تشق الرواق تحت ضوئه الشاحب في اتجاه غرفة خضراء ...و لما وصلت أمام الباب التفتت يمينا و شمالا ، انتظرت قليلا ، ثم دخلت و أغلقت باحكام ، أسندت ظهرها اليه تتحسس و تستجمع قواها ، وهي تحدق فيما حولها بدافع غريب وقع بصرها على صورة لخضراء في عيد مولدها الأول ، تحفة فنية صغيرة من متاحف أفريقيا السوداء وسط اطار مذهب على طاولة السرير ، يعكس زجاجه الضوء المتسرب من فجوات النافذة ، فتقدمت و هي ترتعش ، تطوي بخطوات مترددة خمسا و عشرين ستة من العمر في لحظات ، تريد القضاء على ذلك الكابوس الذي يطاردها ، تريد أن تجعل له نهاية في هذه الليلة...أشاحت بوجهها عن الصورة لتقطع شريط الذاكرة ، فوجدت نفسها أمام واقع يتحدى ...انها ممدودة تتوسد دراعيها ، تعانق ببراءة حلم الحياة ،على ضوء الشارع الذي يتخلل الفجوات و ينعكس على بياض السرير ، تظهر صورة من الظل الأسود ،انها مستلقية على الفراش ...أروع ما أبدعت يد الخفاء في رسم غرفة نوم لملكة الجمال عند الزنوج ، و أمام هذا المشهد المستسلم الآمن الذي تزينه الطمأنينة ، صرخ الواقع في وجه سترة ، صرخة البراءة يتحدى القدر المزيف الذي أريد له ، فبدأ مفعول القلب يحل محل تفكير العقل ، و كأن جسدها تلقى حقنة من منبع العاطفة ، فأحيا مشاعر الأمومة الصادقة التي أريد لها الاغتيال ، و رفضت اليد الانقياد ، فشلت و سقط الخنجر ، وارتشق النصل في قدم سترة فصرخت ، انه سهم الحقيقة التي تستيقظ دائما في آخر لحظة للحسم حتى لا تكون ضحية التزوير ، وانتشلت خضراء من نومها ، و هبت واقفة مستجمعة تستر جسدها باللحاف و تزلزل بصرختها أركان كل البيت ، سقطت سترة على الأرض و قفزت خضراء نحو الزر فأوقدت المصباح ..
خضراء: أمي ؟ !!! ماذا حصل ؟.. ما بك ؟..
سترة لا شيء ...لا شيء ، ناوليني الكحول ،أسرعي بعلبة الدواء ...انها في الحمام ..أسرعي ..
استيقظت كل العائلة على هذا الصراخ الذي مزق الصمت المطبق و تناسقه مع سكون الحركات ، هبوا جميعا نحو غرفة خضراء التي كانت دائما مسرحا للشغب و المناوشات .... هكذا بدأ النزيف يوما في هذه الأسرة ، أحدثته الحقيقة التي ترفض الاغتيال و لا تؤمن بالموت حتى تقتل الافتراء...
التف حولها الجميع ، وجلست خضراء أمامها ، مرتبكة ، تنظف الجرح و تضمده ،محاولة عبثا ايقاف النزيف ، و لما أغمي عليها حملوها على السرير ، واكتشف الجميع الخنجر الذي كان تحتها ، وساد الموقف نوعا من الريبة و الاستياء ، فأحست خضراء بأنها محل شك و محط نظر، فانتبهت لنفسها ، حملت ملابسها و ذهبت الى الغرفة المجاورة ، و لما عادت و جدتهم قد نقلوها الى المستشفى...
حملت سفطها و خرجت ، وانصفق الباب وراءها ،كأنه طبل قرع للاعلان عن نهاية فصل من عمرها و بداية فصل آخر ...
كانت الشوارع خالية ، تمتد أمامها نحو المجهول ، نحو الضياع الذي تصنعه الليالي الموحشة ، متعبة تتقدم و هي تلعن نظام التبني الذي يصطنع الأمومة و الأبوة الكاذبة، تلعن المنطق الفلسفي الذي يؤمن بالأصل في الأشياء كلها ، و يفرضه حتى على الذات التي ترتكب الجرائم و الحماقات و تتنصل منها ...و خرج من عمقها السؤال الملعون ، السؤال الخزي ، سؤال العار ، سؤال البؤس ...من أنا ؟...كأنني ليلها المظلم ، انها تكرهني لأنني لقيطة !.. لأنني سوداء !.. انها تمارس علي زمن النخاسة و العبودية ...أم لأن ابنها كريم أحبني و يريد أن يتزوجني ؟..ما أتفهني و قد صدقت ...
التفتت ، عبوسا كان الشارع ، تتقدم وسط لسعات البرد القارص ، و زخات المطر اللاذعة ، شارع معظم مصابيحه احترقت ، برك الماء على الرصيف تتلألأ ، تعكس أشعة الضوء الشاحب ، غمامات من الضباب تسوقها ريح القر نحوها ، قالت في قرارة نفسها ..حتى أنت ؟..عندما تأتي أيها الشقاء تأتي بالكل ..
تحاول خضراء اختراق مخازن الذاكرة و ملامسة ما وراءها ، لعلها تسترجع ذلك اليوم الذي صنع بؤسها مقابل لحظات متعة ، ربما بثمن بخس ، أو بدافع حب غموس ، يوم النزوة التي قذفتها في رحم عاق ، جعلها الرقم المجهول في معادلة خبيثة و دنيئة ...و لكن ..
تودع بعيون همعة تلك القرية الهاجعة التي كانت تحتضنها فيها الجدران برفق انبجاس الحجر ، امام اجحاف البشر .. هنا كانت تأوي حينما تكتسحها رغبة البكاء ، أو تعاقب لآتفه الأسباب ، هنا كانت تخفي دميتها لما كانت صغيرة خشية عليها منهم ، هنا دفنت قطتها لما سمموها لأنها سرقت عظما سقط من المائدة ، في هذه الحديقة أشياء كثيرة لا تزال تتذكرها ...و هذه دار عمي مبارك الأسود ، يلقبونه ببامبرا ، ذلك الرجل الرحيم ، آآآه ، عمي بامبرا و هذا السواد الحاني الذي كان يجمعنا ، وكلبه ركس صديقي الوفي ، كلما دخلت عليهم يصعد معي و يلعقني ، يلعب معي كأنه طفل مشاغب ، من هنا كنت أمر الى المدرسة ، زجاجها مكسر و بدون مدفأة يعلمنا جلاد لا يرحم ...المدللة الوحيدة كانت بنت رئيس البلدية ، الحاج قادة ، لا يعرف حتى المكان الذي يجب ان يمضي فية على الوثائق الادارية ... تذكرت عامر، كانوا ينادونه بابن السوداء ، تصحك ، آآآه منه كان هو كذلك ماكر و شيطان ، مغامراته مع المعلم لا تعد و لاتحصى ، صديقاتها البدويات كن يقضين أوقات الفراغ أمام المدرسة ،يأكلن الخبز و اللبن ، كانت تتمنى أن تأخذهن معها الى البيت ولكن ...في بعض المرات تفقد شهيتها رحمة بهم .. m هذا دكان السنوسي مغلق بخمسة أقفال ، مسكين عمي السنوسي رغم كل هذا الحرص و اليقظة و سرقوه عدة مرات ، دائما أبناء الشافي ، حياتهم كلها سجون ، يقودون جماعة أشرار ، و يا ويح من يبلغ عنهم ، و حتى اذا دخلوا السجن ، هم أول من يخرج..فقدت قدرة مقاومة البرد ، و جرى في جسدها دم بارد ، و بدأت ترتعش من الخوف ، تلتفت يمينا و شمالا ، راودتها فكرة الرجوع الى البيت ، لكن الجرح كان أعمق من معالجته بالعودة ، بالعكس المجهول أرحم ، و من يدري ... تذكرت و هي التي أفنت عمرها في خدمتهم ، تطبخ ، نغسل ، و تنظف ..حملت شقاء البيت منذ طفولتها ، هكذا نشأت ، يحبونها أفرادا و يمقتونها جماعات ، تعرف كل شيء عنهم و لا تعرف عن نفسها شيئا ، يلقبونها باليابسة و هي أخصبهم بدنا و أجملهم رسما ، تضحك غير مبالية بهم ، يكرمهم الأهالي خوفا من أذاهم و لنفوذهم ، يأتونهم بالسمن و الصوف و اللبن و الخضر و الفواكه و خرفان المناسبات ، يتوسطونهم للرشاوي و قضاء حوائجهم ، كان أبوها بالتبني رئيس قسمة الحزب الحاكم ، وحده في القرية تصحو على يديه و تمطر ، انه من قبيلة اولاد سيدي ساد ، التي تمثل الأغلبية في هذه المنطقة ، تعصب الآباء و تشيع الأبناء بالشيوعية الحمراء التي لا ترحم حتى من يخالفهم في اللباس ، اسسوا لعقلية فرنسية بمراس أعرابي ، ظاهره رحمة و باطنه عذاب ، و طال عليهم المثل القائل ..فارس من ركب اليوم ..
انها الآن في بوابة القرية تنتظر القدر الآتي متحدية كل الأعراف ، تتصور مغامرتها مشاهد مختلفة من فصول هذا المجتمع المعوق ، حين يمثل مسرحية اختفائها، و هي كذلك حتى أيقضها ضجيج محرك شاحنة لشركة سوناطراك، شركة البترول الذي يراه الجميع والغاز الذي لا تراه العين المجردة ، أشارت الى السائق فتوقف ، فأسرعت تتسلق السلم ...ألقت نظرة أخيرة على قرية القسوة السائق : الى أين أيتها الجميلة ؟
خضراء : الى مدينة أروان .. وتوقفت تنتظر الاذن ..
السائق : أدخلي ، وأغلقي الباب جيدا .. مرحبا بك في عالم الطريق
خضراء : شكرا
كان السائق ضخما ، يتجاوز الأربعين من العمر ، أبيض بشنب أسود كثيف ،و شعر طويل ، عريض الوجه صغير الأنف بمناخر الثعلب و دقيق الشفتين ، يرتدي معطفا أسود من الجلد الخالص ، تحته قمص أزرق بمربعات سوداء ..
أنطلقت الشاحنة تنتفظ من عالم السكون و قيود المكان ، كأنها وحش يهاجم الزمن ، مقارنة بالذات البشرية بدت لها الشاحنة كبيرة جدا و مدبر أمرها صغير جدا ..كانت رائحة التبغ الممزوجة برائحة المازوت تعكر الجو الداخلي ، ففتحت خضراء الزجاج دون اذن ، و فتح السائق الراديو..
السائق : القرآن ..صح نومكم في المحطة..
أطفأه ، و أشعل سيجارة ، كثرت حركاته و نظرات و فهمت خضراء أنه يبحث عن رأس حبل للثرثرة ، فبادرته قائلة
خضراء : هل عندك أولاد ؟..
السائق : لست متزوجا ، أفضل حياة العزوبية ، لأنني وجدت في تنقلي هذا عبر هذه المسافات الطريلة متعة ما بعدها متعة ، و الزواج مسؤولية والتزام كبير ، و قيود لآ أتحملها ، الحرية عندي أغلى من أن أتقيد برابطة لست واثقا من نجاحها ..
في هذه الأثناء كانت خضراء قد غادرت الشاحنة ، متحدية سرعتها ، تحوم تلك النفس كاليرقاء في عمق التفكير الذي يحاول عبثا اختراق الماضي ، لم تتوصل الى شيء ، سراب و ضبابية ، و لا نهاية تمتد من كل جهة ، تدفع الى الضياع .. و بدت للسائق على تقاسيم وجهها تغيرات الصراع الذي تعيشه فقال
السائق :هل أنت مريضة ؟..
الا أن تناسق اجترار المحرك الذي كان يأكل بعضه بعضا ، و احتكاك الأفكار المتصارعة في نفسها حال دون وصول السؤال الى مداه.. فهمزها..
السائق : هل عندك مشاكل ؟..
خضراء : لا ، لا شيء ، مجرد غفوة من حزن الفراق ..
و حتى تبعد الحديث عن نفسها ، تابعت تقول
خضراء: ما هي الأماكن التي تعجبك في وطننا الحبيب ؟
السائق : تعجبني زيتونة سيق ، و وردة البليدة ، و مياه سعيدة ، و ملأة قسنطينة ، و سروال العاصمة ، و جلباب تلمسان ، و حايك وهران ، و وشم الصراء ، انني وطني محافظ حتى النخاع ...أهوى كل شيء يربطني بالماضي بالأصل ، بالتاريخ ، حتى الأسطورة أعشقها ...
خضراء : الماضي ؟.. الأصل ؟.. التاريخ ؟.. هذه كلمات عجزت معاجم العالم عن شرحها ،و اثبات حقيقتها و شرعيتها ، أنا لا أومن بها ، لأنها مزورة ، مفبركة ...الحياة هي المستقبل و الماضي هو متعة الحلم عند الأقوياء والكابوس المزعج عند الضعفاء ، المزعج ، نعم المزعج و المفزع السائق : رغم هذا أ،ت تسأليني عن الماضي ، و كل حاضر وليد ماض معين ، و حاضرنا تاريج المستقبل ، هكذا علمتني مدرسة الحياة ، مدرسة السفر ، مدرسة الطريق الطويل الذي يصل الزمان بالمكان ..
خضراء : الطريق ؟.. الطريق مدرسة المشردين ، و المنبوذين ، و بقايا هذا المجتمع الذي لا يرحم ..
السائق : أظن أن النكران و الجحود قد أصاب منك حضه و أصابك في الصميم ، لا يتعفن الماء الا في البرك ، أما المياه الجارية تمخر الأرض و تشق طريقها في الصخر و منثنى الرابية ،تبقى دائما أطهر و أنقى ..
خضراء : يذكرني كلامك بسبخة وهران و واد الحراش ، انها فضلات أهلها لا غير ، انهما التاريخ الحقيقي لمخلفات البشر ، لأمة تبلع دون هضم ، أمة متنكرة لأفعالها و أقوالها ، هكذا التاريخ الذي تمجده أنت أيها المحافظ ، لا تحاول لن يصلك صافيا نقيا ، التاريخ يا سيدي فضلات الأمم الحية ، تقتات منها الأجيال الميتة ، و صدق من قال ، ان صدق التاريخ فأنا أكذوبته الكبرى ... خيم الصمت من جديد و انقطع تيار الكلام ، وانفرد كل منهما باجترار كلام صاحبه ..
و قال السائق في نفسه ...ان هذه القلعة السوداء شرسة في النقاش ، لا أظن أنها تفتح أبوابها الحقيقية لأحد ، ذكرته بزنوج أمريكا ، يقال أنهن يتميزن بالأنفة و الزهو ، و الافراط في الكبرياء ...لا شك أنها في حالة متوترة ، أو أنها تعاني من عقدة نفسية ..
السائق: موظفة أنت أو طالبة ؟..هل لي أن أعرف أسمك ؟
خضراء : اسمي بنية ، أعمل ممرضة
السائق: عمل انساني مشرف
خضراء : في وسط الوحوش ، بل أفظع من ذلك ، انها انسانية آلية تطورت فيها آليات الظلم و الجحود ، و..
فقاطعها قائلا
السائق : كفى ، كفى ..توقفي قليلا ، ما هذا التشاؤم يا سوداء الباطن ، انك تعانين من عقد كثيرة ، و كأني بك في عهد النخاسة و العبودية...ألست كالريح المرسلة ، حرة طليقة ، لا يقيدك مكان ولا يحاصرك زمان ؟..
خضراء : آه لو كنت ريحا ... لعصت بهذه المجتمعات ، و قذفت بها الى الجحيم ، أي حرية هذه التي تتكلم عنها ، حرية الذباب و الحشرات و البهائم ، هذا المفهوم للحرية هو الذي صنع نخاسة العصر واستعبد الجميع ..
السائق : هذه فلسفة و كلام لا يعكس الواقع ، لو كنت فلاحة لمات الناسجوعا ، تشاؤم وانهزام كلي ، أمام تحديات بسيطة و طبيعية يصادفها الجميع و في كل المجتمعات
خضراء : لست فلاحة والناس يموتون جوعا ، و لست حاكمة والناس يموتون مئات المرات ظلما ...و الناس ...و الناس...أما أنت لا شك أنك ابن ما وراء العصر ، أرجوك لا تجعلني أسجل أسفارك في سجلات العبثية ، بالله عليك بأي عين تنظر أنت الى هذا المجتمع ؟..أبهرتكم السطحيات ... خنقها الدمع فسكتت...
و عاد الصمت ليخيم من جديد و يترك المجال لسمفونية الاجترار ،اجترار النفس و الحديد ...يستوي الطريق أمامها و يمتد حتى يدرك الأفق ، ثم تأتي المنعرجات ، الأشجار تمر كأنها تقتلع و يرميها الزمن الى الوراء بكل ما أوتي من قوة ...هكذا تنظر خضراء الى الأشياء ، الزمن في نظرها لا تقهره الا القوة ، قوة السرعة ، و سرعة الحركة ، رغم أنها تقدمنا الى الموت ، و تحدث الاصطدامات و الانكسارات ، الا أن الانسان عازم على الوصول بسرعة على حساب العمر ...هكذا التحمت نفس خضراء بالمسافة و شجون السفر، و دون سابق انذار قفز تفكيرها الى حادثة البارحة ، ماذا سيقولون بعدها ، سيقولون هربت المجرمة ، و يقول آخرون اراحنا الله منها و يقول ...آآآه ،كريم هو الوحيد ، نعم هو الوحيد ... و بدأت مراسم الندم تتشكل في كل مدارك ذاتها ، اغرورقت عيناها و كادت تنهار بالبكاء ، تصارع فكرة العودة الى البيت بأيد فارغة وقلب جريح ...حينها كان البيت مسرحا للتساؤلات ، و حقلا للظنون و الاتهامات ، الكل في الغرفة حول سرير الأم الطريحة ،رؤوس منحنية أثقلتها التساؤلات ، و شفاه تأكلها أسنان الغضب الذي تغذيه الكلمات الملتهبة ، التي تتطاير كالشظايا من كل جهة ...
كانت حينها نونة الشبح ، هكذا ينادونها ، هذه العمة العانس ، واقفة أمام الباب ، تطارد بنظراتها عيون الأم ، كأنها تريد أن تقول لها شيئا ... امرأة طويلة ، بوجه عريض تملأه عيون البوم ، تتابع مجريات الحديث في صمت مريب ، كأنها تخفي وراءها منبع الحدث ، فضولية الى أقصى درجة ، لا تفوتها صغيرة ولا كبيرة ، تساعدها شساعة البيت وكثرة أجنحته على تحركاتها المريبة ، تجدها دائما حيث لا تتصور أن تكون ، وحيث لا يجب أن تكون ، كأنها السراب ، تتصرف ببرودة ، تمر أمامك مر الكرام ، أينما كانت يثير تواجدها اسئلة الشك ، لا تتكلم كثيرا ، عندما تنظر اليها تشعر وكأنك أمام شبح تتصارع في عمقه أرواح متناقضة وملامح الوعيد ، تزرع في نفسك رهبة ممزوجة بنوع من الشفقة والحذر ، ليلة الحادث شاهدتها خضراء في آخر الرواق ، واختفت فجأة ، ولما خرجت كانت تراقبها من شباك الطابق العلوي ... لا يعرف عنها سوى أنها العمة الشقيقة ، كانت هي اللبنة الأولى في تشكيل هذه الأسرة ، تحتفظ بجميع أسرار البيت وماضيه ، لا تقوم بأي شغل ، كأنها السيدة الشرفية للعائلة ، لا يدخل غرفتها أحد ، تعيش في عزلة وهي محور البيت ، تظهر وتختفي بسرعة ، لا يحدد أحد مكانها ... في هذا البيت لا تستطيع أن تجزم أنك وحدك الا وهي معك ، الجميع يتحفظ ، صورة لظل ليس له جسد ...
ثورة : هذا أقل ماكنت أتوقعه ، ان لعنة اللقطاء تطاردها حتى الموت ، سترون ذلك ..
الأم : لقد انتهى كل شيء ، لن يكون لها المكان بيننا أبدا ، قالها الأولون ًالمربي اليه ربي ً هي ذبحت الكلب لا تسلخيه أنت .
ثورة : كنا نحنو على أفعى ، لم أكن أكرهها الا لسواد أفعالها ، انظرو الى ذلك الأبله ، أراد أن يتزوجها ، كم كنت غبيا وساذجا ، وهكذا يعيرون أبناءك بأولاد اللقيطة
الأب : يتزوج من ؟
ثورة : يتزوج خضراء
الأب : خضراء ؟! .. هذا هراء كيف يحصل هذا في بيتي ؟! لماذا أنا آخر من يسمع في هذا البيت ؟
الأم : هون عليك يا حاج مجرد كلام أطفال ، لم يكن من الأهمية بمكان ، وأنت يا ثورة كفى !..لا تزيدي .. كفي عن أذى أخيك
كريم : سأبحث عنها لعلها تكون عند عمي بامبرا
الأم : لا تحاول يا بني ، انها كابوس العائلة وانزاح ، دعنا منها ..فقط لا أريد أن يسمع أحد بهذه الفضيحة ... خضراء سافرت
ظهر نوع من الارتياح على وجه الأم ، كأنها أحطت رحلا ثقيلا ، نسيت جرحها وهمت بالوقوف ، فأعادها الألم الى وضعيتها ، تنهدت وهي تنظر الى السقف وهمهمت ، وأخيرا جاءت النهاية وبتكلفة أهون ...
كريم : ماذا تقولين ؟
الأم : لا شيء أراحنا الله منها
نظر اليها كريم مستغربا كيف تحولت أمه بين عشية وضحاها الى وحش لا يرحم ، ماكان يظن أن أمه تحمل كل هذا الكره لخضراء
الأب : اتركوها ترتاح قليلا ، لقد تعبت كثيرا ، أما تلك اليابسة ، يعني بها خضراء ، فالى الجحيم
انصرف الجميع وبقي كريم ، ولما استوت أمه على فراشها ، وضع على صدرها الغطاء ، وهمس في أذنها قائلا ...
لماذا كل هذه القساوة يا أمي ؟!.. لماذا كل هذا البغض ؟! لماذا ؟ لماذا ؟
الأم : كم أنت طيب يا كبدي ، ليت الناس كلهم كريم ، يسامحون مثلك ، ولكن هيهات هيهات يا بني الدنيا آكل ومأكول ...
خرج كريم يجر الخطى ، وهي تنظر اليه بعين الشفقة ، تنهدت وقالت .. من أجلك ، ومن أجلها ، ليس لي خيار آخر ، لعل هروبها يكون قد حمل معه كل الافتراضات المأساوية التي كانت من المحتمل أن تصيب هذه العائلة ..
وصلت الشاحنة الى محطة الوقود ، تزودت ثم انطلقت ولا يزال السائق يلتزم الصمت وأحست خضراء بنوع من الحرج وهي تنظر الى صاحب المعروف الذي وضعته في قفص ، وبدى على وجهه الانهزام وشعرت في نفس الوقت بقوة تدفعها الى خوض المغامرة بكل ثقة ومواصلة الطريق ، لعلها تكون قد تزودت هي كذلك بعزيمة أقوى ..
الآن انهما على مشارف مدينة أروان ، هذه المدينة الساحلية التي سلبت بشوارعها ومحلاتها وساحاتها ، ومآثرها التاريخية ومراكزها الثقافية وشواطئها الذهبية ، سلبت بهذا الارث الذي تركه الاستعمار الفرنسي عقول مريديها ، هنا ، في هذه المدينة كل منشغل بنفسه ، هنا تذوب كل الفوارق الا فوارق العلم والمال ، لكي تعيش هنا يجب أن تندمج ، ويبقى هذا الوجه الظاهر لهذه المدينة العريقة التي تعاقبت عليها عدة حضارات واحتوت مختلف الثقافات
من هنا تبدأ رحلتي ، هكذا قالت في قرارة نفسها .. لا يزال شيء من الخوف يدفعها الى التردد ، الا أن الأمر قد تجاوز حد التراجع ..
سأعيش الغربة ، أستنجد بالعيادات ولا شك سأجد عملا ، ولا ربما في المستشفى ، لا أحتاج الى سكن .. المهم سأكافح من أجل البقاء ولو بالانحراف ، ليس لي من ألام عليه ، لا ، لا يا خضراء ، سيحميك الرب وليس لك سواه ، ومن بعد ، ذنبي على من أوجدني وضيعني ، سأحاول ..
السائق : ها نحن في مدينة أروان ، مدينة اللهو والطرب والخمر والنساء ، هنا يا آنستي يتنفس التاريخ بثقافاته المختلفة ، ترين موزايك من البشر حسب الأصول ، الروماني ، والبربري ، والبيزنطي ، والتركي ، والعربي ، والفرنسي ، والاسباني ، واليهودي ، و ، و ... كلهم محسوبين على العرب الا القبائل لا يزالون رومان وانظري الى فيزيولوجيتهم بالمقارنة ، الأفارقة يتميزون بالشفاه الغليظة و أنوف عريضة ، المصريون مثلا رغم أنهم بيض الا أنهم أقرب في الوصف الى أغلبية الأفارقة ، أما القبائل هم من بقايا الضفة الأخرى ، ولا يزالون لأنهم لم يندمجوا ...
كثيرة هي الأشياء التي ستكتشفينها خلف الممارسات الغريبة ، مثلا العبيد لايزالون في رقصاتهم الفولكلورية يستعيدون ظاهرة الجلد ، سجلها التاريخ بهذه الطريقة على شكل شطحات روحانية الى يوم الدين ...
دخول البيض معهم تكفير عن هذا الذنب واقتصاص
انها مخلفات الأمم التي مرت من هنا وشكلت النواة الأولى لكيان جديد ، يجمعهم في آخر أعمارهم عند سن التقاعد الاسلام ، انه العربة الأخيرة في قطار الحياة التي تنقل الى القبر ، فلا تتعجبي ، ربما ترين أشياء أخرى وتكتشفين عوالم خفية وطقوس أغرب من الخيال ، فلا تتعجبي ، انك في مدينة أروان ....
خضراء : لأول مرة آتي الى هنا
السائق : اذن كوني حذرة ، هنا يعروك والبوليس ينظر ولا ينقذك أحد ، لأن ماوراء نجاتك فائدة ، واذا كانت باريس مدينة الجن والملائكة ، فمدينة أروان مدينة الجن فقط ، منهم ومنهم وقليل ما هم ...
ستتذوقين التاريخ وتستلذين معانيه وتتحولين من المحافظين ، فاذا كنت من أصول افريقية هنا تستمتعين بذلك ، فأنا مثلا من أصول تركية ، لا نزال تركيبة أساسية في هذا البلد .
على كل حال اسمي سلطان ، تحصلت على شهاد الليسانس في التاريخ من جامعة الجزائر ، وأعمل سائق في سوناطراك لأنني أحب السفر ، وأحب المال ... ربما يجمعنا الطريق مرة أخرى ونعزف حينها على وتر واحد .
توقفت الشاحنة وقال السائق : لا يسمح لمثل هذه الشاحنات بالدخول الى المدينة ، لا بد أن تنزلي هنا ، هذا أقرب مكان لوسط المدينة ، هناك النقل بأنواعه لكل وجهة تريدين .
لم تجد خضراء ما تكافئ به السائق ، فأهدته ابتسامة خاصة جمعت فيها كل معاني الشكر والامتنان ، نزلت ولما استوت واقفة على الرصيف ، نزعت خاتمها ومدته اليه
خضراء : خذ ، انه من الذهب الخالص
فنظر اليها ، هز رأسه ، ابتسم وتحركت الشاحنة بكل قوة ، أعادت خاتمها في اصبعها ومسرعة ارادت أن تمر الى الرصيف الآخر ، وبمجرد ما ظهرت خلف الشاحنة ، فاذا بسيارة قادمة بسرعة جنونية ، اراد السائق أن يتحاشاها فاصطدم بسيارة اسعاف قادمة من الاتجاه المعاكس وارتطمت بهم سيارة الشرطة التي كانت تطاردها ... كوم من الحديد ولحوم البشر ، لم ينجو في الحادث الا خضراء ، نقلت الى المستشفى في غيبوبة تامة ، وضعوها في غرفة منعزلة تحت حراسة مشددة ...
سولاف هلال
07-13-2011, 08:07 PM
الأستاذ مختار سعيدي
أهلا وسهلا بك
لم أقرأ الرواية بعد وسوف أعود بعد قراءتها بإذن الله
دمت بخير
شاكر السلمان
07-13-2011, 09:56 PM
قرأتها وراق لي حوار خضراء مع السائق
شكرا لك وتقديري
مختار أحمد سعيدي
07-17-2011, 01:58 AM
مختار أحمد سعيدي
07-17-2011, 02:05 AM
مختار أحمد سعيدي
07-24-2011, 02:56 PM
كان النوم برزخيا عميقا ، فضاء أزرقا ، لا بداية له ولا نهاية ، مجرد من الاتجاهات ، ضياع ، سباحة في عمق الماء دون مقاومة ، سكون مطلق حيث يتوقف مفعول الشعور واللاشعور ، يندمج فيه الأنا والذات بالفراغ ، انه اللاشيء ، انه الذوبان والفناء ، كأن هذا الجسد وجد ضالته ، اغتسال وتطهير من الماضي وموت السؤال ...
فجأة هبت نسمة هواء ، ثم أخرى ، وبدأت الأشياء تتشكل ، تتركب ، والحواس تستعيد وظائفها ، وقد تلقى الجسد البارد نفحة من دفء الحياة ، انه يعود من بعيد ، من عمق السفر الآخر
خضراء : آآه .. آآه .. آآه
الشرطي : ألو .. ألو .. سيدي المحافظ ، لقد استيقظت المتهمة
الممرضة : لم تستيقظ بعد ... لقد خرجت من الغيبوبة فقط ، ولا تزال تحت تأثير الصدمة ، لا ندري كيف تكون حالتها النفسية ، على كل حال لن يراها المحافظ قبل الطبيب .. أنصحك أن تبقى أمام الباب
الشرطي : أبدا ، عندي أوامر ، لن أبرح هذا المكان
خرجت الممرضة ، وبعد هنيهة عادت ومعها الطبيب ، جص نبضها ، تفقد الأجهزة ، ابتسم ونظر الى الممرضة ، ابتسمت ، ولما هم بالانصراف دخل المحافظ
المحافظ : آه ، دكتور .. خرجت من غيبوبتها ؟
الطبيب : لا ، لا تزال تحت تأثير الصدمة ، لم تخرج بعد من مرحلة الانعاش
المحافظ : اني في سباق مع الزمن يا دكتور ، والوضع لا يخدمني
الطبيب : لا أسمح لكم بأي سؤال قبل نهاية مهمتي واخراجها من دائرة الخطر
المحافظ : لن نكون ثقلاء ، سؤالين أو ثلاث
الطبيب : أبدا ، انها تحت مسؤوليتي
المحافظ : أي مسؤولية هذه التي تخدم المجرمين
الطبيب : تعالى معي الى المكتب ونتحدث
فراغ كبير يحيط بها ، كأنها ريشة تسبح في الفضاء ، دوران في الرأس ودافع للقياء ، وأوجاع مع كل نابض ، رائحة غريبة تملأ المكان كأنها تخرج من جوفها ، شبح أبيض تتشكل ملامحه وتختفي خلف الضباب ، رويدا رويدا ، تقوم بمجهود أكثر ، تقاوم ، بدأ يتبدد ، ينقشع ، ويظهر وجه امرأة تبتسم ، نعم انها شابة جميلة بلباس أبيض ، يحول الدمع بينهما ، أغمضت عينيها من شدة الألم ، أرادت أن ترفع يدها ، آآه .. آه ..ماء .. ماء
سقطت قطرات على شفتيها الذابلتين ، تلعقهما وتبتلع بصعوبة ، قطرة أخرى ، ثم أخرى ..
خضراء : أين أنا ؟
الممرضة : أنت في المستشفى ، لا تخافي لقد تجاوزتي مرحلة الخطر ، لا تتكلمي كثيرا حبيبتي ، ولا تتحركي حتى لا ترهقي نفسك أكثر ، أغمضت عينيها من جديد واختفت ملامح الحياة ، في نوم عميق .. جصت نبضها ، الأجهزة تعمل عاديا ، ليس هناك أي اشارة لخطر ما .. انه الارهاق فقط..
أغلق الطبيب الباب ، وجلس ودعى ضيفه للجلوس فأبى قائلا
المحافظ : ليس وقت للجلوس والحديث ، أنا بحاجة الى تصريحات ، الوقت يداهمني يا دكتور ، تعقل قليلا
الطبيب : عندما تنتهي مهمتي وتخرج المريضة من دائرة الخطر
المحافظ :المجتمع كله في خطر ، هذه العصابة ان تمكنت من الفرار ستكون ضحاياها بالآلاف ، يستحيل الانتظار أكثر
الطبيب : هب أنها ماتت
المحافظ : كنا نحول اهتماماتنا الى اتجاه آخر ، وحتى الآن هي أقرب الى الحقيقة من غيرها
الطبيب : أنت يا سيدي لا يهمك الا التحقيق ، انها مهمتك ، تريد أن تقوم بها على أكمل وجه ، ورغم كل الصعوبات يبقى لك هامش التحرك واسعا ، أما نحن فليس لنا الخيار تهاون بسيط وينتهي كل شيء ، اننا نتحدى الموت يا سيدي ، أرجوك لا تحاول ... ومن يدري لعلى المتهمة بريئة
المحافظ : ينظر اليه بازدراء .. سآتيك بأمر من النيابة ، مهما كانت نتيجة عملك ، لن تنجو من حبل المشنقة ، وسأتشرف على ما يبدو أن أضعه حول عنقها ، وان ماتت قبل ذلك ، ستدفع أنت الثمن غاليا ..
الطبيب : ستكون مهمتك صعبة للغاية ، يمكن مستحيلة
المحافظ : سنرى ، سنرى ..
خرج المحافظ وقبل أن يغلق الباب ، نظر الى الطبيب ، تبسم وانصرف بكل هدوء ..
الشرطي: سيدي المحافظ لقد تكلمت مع الممرضة
أدخل يده في جيبه ، ينظر الى الممرضة وهو لا يزال يبتسم
المحافظ : تكلمت ؟
الممرضة: نعم .. تكلمت
ولما رفعت بصرها كأنها تراه لأول مرة ، كان وسيما ، تتطاير شرارات الرغبة من عينيه وهو يقترب ، انه فارس الحلم الذي كان يجوب أفق أحلامها منذ زمن بعيد ... سحرها واستسلم كل شيء فيها كأنها سادية
المحافظ: تكلمت ؟ ماذا قالت ؟ ..
لا تزال تنظر اليه ، خدرها بنظرته الثاقبة وانتصرت خشونته الممتزجة بالرقة المصطنعة على تلك الرقة والروح الملائكية ، تنظر الى شفتيه وهي تتحرك ، انها تقول لها ما تريد وبدأت ابتسامة الاستسلام تكتسح وجهها وترسم على المحيا الشغف والاعجاب ، تنبه المحافظ لذلك وحول ذلك التيار الى عمق الشجون الرومانسية فبهتها .. وقال : أتعبناك معنا أيتها الجميلة ، تحملي خشونتنا ، هي الظروف فقط ، لسنا كما تتصورين ، فقط نخفي مشاعرنا ورقة قلوبنا وراء نصوص القانون ، وأحيانا أمام مثل هذا الجمال تخترقنا الابتسامة وتدرك العمق .. نحن ملزمون برفع التحديات .. ساعديني أرجوك .. وضع يده على كتفها فارتعشت وهمت أن ... ثم قالت :
طلباتك أوامر ، سأخرجها من هذا السكوت عن قريب .. كان صوتها قد عشيقة بحوحة وارخت حباله..
الممرضة : أرجوك ، لا تخبر الطبيب ، هذه من أسرار المهنة ..
أخرجت هذه كلمة من عمق المكر ،نظر اليها و ابتسم من جديد
المحافظ : هذا رقم هاتفي الخاص ، انني في انتظارك ، شد على يدها بكل قوة ، نظر اليها بعمق ، أكد في سريرتها موعدا ، وانصرف كعادته بكل هدوء ، كانت الممرضة تتبعه بنظرتها كأنه الشمس نحو الغروب ، ترسم في أفق عمرها كل معاني الرومانسية ودخل قلبها في غيبوبة تامة وما هي الا لحظات حتى دخل الطبيب
الطبيب: كيف حال المريضة ؟
الممرضة: آه .. نعم .. نعم .. إنها .. لا تزال ...
الطبيب: لا تخشي شيئا ، عمل الشرطة مروع ، ومعاملتهم خشنة ، ولكن علينا أن نعلمهم كيف يحولون خشونتهم وعنفهم رحمة في خدمة الإنسانية ، عند الأمم المتحضرة ، الشرطي أرحم وأرق من الطبيب ، الشرطة يا بنيتي في الأمم المتحضرة هو ذلك الجراح الماهر وهو يعالج مجتمعه ، لا جلاد سعيد يقطع الرقاب، والقانون عند الأمم المتحضرة يشرع للمساعدة على العيش الكريم والسلام والحرية والأمن والأمان ، ليس موادا لاضطهاد الأمة وذلها واستعبادها ، ان غاية القانون صنع الجنة فوق الأرض ، ولا يعذب بالنار الا رب النار ... نحن نحيي الناس ونمنح لهم الحرية هنا تنتهي مهمتنا ومهمتهم تنتهي في السجن أو تحت المقصلة ، نمنح الحياة وهم يمنحون الموت ، وما أكثر أخطاؤهم والتاريخ يشهد .. القانون لا يرحم إلا الأقوياء ، والا كان كتابا مترلا ...
فالنكن مدرسة لهؤلاء الذين يلهفون وراء الدرجات على جثث البؤس ، انهم بحاجة الى جرعة عاطفة وكثير منهم نشأ محروما من أدنى لمسة ... وأنت أعرف بهؤلاء ...
الممرضة: بحكم عدم التجربة كان الامتحان اليوم عسيرا ، لم أتعود على هذا النوع من المعاملات ، على كل حال المحافظ يظهر عليه طيب ومتفهم
الطبيب: الا معك أنت ، أما معي فكان العكس تماما ، مثل الوحش الذي حيل بينه وبين فريسته ، انهم يتدربون على ذلك ، لا يتركون للعواطف مكانة في نفوسهم ، الذي يعمل في الأمن يبيع أمه وأبوه من أجل ترقية أو رتبة أو حتى كلمة شكر ، لو تعلمين كيف يتعامل الشرطي السويسري والانجليزي والسويدي مع مواطنيه لا تصدقين .. وشتان ما بين يد انسانية حتى اذا ضربت تضرب برفق ، ويد من حديد ..
سكت الطبيب بعد أن تنهد وكأنه يجتر في كلماته ، هز رأسه وقال :
ستخرج الليلة من غيبوبتها نهائيا ، بدأت تتحسن بسرعة ، ابقي بجانبها ، سأتغيب الليلة ، يخلفني دكتور آخر ربما الدكتور مراد ، ذلك الشاب الوسيم ...
الممرضة : حسنا ، سأفعل
انصرف وعاد الوضع في نفسها على ما كانت عليه ، ترتبت الأمور ولم يبق سوى هيامها بالمحافظ ، فقررت أن تعمل كل ما في وسعها لإرضائه ... كان الهاتف في الرواق فأسرعت
الممرضة: ألو ، أنا الممرضة ، ستخرج من غيبوبتها الليلة ، أنتظرك بعد منتصف الليل ، كل الظروف مهيئة ..
غربت شمس ذلك اليوم بصعوبة ، أرهقت يد الأمل التي كانت تدفعها .. كان المحافظ في الموعد متبوعا بمساعديه
المحافظ: كيف حالها ؟
الممرضة تكلمت معي ، شربت الماء ، وسألتني أين هي وماذا حصل ، وعادت الى نومها ولا تزال
المحافظ: هل تجاوزت مرحلة الخطر ؟
الممرضة: على ما يبدو ، ستخرج نهائيا من غيبوبتها الليلة ، هكذا قال الطبيب الذي سيكون غائبا كل الليل ، يخلفه طبيب آخر جديد .. وطيب ، تخرج منذ عدة سنوات وعانى ما عانى من البطالة ، انه طيب فوق اللزوم .. يمكنك أن تبقى بجانبها انها فرصتك
المحافظ : لا أنسى لك هذا أبدا
قال هذا وهو ينظر الى خضراء وكأنه ينقش صورتها في ذاكرته ... لم تعثرو ا على أي بطاقة أو ورقة تثبت هويتها ؟
الممرضة: لا ، لا أظن
جاءت بجانبه تزاحمه المكان وتؤكد النفي
المحافظ: هكذا تعمل هذه العصابات اللعينة ، انها من احتياطاتهم الأولية
الممرضة: بدأت أعيش القصص البوليسية التي كنت أقرأها في الكتب وأراها في الأفلام
المحافظ: الواقع أكثر استغرابا وأفضع ولهذا يجب معالجة المرض بالسم
الممرضة: كل الأمراض ؟ حتى مرض القلوب ؟!! انني أتصور دائما الشرطي بدون قلب ، مجرد من العواطف ، بل أكثر من ذلك ..
المحافظ: قولي آلة
الممرضة : حاشاك ، يقولون أنكم تعتمدون على النظرية التي تقول أن المتهم مجرم حتى تثبت براءته ، أما عند الأمم الأخرى فالمتهم بريء حتى تثبت ادانته ، وحتى في القانون الفرنسي القديم الذي هو المصدر الأساسي للمشرع عندنا ، المتهم بريء حتى تثبت ادانته ، و بهذا ما أخذتم من القانون الفرنسي الا ما تجاوزه العصر ، و ما اسقطته التطورات
المحافظ :هذا فيه شيء من الحقيقة، نحن اليوم نعيش تقريبا المرحلة التي كانت تعيشها فرنسا بعد ثورتها ، و بنفس العقليات ، لا نستطيع أن نسابق الزمن و نتعدى الوضع الراهن ، لكل زمن نصوصه ، و اجراءاته ، شعبنا لم يصل درجة الوعي و النضج الذي يفرض علينا أن نشرع له ما تشرع فرنسا لشعبها اليوم مثلا ، جرعة واحدة من الحرية و يبتلعنا بنكرانه و جحوده ، و تجربة التسعينيات أكبر دليل ، ان مجتمعنا يحتاج الى مدة طويلة تحت قيادة قوية تسيره بالوصاية حتى يبلغ رشده ... لا زلنا نعيش نقصا فضيعا و رهيبا في ثقافة العصرنة و و التفتح و قبول الآخر واحترام الحرية الفردية و الحرية الجماعية ، فالجماعة عندنا أشرار ، و الحرية مقيدة ، و الحكم شمولية و استبداد تحت أسماء و مصطلحات الغواية و الغرار ، هذا هو مفهوم المعارضة عندنا ، فكيف يمكن أن نحكم شعبا بهذا التفكير ؟..عندما تزول هذه الظواهر تزول معها هذه القوانين ، لأنها تظهر بحق أنها جائرة ، أما اليوم لا أظن ذلك ، والثورة الفرنسية حررت كل الدول الأوروبية ، و كانت نموذجا عملت به هذه الدول واستطاعت أن تخرج من دائرة التخلف و الانحطاط ، فلماذا لا نعمل به نحن ، هل نحن مثلا أفضل من هذه الدول ؟..
الممرضة: انكم وبكل احترام تحسنون فلسفة المراوغة و الفخوخ لاسقاط طريدتكم ، أكثر من ذلك أنتم متميزون ، فلماذا يقال أن السجون مليئة بالأبرياء و لا يدخلها أصحاب المال و الجاه و النفوذ ، بالعكس ألغيتم الجرائم الاقتصادية التي حطمت البلاد و فتحت الأبواب على مصرعيها للسلب و للنهب و التبذير و احتكار المناصب والتعسف في استعمال السلطة ...
المحافظ: أتريدين من أن نقطع أيدي الجميع ؟
الممرضة : عندما نسمع بسرقة 3200 مليار دينار مثلا بعقوبة سبع سنوات ، لا نرى أشرف من مهنة السرقة و أرحم من السلطة..
المحافظ :نحن لا ندعي الكمال ، و هذه أشياء موجودة في كل الدول ، و المثل الفرنسي يقول ...ليس الممنوع أن تسرق و لكن الممنوع أن يكتشف أمرك ..
قالها و هو يضحك ، و كأنه يريد أن يضع حدا للنقاش ..
الممرضة : أنا لا أصدق أن الشرطي يحب بصدق ، القلب الرحيم لا يملك يدا من حديد
ألمحافظ: هل هذه عقدة أو حساسية اتجاه الشرطة ؟..
الممرضة بكل خبث : انك تؤكد نظريتي
المحافظ : ماذا تعني ؟
الممرضة : أنظر ، انها تتحرك ، انها تريد أن تقول شيئا ...
وضعت يدها على جبينها و قالت بلطف : انها تتحسس
المحافظ : يجب أن تستيقظ ، يجب ..
الممرضة: لا تقلق ، ستفعل ، فقط التزم الهدوء ، انك في مستشفى
المحافظ: لا أحسن الانتظار في مثل هذه المواقف
الممرضة: عقولكم تشتغل ليلا و نهارا ، لا وقت للقلب عندكم ، جردوكم من كل المشاعر الانسانية .
المحافظ: لولا هذه الآلات البشرية كما تسمينها ، لما وجدت لحظة واحدة للعاطفة ، ولعاد عهد النخاسة و أنت الآن في الأسواق نشتريك بثمن بخس
الممرضة : كلمة حق تجاوزها الزمن..
المحافظ : حكم عاطفة
الممرضة: المرأة أنانية في الجانب العاطفي أكثر من الرجل ، آلية في الحب لا شعورية ، انها تقهر العقل لتحظى بالمستحيل ، في بعض الأحيان تدوس كل القيم لبلوغ ما تريد ، بل لبلوغ المستحيل
المحافظ: لو كنت في الجهاز الأمني لغيرت رأيك
الممرضة: هو الكبد والمكر ، انها الوجه الآخر للعصى والعفيون ، ألم يقال أن المرأة ملاك يسكنه شيطان ؟
المحافظ: هكذا نفيت وجود الرجل في كل المجالات
الممرضة: الرجل خلق من أجل المرأة ، وكل عظيم وراءه امرأة
المحافظ: وكل فاشل وراءه امرأة
الممرضة: بمكرها ودهائها ، وهذا جانب من الذكاء
المحافظ: العمل الأمني لا يميز بين الرجل والمرأة ، الذي يهمه هو النتيجة ، الحقيقة ، ولا تهمه حتى الطريقة
الممرضة: أعظم القضايا ماتت مع أصحابها والمجهول المصطنع لا يزال يفرض نفسه ، أنتم من حول الحقيقة الى قضية فلسفية مبنية على النسبية ، هكذا حولها رجال القانون مثلك ...
يقال اذا أعدت بناء بيتك وجدتها لا تزال مجرد كلمات متراصة في جدران
المحافظ: لا تزالين في النظري
الممرضة: انه مجال العقل والحقل العذري
المحافظ: مجرد فلسفة
الممرضة: أم العلوم يا سيدي
المحافظ: كانت أما ، أما اليوم الكمبيوتر بدأ يفكر
الممرضة: وهكذا فرضت الآلة نفسها على المشاعر .. انها نهاية الروح الانسانية
المحافظ: انها السيطرة المطلقة على الأشياء ، وتسخيرها للوصول للحقيقة المطلقة ، الحقيقة التي أتعبت الانسانية عبر أحقاب التاريخ
الممرضة: نتمنى أن لا تجردنا هذه الحقيقة من عواطفنا
المحافظ: لا تخشي شيئا ، قريبا سيصل العلم الى صنع الآلة التي تبكي وتضحك وتحزن في مكان الانسان
الممرضة: وتحب وتكره ، وتنام .... أليس كذلك ؟
هيا يا سيدي هناك غرفة في الخلف باستطاعتك أن تمتد فيها قليلا ، الليل لا يزال طويلا والكلام لا ينتهي ، فاذا حدث جديد أيقظتك ... اتبعني ..
فتحت الباب أوقدت المصباح وقالت :
تفضل سيدي ، النوم أفضل مهدئ للأعصاب
المحافظ: نصف ساعة فقط
امتد على السرير ، وقفت أمام الباب ويدها على الزر ، أطفأت الضوء ثم أوقدته ، أغلقت النافذة ، وقفت على رأسه
المحافظ: لست مريضا
ضحكت وقالت بمكر .. ما فحصتك بعد ..جلست على حافة السرير ، مالت عليه ... لم يحرك ساكنا ، قامت ، أطفأت المصباح وأغلقت الباب وذهبت ... هل خفق القلب في غير محله ؟ هكذا قالت ، ما أبشع الخطأ العاطفي وما أتفه العبثية ...
كانت حينها المريضة قد فتحت عينيها ، تحاول أن تتعرف على هذا المحيط الذي بدى لها غريبا ، لا تستطيع أن تتذكر شيئا ، تترادف عليها الأسئلة ، وبدأت الحيرة تتشكل على ملامح وجهها وهي تنظر الى الممرضة ...
الممرضة: سلامتك
المريضة: ماذا حدث ؟
الممرضة حادث مرور
المريضة: حادث مرور ؟.. لا أذكر !
الممرضة: ما اسمك ؟
المريضة: اسمي ؟ .. اسمي ؟
بهتها السؤال ، انفتح فمها ، وأخذت تنظر اليها ، فاضت عيناها ، انها تختنق ، كانت يدها مقيدة في السرير ، بدأت شفتها ترتعش ، أرادت أن تصرخ وخانها النفس ، فحولتها أنين
الممرضة: أنا ممرضة ، لست شرطية ولا محققة ... يجب أن تقولي ما اسمك وعنوانك حتى نبلغ أهلك ...
تركتها وذهبت لتوقظ المحافظ ، وقف عند رأسها ، رسم بسرعة ابتسامته الماكرة ، وضع يده على جبهتها وانحنى عليها بكل حنو ، يصطنع الرفق ,قال :
أنت الآن أحسن
المريضة: تهز رأسها
المحافظ: ماهي الا أيام وتعودين الى بيتكم ، بالمناسبة أعطينا عنوان بيتكم حتى نتصل بأهلك
أخرج كناشا وقلما واستوى قاعدا أمامها ينتظر الاجابة
ما اسمك ؟
تنظر اليه المريضة بعيون الحيرة ، غريب انها لا تعرف اسمها ، تتساءل يستحيل أن لا يكون لي اسم ، تنظر الى الأجهزة الطبية ،أشياء كثيرة مبهمة تدور في خلدها
المحافظ: نحن نعلم أنهم أقحموك وغرروا بك .. وما أنت الا ضحية أولئك الأشرار ، ولهذا نعول عليك لمساعدتنا للقبض على هؤلاء المجرمين ، الذين أفسدوا البلاد والعباد ، تعاونك معنا يمكن أن يكسبك البراءة ، فحاولي
المريضة: أين أنا ؟ ومن أنتم ؟ لماذا هذا العذاب ؟ ماذا فعلت لكم ؟
انه الضياع ، انه التيه والاحباط ، تحاول فك يدها ورجليها ، تريد أن تنتفض وتقطع هذه الخيوط التي تربطهما بحبل الحياة ... لا تقدر .. تستسلم ...
أتوسل اليكم ، اقتلوني ، أريحوني ، أرحموني ، أرجوكم ، لماذا تعذبوني ... ماذا فعلت لكم ؟
وبدأت الأجهزة تسجل الاضطرابات والتأثيرات السلبية ، و إشارات الخطر تتزايد
الممرضة: أرجوك سيدي ، كفى ...
مذعورة ، تترجى المحافظ وتتوسل اليه للخروج
المحافظ: هذا الانكار الكوميدي لا يخدمك يا آنسة ، من الأفضل لك أن تعترفي ، الأمر ليس بالبساطة التي تتصورينها ..
فاضت عيناها بالدمع وخنقتها العبرات وأنين الوجع ، تمتخض وكأنها تحت صدمة كهربائية ، وتيقنت الممرضة أن المريضة دخلت مرحلة الخطر ، فبدأت تترجى المحافظ كي يتوقف ولكن أسر على متابعة الاستجواب وكأنه يدفعها الى الموت
فقالت : سيدي المحافظ ، اما أن تخرج واما أنادي الطبيب ، ما اتفقنا على هذا أبدا ، الرحمة يا سيدي
- ماذا يحدث هنا ؟
المحافظ : أنا محافظ الشرطة
- مرحبا بك ، وماذا تفعل هنا ، وفي هذا الوقت ؟
المحافظ: أستجوب المتهمة
-هل أذن لك طبيبها بذلك ؟
الممرضة: لقد خرجت من غيبوبتها وقد تجاوزت مرحلة الخطر ، لا أظن أن هناك مانع ...
-هل أذن الطبيب بذلك ؟
الممرضة: لا ، يا سيدي
- سأحيلك على مجلس التأديب وأنت موقوفة عن العمل ، وأنت يا سيدي المحافظ ، عليك بالانصراف حالا ، أنظر المريضة تعاني من وعكة خطيرة ، اتركوني أقوم بواجبي ... هيا ، أرجوك سيدي ..
المحافظ: هذه سابقة خطيرة ، ستكلفك الكثير
-يا سيدي مهمتنا انسانية نتحمل بكل مسؤولية تبعياتها ، عودة المريض الى الغيبوبة أخطر
المحافظ: لا يهمني ، هذه مجرمة تنتظرها المشنقة ، ستعترف بالرغم عنها ، أما أنت ستدفع الثمن غاليا
-أنظر الى حالتها تتدهور شيئا فشيئا .... من فضلك اتركنا نقوم بواجبنا .. موتها لا يخدمك ، أعرف ذلك .. فكفى أرجوك
المحافظ: ولا كلمة ! .. رفع يده في اتجاه الطبيب ، ثم أنزلها وخرج يسب الرب والدين
ولما اختلى بها ، أغلق الباب ، وجلس أمام سريرها يسألها :
ما اسمك ؟
المريضة تنظر اليه
-أنا صديقك ، كيف دخلت الى العصابة ؟ أين الحقيبة ؟ لا تزال المريضة تنظر اليه ، كانت الصدمة أكبر من أختها ، وضع الخنجر في رقبتها وقال لها :
من أنت أيتها اللعينة ؟ قولي والا قطعت رقبتك ، تنظر اليه ، تهز رأسها يعني افعل ، تترجاه بعينيها ، افعل ... هو كذلك موتها لا يخدمه
-سأعود اليك في وقت آخر ... لن تفلتي من يدي ، احسبي لي ألف حساب ...
خرج ، وكأن الأرض ابتلعته ، وماهي الا دقائق حتى عادت الممرضة يتبعها رجال من أمن المستشفى
الممرضة : ماذا قال لك ؟
المريضة : نفس الذي قاله لي الطبيب الأول ، ما اسمك ؟ كيف دخلت الى العصابة ، وأين الحقيبة ؟ وأراد أن يذبحني بخنجر كان في جيبه
الممرضة : ماذا قلت له ؟
المريضة : أقتلني ، ستريحني ، فانصرف ، وقال سيعود في وقت مناسب ، هددني
خرجت تجري الى الهاتف
الممرضة : سيدي المحافظ ، لقد خدعنا ذلك الرجل الذي ادعى أنه طبيب ، انه شخص مجهول .. ألو .. ألو .. سيدي المحافظ .. هل أنت تسمعني ؟
كان المحافظ حينها يعيد قراءة المعادلة ويرتب احتمالاته الجديدة ..
المحافظ : اني أسمعك ، انتظريني ...
قطع المكالمة وقصد النستشفى
المحافظ : اذن ذلك الرجل ليس الطبيب ، ومن تتوقعين أن يكون ؟
الممرضة : أنا ؟ أتوقع ؟ وكيف لي أن أعرف ؟
المحافظ:أنا ما قلت تعرفين ، قلت تتوقعين
الممرضة : هل أنا متهمة بالتواطؤ مثلا ؟
المحافظ: انك تقولين أشياء خطيرة يا آنستي
الممرضة : أقسم ..فقاطعها قائلا ..
لا ، لا ، أبدا .. فقط ، لا يعقل أن أقدم ممرضة في المستشفى لا تعرف كل الأطباء ..المهم ، سنعود الى حديثنا هذا في الوقت المناسب أما الآن ... ماذا قال لها ذلك المجهول ؟
روت له كل التفاصيل وتأكد من المريضة التي كانت ترد بالاشارة ، كانت حالتها متدهورة جدا ... نظر الى الممرضة ابتسم وخرج ..
الممرضة : أرجوك ساعديني ، أنا الآن في ورطة ، قولي أي شيء ، على كل حال لن تخسري شيء ، لأنه لم يبق لك شيئا ، الشرطة تعرف عنك كل شيء ، تعرف أنك تابعة لعصابة خطيرة ، وأنك عضو فاعل ونشيط ومتميز ، أفحمتيهم نجوت عدة مرات من الاعتقال بأعجوبة ، ولولا الحادث ما كان يكشف أحد عنك شيئا ... لا شك أن نهايتك حبل المشنقة ... نعم المشنقة ... أنت مجرمة ... مجرمة ... مجرمة ..ماذا ستستفيدين من سكوتك ؟
حينها كانت المريضة في طريقها الى غيبوبة أخرى ، فأرادت أن تهزها ولكن يد الطبيب كانت أسرع ، فأمسكها وأخرجها من الغرفة بكل هدوء ، وعاد يتفقد المريضة ، فحص عادي ، أمر ببعض الحقن ، أعادها الى وضعيتها العادية بمسكنات ولما هم بالخروج دخل المحافظ
المحافظ: أظن أن مهمتك انتهت يا دكتور ، ها قد جئت بأمر من النيابة لاستجوابها
الطبيب : هي لك ، تفضل
تقدم المحافظ فوجدها في غيبوبة تحت رحمة الأجهزة الطبية ، تراجع بغيظه يصبه على الطبيب ، ترك له استدعاء رسمي وخرج
نظر الطبيب باشمئزاز الى الممرضة ، أمر بأخرى لتمريضها وخرج ، بعد نهاية الدوام مر الى القسم ، سمعوه وحرروا له محظر وذهب ، في اليوم الموالي أتى بامرأة سوداء من قسم الولادة ، دخل على المريضة وقال لها :
أمك تريد أن تراك
المريضة : تنظر اليه والحيرة تملأ وجهها
دخلت المرأة تبكي وكأنها هي ، حضنتها برفق وهي تسألها :
ماذا جرى لك يا بنيتي ، ماذا جرى ؟ من فعل بك هذا ؟ وكيف ؟
لماذا لم تخبريهم ليتصلوا بنا ، بحثنا عنك في كل مكان ..
لا تزال المريضة تنظر الى المرأة ، في حيرة ... وتنظر الى الطبيب
الطبيب : انتهت الزيارة من فضلك ، عودي اليها في المساء أوبعد الدوام ، المهم أنك تعرفت عليها ... لا تزال تحت الصدمة ..
المرأة : سنأتي جميعا في المساء ، هوني على نفسك يا بنيتي ، ارتاحي ...
خرجت المرأة السوداء ، ولا تزال المريضة في عالم آخر ، في غربة ، في دنيا أخرى ليس لها أول ولا آخر ، كأنها ولدت من جديد ...
الطبيب : ماذا بك ؟
المريضة: لا أعرفها يا سيدي ... وانفجرت بالبكاء .. أنا لا أعرف هذه المرأة ... لا أعرف أحدا .. بل لا أعرف حتى نفسي !!! أرجوكم ارحموني
تيقن الطبيب من الأمر الذي كان يشك فيه ، هز رأسه بأسف ، تنهد ، و لما هم بالآنصراف تذكر..
الطبيب : تابعوا نفس العلاج ، بعد أسبوع سنحولها الى القسم المختص ،اذا جاء المحافظ اتركوه يستجوبها ، لقد تجاوزت مرحلة الخطر..
مختار أحمد سعيدي
07-24-2011, 02:58 PM
الفصل الثاني
دخل كريم الى غرفة خضراء ، لا تزال صورتها فوق الطاولة تحتفظ بتلك الابتسامة النابعة من عمق البراءة ، تتحدى الراهن ،تملأ بنظرتها فضاء النفس ، أخذها ينظر اليها بعيون الشوق الهمعة ، تعيده الى سن الطفولة ، الى قهقهتها ،غنجها ،دلعها ، صوتها الجميل و هي تنشد ، رقطاتها ،تمايلاتها و هي تمشي ، كيف كانت تجري و تختفي خلف الأثاث و تحت الأسرة ، كانت تملأ البيت بالحياة ،حتى العمة نونة اخترقت سكونها ، و كانت تقطف من ثغرها الابتسامات ، عندما كان يضربها ، تبكي ، فاذا صاح كالديك وانفظ بدراعيه غلبها الضحك ، فتمتزج في محياها الدمعة بالسرور ، لترسم أجمل و أروع صورة للبراءة و التسامح ، فاذا سألوها من ضربها تقول باستحياء و خبث ...ضربني زوجي ...فيضحك الجميع ...
يتبع...
لا يزال يذكر كل التفاصيل ، كانت تكبر بسرعة ، تشكلت فيها مظاهر الأنوثة الحالمة ، كأنها وردة تتفتح كل يوم أكثر و تزداد جمالا ...بعد المراهقة بدأ يكتسحها الشرؤد من حين الى حين ، و أمست تحب الاعتزال ، ازدادت جمالا واختفت حيويتها واندثرت قهقهتها و غارت بسمتها ...لا تعرف الفراغ ، من الثانوية أو معهد الشيه الطبي الى المطبخ ، أول من يقوم من النوم هي و آخر من ينام ، تخدم الجميع ، تهتم بالجميع ، و لا يذكرها أحد ، ما رأى أمه يوما حضنتها أو أرفقت بها ، في حين كانت أخته ثورة مثل الأميرة ، الآمرة في كل شيء ، أطيب الأكل اليها و أجمل اللباس لها ، وحدها لها الحق في النزهة و السفر و الذهاب الى البحر و المخيمات الصيفية ...خضراء لا تطلب شيئا ... الغريب في الأمر أنها لا تشتكي أبدا ، حتى عندما تمرض تختفي ، ولا من يسأل عنها ، وحده هو يذهب اليها و يشتري لها الدواء ، في عيد ميلادها هو وحده أيضا الذي يقول لها عيد ميلاد سعيد ، و يقدم لها هدية ، كان بهذا يستعيد لها شيئا من بسمة زمان ممزوجة بدموع أخرى ، تأخذها و تجري كالطفلة الى غرفتها ، الشيء الوحيد الذي كانت تحافظ عليه هو مظهرها ، رغم بساطة ملابسها ، كانت تظهر كعارضة أزياء ، تؤجج نار الغيرة في ثورة التي كانت مثل السلك ،بيضاء بلقاء و حديدية الوجه ، صورة طبق الأصل للأم بلسان أطول و أحد ، توقفت عن الدراسة في الطور الابتدائي لغياباتها المتكررة و تستر ألأم عنها فطردوها ...
الصمت هنا سيد الموقف ، لأن السكون يروي قصيد مآثر خضراء ، ينشدها الوجدان و يعزف لحنها ألم الفراق على ايقاع الزفرات المتتالية ...آآآه و آآآه ..لقد أخذت معها كل معاني الفء و نبضات الأمل ، حتى الساعة توقفت متحدية مسيرة الزمن لتسجل أثر ما كان هنا . لم تأخد من أمتعتها شيئا و هي في مقام العزاء ...فتح الدولاب ،ملابسها مطوية على الرفوف و معلقة ، كانت خياطة بارعة و طباخة ماهرة ، يتصورها في كل بدلاتها ، رشيقة القد ممشوقته ، واسعة العينين ، طويلة الرقبة ، ناهدة الصدر ، ضيقة الخصر ....يوم جاءت بها أمه ، كان لا يزال طفلا ، استغرب لكونها سوداء ، يهز بها المهد و يشد لها الرضاعة ، يساعده على ذلك عمي المبروك بامبرا ، صديق العائلة ، يمزح دائما و يقول ، أنا اليوم شريك معكم بخضراء ، كان هذا الكلام يربك الأم ويتلون وجهها ، ما شعر بانسحابه من العائلة وانقطاع زياراته التي كانت يومية أنذاك ... و تبادرت الى ذهنه فكرة ..و من يدري لعلها تكون عنده ، أو يكون عل علم مكان وجودها ، فخرج مسرعا ...
عمي المبروك رجل أسود ،طويل ، عريض الصدر ، بيضاوي الرأس ، أبيض العينين ، و اسع الفم ، عريض الأنف ، صغير الأذنين ...اجتمعت في وجهه علامات الشقاء ، تغطيها الطيبة و براءة الأطفال ، سهل المراس ، لين الاندماج، طليق اللسان كثير التنكيت ، بارع في رواية الأساطير و كرامات الأولياء و الصالحين ، هكذا كان ريحا مرسلة بكلماته الطيبة طوال حياته ، عندما يتكلم عن نفسه كأنه يسلخ ذاته أو يجلدها و هو يبتسم ، انه الهم الذي يضحك ...
لما دخل كريم عليه كان جالسا ، فقام اليه و أجلسه في مكانه و هو يغمره بالترحيب و يحتويه بتلك الابتسامة اللطيفة التي تبعث في النفس الارتياح و الأنس ، كان عمي المبروك يحضر شاي المساء ، تراه و كأنه الفنان أو الساحر ، يمارس حركات تحت تأثير الهام روحاني لصناعة متعة الفرجة في تحضير الشاي ...
جلس أمام ضيفه و واصل عمله بنفس الوتيرة دون اهمال حفاوة الاستقبال و كرم الضيافة ، هذا الهدوء زرع في نفس كريم بدرة أمل ، فأسرع يفرغ جعبته مرة واحدة و دون مقدمات ...
كريم : هربت خضراء يا عمي مبروك ..
المبروك و بكل هدوء : أعرف ذلك
كريم: أين هي ؟..
المبروك : أردت أن أقول لك ، كنت أنتظر ذلك ، كثر عليها الضغط ، مسكينة خضراء ، لا ظهر لها و لا عصا ، كأنها غصن طفيلي في شجرة وجب قطعه ، صدق أبوك لما يسميها اليابسة ، لا زلت أذكر ذلك اليوم الذي جاءت بها أمك ، حز في نفسي سؤال و لم أجرأ ، لماذا جاءت بهذه السوداء المسكينة ، كان يظهر لي انذاك تافها ، قالوا أنها وضعت مخلوقا مشوها و مات ، فعوضوها بهذه السوداء ، وكتموا عنها ذلك حتى استعادت عافيتها فاخبروها بالحقيقة ، لم تتقبل في أول الأمر ، الا أن معاملتها لها كانت عكس ذلك ، و الأغرب كانت تحضنها برفق الامومة الحانية ، كنت أحب خضراء كثيرا كأنها ابنتي ، أحن اليها و أذهب اليها كل يوم ، و من كثرة اهتمامي بها شعرت بنمو بذرة البغض و الكره عند سترة أمك اتجاهي ، و لم يهدأ لها بال حتى دبرت مكيدة ، و أحدثت ، سامحها الله القطيعة بيني و بين الحاج ، فأسمعني ما لم أكن أتوقعه منه ، عيرني و هددني ، فانقطعت صيلتي بكم .. كبرت خضراء و توظفت في المستشفى حيث كنت أعمل بوابا ، و تجددت صلتي بها ، فكانت لا تفارقني ، تمنيت أن أخطبها لابني رابح ، لكنني خشيت ردة فعل الحاج ، و صارحتني بتعلقها بك ...كانت تحبك كثيرا ،بقاؤها الى اليوم كان بسببك ، تحملت من أجلك الكثير ولكن ...
كان كلامه يقرع قلب كريم قرعا ، و حف المجلس بهيبة الاخلاص و عظمة الوفاء و صدق التضحية ... كان العطاء كبيرا حتى أعجز الوفاء على مجاراته ، واستصغر كريم كل مواقفه ،و طابت الجلسة واشتد الحنين ، و تدفقت الذكريات كمياه الشلال الباردة تغسل الظن من الشك ، وكانت جرعات الشاي تنزل ساخنة ، تشق في طريقها مهجة الصدر ..
كريم: كأني غريب في هذا البيت ، يحدث كل هذا و لا أحد يعلم !!...
المبروك: انها أرسرار البيوت يا بني ، للنساء فيها شؤون و للرجال خلفيات ...وفي رأي لا تحاول ، لن تصل الى شيء أبدا ..خضراء عقدة القدر لا يعرف حلها الا الله
كريم: لا أستطيع يا عمي ، البحث عنها أصبح بالنسبة لي ضروري و أكيد ، ينتابني شعور غريب و أريد أ، أكتشف هذا المجهول الذي يدفع الحدث ، أتمنى فقط أن لا تكون قد انتحرت
المبروك: لا أتوقع هذا ، انها أقوى بكثير
كريم: هل يمكنها ان تذهب الى الخارج مثلا ؟
المبروك : الذي أعرفه أن ذهابها لم يكن ارتجالي
كريم: استسمحك ، أتركك بخير
المبروك: ماذا حدث ، لا بد و أن هناك قطرة أفاضت الكأس
كريم: نعم يا عمي المبروك ، ضربت أمي بخنجر
المبروك : لا !!.. أبدا غير ممكن ، لم تفعلها ، و لا أصدق ..
كريم: انها الحقيقة رأي العين
المبروك: أبدا ، هناك سر خلف الحدث ، خضراء لا تقتل حتى الذبابة ..
كريم: انها الحقيقة المؤلمة يا عم ، و لهذا أنا مقيد و لا أستطيع أن أغامر الآن ، أرجوك لا تفشي هذا السر حتى لا يسمعه أهل القرية فينقلب كل شيء
المبروك : أبدا ..أبدا .. ليتني أستطيع أن أفعل شيئا ..
ذهب كريم و عاد المبروك يبحث عن الحلقة المفقودة ، يسترجع تفاصيل الماضي و مكائد سترة ، حتى ما تساقط منها على هامش المواجهات ...كانت الغرفة واسعة ، مفروشة بالزرابي الصحراوية الحمراء ، بعض الوسائد من الصوف بيضاء كأنها خراف جميلة هنا و هناك ، على الجدار صورة للكعبة الشريفة ، حلم ما أستطاع تحقيقه ، فوقها ساعة قديمة من عهد والده ، تنبهه كلما مر من العمر نصف ساعة ، تتزاحم الذكريات في عمقه و تصارع الابتسامات الكآبة على وجهه ، هو كذلك ذهبت زوجته مرغمة ،توفيت منذ أربع سنوات نرغم هذا لا يزال يصنع لأحفاده الفرحة من ألمه و وحدته ، يحكي لهم همومه المضحكة ،أراد أن يقول لكريم الحقيقة ، الا أنها اليوم قد تجاوزها الزمن ، ربما تفسد أكثر مما تصلح ، فكتمها ، و من يدري ربما يأتي القادم بنفخ في الحدث جديد ..شق عليه وضعه .
في طريقه الى البيت ، كان كريم مبعثر الأفكار ، يهدده اليأس من جهة ، و يدفعه العزم الى خوض المغامرة ، يحاول أن يجمع ما استطاع من حصى لتمهيد الطريق الذي يوصله الى ما وراء الحدث...ما أقساك يا أمي خلف ذلك الستار .
دخل يجر ذيل الخيبة ..
الأب : أين قضيت يومك ، ما رأيتك طوال النهار
كريم: أبحث عنها
الأب : تتحداني يا كريم ؟..أم هي السذاجة التي ستورطك ...كم أنت أحمق و مغفل ، يا بني لو كانت اليابسة تحبك كما تدعي ما كانت لتفارق البيت أبدا ، و حتى لو عثرت عليها اليوم ، كيف تثبت براءتها أمام الناس ؟..أين هي الآن ؟.. لقد أصبحت من بنات الشارع
كريم في نفسه : و متى كان للبائسة أب أو أم ، منذ عرفتها و هي تدفع ثمن خطيئة الآخرين ..
ثم قال : الغائب حجته معه ، و من يدري يا أبي يمكن أن يكون قد أصابها مكروه أو انتحرت ...الغضب أوله جنون و آخره ندم
الأب : لا زلت تعيش بالنية الحسنة ، بنات الليل كألسنة الحمير يأكلن الشوك بلذة
يتبع...
رياض محمد سليم حلايقه
08-25-2011, 10:30 AM
رواية جميلة تحاكي الماضي وتربطه بالحاضر فما زال هناك عبيد ولو بمعنى اخر والحب ليس له مكان بين الغنى والفقر والعائلات المتباينه
ننتظر نهاية الروايه بشوق
مع التقدير
مختار أحمد سعيدي
09-13-2011, 10:21 PM
نظر كريم الى أبيه وكأنه يراه لأول مرة ، يحاول الولوج أكثر الى ذخيرة الشر في ذاته ...
كريم : لا علاقة للزمن بهذه الأمور
الأب :المرأة كالدجاجة تطعمها كل العام ولا تشبعك ليلة ، هكذا قال جدك يرحمه الله
كريم : على كل حال ، أمي ليست كذلك
الأب: أمك من نساء زمان ، كن أمانة في أعناق الرجال ، أما اليوم المرأة حبل في عنق الرجل ، هذه الأصيلة ، أما اللقيطة مثل اليابسة فحدث ولا حرج
كريم: رغم هذا لا تزال المرأة هي الأم والأخت والزوجة و.... وليست خضراء كل النساء وليست النساء كلهن خضراء
الأب: أشغل نفسك بما هو أهم ، واترك هذه التفاهات ، أستاذ مثلك على أبواب المستقبل ومحامي في مقتبل العمر ينتظره الكثير : لما كنت في سنك رغم جهلي ..
وبدأ يعيد سرد حكايات مغامراته وتحايلاته وحيله ، حينها كان كريم قد انتقل الى عالم الافتراضات يحاول الوصول الى المجهول في كل طرح ، وفهم الأب أن ولده لم يعد يستمع اليه فسكت ..وساد الصمت ، فتنهد كريم ، وقام مستترا بابتسامة مجزاة ، وترك الوالد يجتر في نفسه أيام شبابه وزهوه ، يلعن كعادته شيبته وضعفه وهوان أمره ونواهيه ، يلعن وجوده على الهامش بدعوة الحفاظ على صحته ، وهو يعرف أنه لم يبق فيه الا اللسان السليط ، ولكن لا يهم كما يقول المثل ، أقلقهم فقط حتى لا ينامون .. وقبل أن يخرج التفت اليه قائلا
كريم : عمي المبروك يبلغك السلام
الأب : المبروك ؟!
كريم: نعم ، عمي المبروك بامبرا
الأب: أسود القلب لا يتحرك الا في الظلام ... خفاش ، لاشك أنه هو من أفسدها
كريم : ما علاقته بها ؟ ولو كان الأمر كذلك لذهبت عنده
الأب : أنت لا تعرف هذا الصنف من البشر ، يحرقون البيت ، ويبكون مع صاحبه
كريم: هكذا اذا ، هي علاقة أطفال ؟ هذا كان صديق الأسرة ، كنا نعده عما لنا ، شاركنا المسرات والمكاره ، أنا لم أر فيه ما ينافي الأخلاق الفاضلة ، وقد استقبلني بحفاوة بالغة ، كان أطيب ما يكون
الأب: طيب الله لحمه بالنار ، كاد يحطم أسرة بكاملها لولا فطنة أمك
كريم : ماذا فعل ؟
الأب : لا تحاول
كريم : عمي المبروك ؟!
الأب: لا بارك الله فيه وأعماه
كريم: لم نسمع بهذا
الأب: قلت لك لا تحاول
خرج كريم وهو يحاور الأنا ولاتزال خيوط الماضي تتعقد ، وهذه الأسرار جزأها القدر وعسر جمعها ، وفكك الحدث ووضع في كل منعطف نفسي سببا يبرر خلفيات سكوت ضاعت دوافعها ، ولا أظن أن السؤال هو مفتاح هذه الأبواب الموصدة .. ينظر الى أخته ثورة من بؤر الذاكرة بقدر ماضاقت عينيها بقدر ما ضاقت بصيرتها تتطاير منها شرارات الكره محرقة ، الأم كأنها تمثال نحت من الصم لا تؤثر فيه فصول الذوات ، باطنه كظاهره ، يتعامل مع الجميع برطوبته وبريق ظاهره ، العمة حية تسكن دهاليز البيت تتلون بلون الحدث ولا تقول شيئا ، انها العلبة السوداء ، حتى ترتيب الأثاث وألوان والستائر والصور على الجدران كانت تصنع نوعا من القلق وكأن اليد التي مرت من هنا كانت تخفي وراء كل لمسة سر ، ووراء كل شيء ظن ، هذا البيت العتيق من عهد المعمرين تجاوز المائة سنة تظنه لا يزال يحتفظ بظل أصحابه الى اليوم ، تزرع التنافر لتفرض وجودها في وسط هؤلاء الأحياء لتنتقم ، كأننا لسنا نحن ، كم من مرة تحدث بعض الخوارق يستحي أحدنا أن يعيدها ، خوفا من اتهامه بالجبن أو الجنون ، نسر بها الى بعضنا البعض حتى يعرفها الجميع ولا يذكرها أحد .. عندما ننزل الى القبو وكأننا في قبر ، يشعر الداخل كأنه يعيش تلك الأفلام المرعبة التي تسيل العرق البارد في البدن ، نستعجل الخروج متسائلين ماذا حدث هنا ؟ .. غريب ، كثيرة هي خبايا الحدث بين أفراد أسرة لا يتجاوز عددهم أصابع اليد ، رغم كل الفضول ، لا نزال نجهل الكثير ... هكذا حتى وجد نفسه أمام غرفة مكتبه ، كانت العمة نونة في آخر الرواق فاختفت ، لم يراها منذ ليلة الحادث ...
دخل ، جلس على حافة المكتب ليواصل ذلك المنولوج ، الا أن الحبل الذي كان يربطه بفلسفة هذا الاكتظاظ انقطع مرة واحدة ووجد نفسه يدور في دائرة مفرغة حلقاتها من صنع الصمت الذي يحاصر هذا البيت ، الشيء الوحيد الذي يخشاه الانسان عندما يخوض أي مغامرة أو يريد أن يرفع أي تحد هو عامل الصمت ، لأن وراء كل سكون عاصفة كما يقول المثل ...
يعود الى حديث أبيه عن المبروك وعن خضراء ، يستحظر تلك العدوانية التي تمكنت من نفسه اتجاههما
-ماذا تريد أن تجني من امرأة أنتجتها الخطيئة ؟
-ماذا سيقول الناس عنا ؟
-ماذا تنتظر من امرأة خبيثة الا ثمار خبيثة !
-المفروك ، لابارك الله فيه وأعماه !
-ذلك الأسود ، أسود القلب !
-انها اللعنة التي لا تزال تطاردنا !
كانت هذه الكلمات تتردد في عمق كريم كأنها انفجارات لألغام قديمة زرعتها النيات المبيتة لتفجير ما تبقى من الحقيقة ... تذكر العمة نون فقام يبحث عنها ، في آخر الرواق كان سلم الطابق العلوي ، صعد ، في آخره نافذة تطل على الحديقة ومدخل البيت ، حيث كانت تقضي العمة أكثر وقتها ، هنا لا يأتي أحد ، لا الأب ولا الأم ، مرض الروماتيزم وأوجاع الظهر تحول دون المغامرة ، وثورة لها كل ما تريد في الجناح الأرضي ، بل أكثر من ذلك هي من سمت العمة نونة بالشبح ، انهما لا تتواجدان في مكان واحد أبدا ، تقول لهم دائما لو يموت أبي سأطردها شر طردة ، عندما تسمعها نونة تضحك ملأ فاها ، ثم تنظر اليها بمقت قبل أن تنصرف ، تقول لها دائما. . سنرى من ؟ ..
ذهب الى غرفتها يدق ، لا أحد يرد ..
كريم : عمتي ! عمتي .. ! عمتي ..!
ولما هم بالانصراف ، هاهي ذي قادمة من هناك ، من منعطف الرواق المظلم ، لعلها تكون قد تعمدت هذا الظهور المفاجئ من حيث لا ينتظرها أحد ، فتحت دخلت ، شرعت أبواب النافذة وعادت ، أشارت اليه فدخل ... كانت صورة الجد بين النافذتين أمامه ، بشنبه الطويل وعمامته المبرومة كرزمة حبل فوق رأسه ، برداء قياد فرنسا والسوط في يده ، جوارب حمراء ووسام الشرف الفرنسي على صدره تزينه الأعلام ...
تدفع شفته السفلى العليا ، ترفعها كهامته في كبرياء وعزة ،بجانبه كلب صيد أبيض ، هناك واحد يشبهه ، يا سبحان الله ، كأنه هو ، و لكن لا يذكره ، يحاول ...غير ممكن ،على كل لا يهم ، سيفكر فيه من بعد ..
نسي أنه رأى هذه الصورة بالذات ، على اليمين طاولة من خشب اللوز منقوشة ، أمامها مقعد خشبي بني ، فوقها مرآة كبيرة جميلة ، على يساره سرير ، فوقه صورة صياد بكلابه وبندقيته ينظر الى سرب من الطيور ، ثورية من نحاس ، دولاب كبير يملأ الجدار نقش على الطراز القديم ، هذه الأثاث كلها ، لا يزال يذكرها ، جمعتها العمة نونة في هذه الغرفة ،تركها المعمر الآسباني و كانت في غرفة جده ، صندوق عرائس من الطرازالعربي القديم قيل أنه للجدة يرحمها الله ، متحف يطيل عمر الذاكرة ، جلس على الكرسي ، نظر اليها ويبتسم ..
كريم : لا تزال عمتي تعيش على الزمن الماضي دنيا زمان ، لا شك أن جدي كان يحبك كثيرا ، فأنت الآن تعيشين على ذكراه ، يقول المثل .. عز البنت الا مع أبيها وعندما تفقده عيشها يمرار ... منذ عرفتك وأنت في عزلة كم أتمنى أن أعرف وصية جدي لك ، قال أبي أنك على هذه الحال منذ قتل جدي ، قتله أعراب من أولاد جرجر أمامك من أجل الجزية لفرنسا ، قاتله هجر الى المغرب ولم يعد .. لا زلت تحتفظين بآخر كلماته.. لا يشبهه منا أحد ، اني لأستحي لما أتذكر أن جدي كان عميلا لفرنسا ، خائن أمته ...
قامت ، وقفت أمام الباب وأشارت اليه بالخروج ، ولما قام أدارت وجهها ، خرج وترك الباب مفتوحا ، أحس أنه وضع أصبعه على الجرح .. وقف أمام السلم قليلا ، لم تغلق الباب بعد ... نزل ولا شك أنها لا تزال واقفة في مكانها ، هل هي بداية تدفق الذاكرة ؟! ومن يدري ؟!
عاد الى الصالون وجلس ، أحس بالتعب ، استوى ... ارتخى ، يستمع الى نبضات جسمه ، أغمض عينيه ، فنام .. فتح عينيه ... وجدها قادمة
ثورة: تنام نوم النملة ، أجهدت نفسك يا أخي ولا تزال ، العرق دساس كما يقولون ، والعار عيب على الوجه، يتحدى أيام العمر كلها ، فماذا تريد من دخيلة السوء ، ألا تدري من أي معدن صنعت ، هذه أشياء لا يتسامح فيها الناس ، بهذا تثبت أنك ناقص مروءة
كريم: هل هي التي اختارت أن تكون كذلك ؟
ثورة : وأين ذنبنا نحن ؟
كريم : مادامت هكذا لماذا جاءت بها أمك ؟
ثورة:قال أبي كانت ظروفها قاهرة ، وكادت أمك تفقد صوابها عندما منعوها من رؤية ما أنجبت ، فكانت خضراء الحل الأسرع والأنسب
كريم: فسروا لها التشوه بالسواد
ثورة: هكذا قال أبي ، رغم هذا تأسفت و أصابها احباط ، عاشت مرحلة خطيرة جدا ،رامتها
بصعوبة، و من الفاجعة ما وجدت في ثديها حليب ، لأن الصدمة كانت كبيرة ولم تصدق ، وبعد أن صارحوها كانت خضراء كابوسا ولعنة تطاردها في النوم واليقظة ، زادت حدتها مع مرور الزمن .
كريم: اختلط عندها الحب بالكره ، هكذا كانت تقول دائما ، حسبي الله في المفروك ، تريد المبروك ،كأنه هو من نصح بها ، ثم كانت أمك عنصرية يا ثورة ، هل تعرفين السبب ؟ لأن أجدادك الأوائل كانت خادماتهم سودوات ، كانوا يعاملوهن بقساوة ، انه تواصل الباطل بين الأجيال ...
ثورة : أبدا ، ليس في الوجود أرحم من أمي ، تبكي لأتفه الأسباب ، طيبة تحاصرها الشفقة من كل جهة ، ولولا تسامحها وطيبتها ما كانت تحملت خضراء الى هذا الحد
كريم: أين العيب في خضراء ؟
ثورة : أمي تعرفها أكثر منا جميعا ، هي أقرب الناس اليها ، لا يمكن أن تكرهها بدون ذنب ، مستحيل ، وهل كل شيء يقال ؟
كريم : أكاد أكره كل النساء بما فيهن أمي ، فقد بدأ الشك يساورني حتى في نزاهتها وصون شرفها ، ألا يمكن يا ثورة أن تكون خضراء ...
فقاطعته ثورة : اياك ، واياك ، لا تحاول ، أمك أشرف من كل نساء العالم
كريم: لا ، لا ، أنا أقصد ، بل أريد أن أقول أن وراء خضراء هذه سر كبير ، اني أحاول أن أجمع الشتات والمعلومات حولها ، الا أن لبنات القصة تتنافر وتتناثر قبل بلوغ المراد ، كلما اكتشفت شيئا تعمق معناه والسر لا يزال يخفي السر فأين الحقيقة ؟
ثورة: لا تحاول يا أخي ، هذه طفلة معقدة الأطوار والماضي ، انها لغز منذ ولادتها وستبقى كذلك ، لا تحاول ، لقد عقدها القدر ، من الأفضل لك أن تهتم بما يستحق منك الاهتمام ، انك تضيع وقتا ثمينا من حياتك
كريم: لن أرتاح حتى أصل الى حل عقدة هذا اللغز
ثورة: أنت وشأنك ، لكن ما هو مؤكد أنك لن تجد ما يسرك ، ان مزبلة الماضي انتن مما تتوقع
كريم: هل أنت خائفة ؟
ثورة: ولماذا أخاف ؟ يكفي أني متيقنة أنها ليست أختي
ضحك كريم وقال : تخافين على الميراث ، ذهب أمك ومجوهراتها ، والأرض والمحلات و ...
ثورة : لم أكن أتصور أنك تافه الى هذا الحد ، وبتصرفك هذا ستدفني الى اغتيالك في نفسي ... أنت .. أنت ..
كانت الشرارات تتطاير من عينيها ، وتصلبت أطرافها وظهرت أسنانها كأنها تشد بها على رقبته ...
فقام ، نظر اليها جيدا وكـأنها تحمل كل عيوب الدنيا ، ثم عاد باشمئزاز الى مكانه وقال لها :
هيا ، اذهبي ...
ثورة: وبعد ، لا أريد أن تشاركني في أمي وأبي لقيطة سوداء
كريم: قولي ، في مال أبي و أمي ، هيا انصرفي خير لي ولك ....
فذهبت بغصتها ، تذكر جده والسوط في يده ، انها لا تشبهه الا في الخلق ، الشيء الذي هو متأكد منه أنه رأى شبيه جده ، ولكن أين ، لا يذكره ، كان جميلا جدا حتى تقول أن أمه من جميلات فرنسا ، يقال عنه أنه كان زير نساء ، يمكن أن يكونوا قد قتلوه من أجل امرأة ، ولم لا ، ماضي عائلتنا مليء بالتناقضات وأول ضحية هي الحقيقة ، ومن كانت ترد طلب القائد آنذاك ، وأي قائد ...
شغلته قصة خضراء عن التحضيرات لفتح مكتبه الجديد ، لقد أدى القسم الأسبوع الماضي وتم تعيينه محاميا لدى المحكمة ، انه الآن الأستاذ كريم .. العباءة السوداء والمحفظة ، انه الآن من المدافعين عن الحق ، المنقبين عن الحقيقة ... يبتسم ، ما أعظمها مهمة لو لم يشوهوها ... كان كريم طويلا لا يعاب وعريضا حد البسطة ، ليس بالجميل الذي يفتن ، ولا بالغليظ الذي ينفر ، اجتمعت في شخصيته الهيبة والطيبة وحسن السلوك ، يعرف كيف يقول الحق وكيف يزهق الباطل بعيدا عن التكلف والتلفيق ، جديته في الدراسة ساعدته على التحكم في سير النقاش ، أبهر اللجنة يوم ناقش رسالته ، يتميز بثقة كبيرة في نفسه ، وقرر أن يذهب بعيدا ربما الى منظمة حقوق الانسان العالمية ، ولم لا ... انه العلم والطموح ... هل خضراء هي البا الأول الذي سيدخل منه الى عالم التحريات ومطاردة الحقيقة ؟ ربما .. انه الآن وسط الدوامة وهو عامل فعال من عواملها ، الى أن يصل اليه أول موكل ، وهذا ليس غدا فسيتفرغ كليا لذلك ، والسؤال المحوري الذي لم يجد له جواب ، لماذا تريد أمه التخلص من خضراء ؟ ولا تريد أن يتذكرها أحد ، نشر صورتها في الجرائد وتبليغ الشرطة عنها هي فضيحة لكل العائلة في وسط هذا المجتمع الذي لا يرحم ، انه شرف العائلة الذي ولا شك ان انتهك ستقتل العصبية العمياء الأب الذي يعاني من عدة أمراض ، السكري ، والقلب ، انها الصفعة التي تضع النهاية له ، وسيقول الجميع وخاصة الأعراب من قبيلتهم ، ذل الحاج ، وقتله ابنه بكلام المدارس ، فماذا أنت فاعل يا كريم ؟ قال الأب ، خضراء سافرت ، هكذا يجب أن يطوى الملف نهائيا ، انها أعظم جريمة يفتتح بها مسيرته القانونية ، ويخون قسمه ، فأين الضمير يا كريم .. ذلك هو الحق يجب أن نضحي من أجله بالباطل حتى ولو كان النفس والنفيس ، مثله مثل الحرية لا يقبل الشريك ولا يحتمل التزوير ... أصبحت خضراء همه الوحيد ، يهيم بها شوقا ، يدخل الى غرفتها كل ليلة ، يجلس ، يستمع الى حديث أشيائها ،ويحمله معه حيثما أرتحل وحل ، وبدأت غمامات الحزن والأسى تغمر البيت ، وكيف لا وكريم هو الولد الوحيد ، ولي عهد الحاج وحامل اسمه والمحافظ على بقائه وخلود ذكره ، وبدأ يعتزل ، ويغيب عن مواعيد الطعام وموائد والسهرات ، مقيد لا يستطيع أن يفعل شيئا ... غارت ابتساماته يقاوم تدفق العبرات وتصلبت عضلات وجهه ، لأن البكاء في عرفهم للنساء ، ونحيب الرجال آهات وتأوهات ، الشيء الوحيد الذي كان يشغله هو تفانيه في عمله ودفاعه عن المظلومين ، أولئك الذين وكلوه للدفاع عنهم ، فكان يرافع ليرفع عنهم ما استطاع من جور وظلم وهضم الحقوق ، يجد راحته في ذلك ، ويتدمر عندما يخسر قضية وراءها رشوة ،أحيل عدة مرات أمام لجنة التأديب لانتفاضه أمامي القاضي عندما تنتهك حرمة القانون ، وتمر بعض الأحكام تحت ابتسامات القضاة ، لحماس هذا الشاب وايمانه بقداسة القانون ، يعجبون به كثيرا ويتمنون له مستقبلا زاهرا ، وذاع صيته واشتد القيد على معصميه أكثر وعندما تعاوده الذكرى ، يذهب الى عمي المبروك لعله ينتزع منه بعض الخفايا ، الا أن المبروك يعرف ذلك ، فكان يتحفظ كثيرا ويحول دائما مجرى الحديث ...
كان في غرفة المكتب دائما كعادته يسهر الى ساعة متأخرة من الليل ، وقبل أن ينام ، يمر على غرفتها تنتعش الذكريات ويتجدد الحدث في ذاته ...
دخلت دون اذن ، جلست أمامه ، لم يرفع رأسه ، لا يزال منهمكا في ترتيب ملفاته ، قال:
مرحبا أمي ، لم تنامي بعد ؟
الأم: وكيف لي أن أنام وأنت في هذه الحالة ؟ هجرتنا ، وجردتنا من الفرحة بك وافتخارنا بك ، وألزمتنا الحزن والآه ، أبوك يئن تحت وطأة تصرفاتك ، يخشى عليك ويخشى أن تتهور وتكشف المستور ، فتضيع هيبتنا ويزدرينا الناس ونتحول أحاديث دنايا القوم وأراذلة القبائل وصعاليكها ، واليوم أنت في العلا يحسب لنا بك ألف حساب ، ما وجدت من وسيلة أواسيك بها سوى أن أعرض عليك فكرة الزواج ، يمكن أن تجد فيها البديل ، بل الأفضل ، ألا تظن أن خضراء انتهى أمرها وأصبحت ذكرى وأثرا لشبح مر من هنا ؟ .. ارحم نفسك يا بني ، أنت لأفضل منها أفضل ، لماذا تريد أن تنزل بالسلالة الى هذا الحضيض ، ما ركع جدك ولا أبوك أبدا ولا ركب الدنايا ، قتل جدك لتصلبه وأنفته وعزته وتحديه الجميع ، وأنت اليوم أكبر ، فأعرض عن هذا واترك الزمن كفيل بتغيير مجاري الحياة ، ان ما نحن عليه اليوم ما توقعناه من قبل أبدا ، كنا نراك وأنت صغير سيد القوم وحكيم الديار ونافذا في السلطة وابن النظام ، فاذا أنت اليوم محام تملأ القضاء همة ، حتى قالوا ، عندما يتكلم الأستاذ كريم وكأن الطير على رؤوس الجميع ، وهذه الهيبة ماصنعتها لك دراستك فقط ، بل هي ميراث وتواصل الأجيال ، كلهم يعرفون ابن من أنت يا كريم ، وما فائدة هذه القراية التي لا تعرفك بنفسك وتنزلك منزلتك ، هؤلاء كلهم أكلوا وشربوا من خيراتنا ، أكرمنا الجميع وساعدنا الجميع ، أينما يدخل أبوك يرفع في الباب وتفتح له الصدور ، يقضي حوائجه ويخرج معززا مكرما ... هناك في البادية لا يتحرك الأعراب الا باشارته ، كل القبيلة تدين له بالولاء ، هو الذي لم يجلس يوما على مقعد ، باستثناء ما قرأه من قرآن في الكتاب وحفظ بعض الأحزاب ، وكان يرافق جدك لكتابة بعض تقارير الأهالي ، فتعلم الكثير ، انها العزة التي نشأت فيها ، فكن في المستوى ...
كان كريم يستمع الى أمه وهي تعيد للمرة الألف مغامرات زوجها ومآثره
كريم: يا أمي ، يا أمي ، كل شيء تغير الا أنت وأبي ، الناس يطيعونكم لأنكم اشتريتم ذممهم ، واكتشفتم أسرارهم ، وتعرفون عنهم مالا يعرفه غيركم ، انه ولاء الخوف يا أمي ، الخوف من الفضيحة ، الخوف من السجن ، الخوف من تصفية الحسابات ، ان نفوذ أبي هو الذي صنع له هذا المجد المزيف وسيزول يوما ونظهر جميعا على حقيقتنا .. المهم لقد تأخر الوقت يا حبيبتي ، غدا نتكلم في الأمر ، أما الآن فهيا بنا الى النوم ، أرافقك الى غرفتك ، ادخلي بهدوء حتى لا يستيقظ أبي
الأم: لا .. أبدا ، لن أخرج من هنا الا بكلمة فصل ! .. يا بني ، يا بني ، أحرقت كبدي والقلب ينزف جرحك ، غير ممكن يا كريم أرتاح وأنت في هذه الحالة ! وكأنك لا تعرفنا ولا نعرفك ، أغيرتك السوداء الى هذا الحد ؟ ، حتى أصبحت تكرهنا !! ، أمن أجل امرأة يا كريم تعاقب والديك وتنتقم منهما ؟ عيب يا كريم ، انها خوارم المروءة وابتذال الشهامة ، أم أنت تمثل علينا لنرحم زلتها ؟ أبدا يا كريم لا تحاول ، خضراء هجرتنا هجر السوء ، لا نريد أن نجاهر به حتى لا نفضحها ونفضح أنفسنا ، وأقول لك أحسن ما فعلت ، و أكيد أنها لن تعود حتى لو وجدناها وحاولنا ذلك .. فابحث عن غيرها ..
كريم: سأفكر يا أمي ، ارتاحي الآن ، زواج الدوام يجب التفكير فيه عام ، كما يقول المثل ..
قامت ، دارت حول المكتب ، وضعت يدها على كتفيه تعانقه ، وفاضت العبرات تتكركب كحبات البرد وهي تقول :
أرجوك يا كبدي ، لا تخذلني ، أتمنى أن أرى ولدك قبل أن أرحل ، انني أقاوم للبقاء والمرض هتك حرمة صحتي ، اني أعاني .. نعم أعاني .. سأموت يا كريم ، وستذكر هذه اللحظة بالذات ...
استوت واقفة ، نظرت اليه ،أراد أن يقوم فأشارت اليه فرجع ، انصرفت ، وغلقت الباب وراءها
أحس كريم بقشعريرة في كامل جسده ، سأموت يا كريم .. سأموت يا كريم ... فزعت كل المدارك ونفخ شعور غريب في نفسه .. فداك نفسي يا أمي ، فداك نفسي ...
الفصل الثالث
مختار أحمد سعيدي
09-13-2011, 10:24 PM
مختار أحمد سعيدي
09-13-2011, 10:27 PM
مختار أحمد سعيدي
09-13-2011, 10:33 PM
الفصل الرابع
كان في مكتبه ، يراجع بعض الملفات ليقدمها في جلسة الغد ، فاذا بالهاتف يرن
- ألو .. ألو .. الأستاذ كريم
يحاول أن التعرف على الصوت .. غير ممكن
كريم: نعم .. من على الخط ؟
-أنا الدكتور مجبر ، رئيس مجلس أطباء المستشفى
كريم: مرحبا دكتور
الدكتور مجبر: سأزورك في مكتبك بعد الدوام ، هل يمكن ؟
كريم: ابتداءا من الساعة السادسة مساءا ، مرحبا بك
الدكتور مجبر: شكرا أستاذ .. شكرا ..
انقطعت المكالمة وعاد كريم يقلب ملفات موكليه ..لا يستطيع أن يركز .. هل الأمر يتعلق بخضراء ؟ .. ! لا ، لا أظن...بعد كل هذه المدة ؟.. اللهم اجعله خيرا ... دفع كرسيه الى الوراء ، مد رجله وطوى الأخرى ، ينظر الى حذائه ، كان عازما على شراء حذاء آخر ، لن يجد فرصة أخرى كهذه ، وقبل أن يقوم قرع أحد الباب ، استوى وأذن له بالدخول ، دخل الرجل ينظر الى كريم بعيون همعة ، وشفة ترتعش ، مرتبك تخنقه العبرات ...
الرجل: شيء فضيع يا أستاذ ، فضيع ، قتلوا زوجتي وابني ، قتلوهما المجرمون ، قتلوهما ببرودة أعصاب وبرودة دم
كريم: من قتلهما ؟ ... تعرف المجرم ؟
الرجل: في المستشفى ، يقتلون فيه بعبثية ... في مصلحة الولادة..
كريم: اجلس ، واروي لي بالتفصيل ماذا حدث ، وأقسم لك أنني سأدافع حتى انصافك ومعاقبة المجرم
الرجل: أدخلت زوجتي في حالة مخاض الى مصلحة الأمومة ، وأنا رجل فقير ، لا أقدر على دفع مصاريف العيادات الخاصة ، والجميع يعلم ما وصلت اليه هذه المصلحة من اهمال وتسيب ، متسببة في الكثير من الوفايات التي بقيت دون عقاب ، وكانت زوجتي وابني ضحيتا تأخر التوليد ، وقد أثبت الطبيب الشرعي أن ابني مات نتيجة خنق وامرأتي من أثر النزيف الحاد ... ها هو ذا الملف الطبي ، حوله الي أحد الممرضين ، ويمكن أن يشهد اذا تأكد من الحماية
كريم: حاضر ، سأقوم بالمهمة بعد أن أطلع على الملف وأتحقق من الجريمة.
أدخل الرجل يده في جيبه ، وأخرج مبلغا من المال ، مده الى كريم فرفضه
كريم: لا ، لا أريد شيئا حتى أتبين وأطلع على محضر الشرطة وأقوال الشهود ، والمتهم ..
أعاده الرجل الى جيبه وقال في أسى :
مابقي للمظلوم سوى الله والمحامي النزيه مثلك يا سيدي ، هكذا قالوا عنك ، وأخشى أن يأتي يوم يفرض على المواطن القصاص لنفسه ونعيش حكم الغاب
كريم: لا ، لا .. لا تخشى ذلك ، هناك قضاء وقوانين وعدالة ... اطمئن ، لا يضيع حق وراء مطالب ...
خرج الزبون وترك الباب وراءه مفتوحا ، فتح كريم الملف يقلب وثائقه ، عبارة عن شهادات طبية وبطاقة متابعة الحمل ، وأشعة وتقارير طبية للحامل ولظروف الوفاة ، كانت اطلالة روتينية لقضية مكتسبة مسبقا ، لن تقل عقوبة الجاني فيها عن 20 سنة ، هذا بعيدا عن الرشوة أوالمحاباة ، فقط يجب التحري أكثر للتيقن .. وقام لغلق الباب فاذا بمساعده يدخل كالثعلب الماكر ...
كان رجلا قصير القامة ، أنفه كالببغاء بمناخر كفوهتي بندوقية صيد ، بعينين ضاحكتين ، طويل الوجه ، أمرد الخدين ، أجعد الشعر أسوده ، رقيق الشفتين تظهر أسنانه قبل أن يبتسم ، يتكلم بسرعة حتى لا يكاد يفهمه الا القليل ، يبتلع الحروف وأواخر الكلمات بلعا ، يبالغ في الادغام ولا يحسن المد ، يبدأ بالساكن ويمضغ المتحرك
المساعد: لا زلت هنا ؟
كريم: نعم ، أنا خارج الآن
المساعد: ما هذا ؟ ، ملف جديد ؟
كريم: نعم ، هذا رجل يدعي أن زوجته وابنه توفيا في مصلحة الأمومة نتيجة اهمال
المساعد: نعم ، سمعت بهذه القضية ، حولت الى العدالة ، المتهم الرئيسي فيها قابلة معروفة ، طالتها الألسنة من كل جهة ، في الحقيقة هي قابلة ماهرة ، تجاوزت سن التقاعد ولا يزالون يحتفظون بها لمهارتها واتقانها واخلاصها في العمل ، قالوا أنقذت الكثيرات من الموت ، يظهر أن ادارة القطاع الصحي ستتولى الدفاع عنها ، لقد أوقفت بالأمس وأدخلت السجن ، ستتصل بك الادارة للدفاع عنها لا شك.
كريم: عندي ميعاد مع الدكتور مجبر في المساء
المساعد: لا شك لأجل ذلك ، ولا مفر لك من الدفاع عنها
كريم: أنا الآن ضدهم ، ولا أستطيع أن أتراجع ،هذا التزام ،سيأتي طلبهم متأخرا
المساعد: لعلك يا أستاذ تمزح
كريم: أمزح ! كيف ذلك ؟ اني أكثر جدية من أي وقت ، وليست من عادتي أن أتخلى عن موكلي
المساعد: أنسيت أننا بصدد التوقيع على عقد مع ادارة القطاع الصحي لتمثيلهم أمام العدالة ؟
كريم: لكن لم أوقع بعد ، وما كان هذا في الحسبان .. الحقيقة أني نسيت هذا الأمر ، انني مرهق في هذه الأيام حد الارتباك ، لقد أجلت كل الملفات التي تحتاج الى دقة وتركيز كبير، تفاديا للهفوات
المساعد: حقيقة ظهر عليك بعض الفتور والتعب في هذه الشهور الأخيرة
كريم: هيا بنا ، الساعة الآن منتصف النهار والنصف ..تتغذى معي ؟
المساعد: لا ، أذهب الى البيت ، عندي ضيوف .
حمل حقيبته وانصرف .
أحس برغبة في الاستحمام ، وليس من عادته ، فدخل غرفة الحمام ، نزع ثيابه ودخل في المغطس ، شعر بنوع من الارتخاء ، يتحسس النوابض في جسده المرهق ، تمنى لو تيسر له الأمر لينام هنا ، ينظر الى شامة سوداء في صدره ... كأنها خضراء في القبيلة ، ابتسم وقال :
أتمنى أن تكوني بخير ، سأعمل المستحيل ... سأعمل المستحيل ، هي قضية وقت فقط وظروف ، يمكن أن يغير الزمن هذه القلوب القاسية وترحمك وترحمني ، فقط تأكدي لن أبدلك ولن أتغيرأبدا ، والأمل نحن نصنعه ، فقط كوني بخير .. كوني بخير ..
لما خرج من الحمام وجد أخته قد أعدت له المائدة ، الا أن الشهية قتلتها رغبة كاسحة للراحة ، أشار اليها بيده أن ارفعي مائدتك ، دخل غرفته ، امتد ، وأغمض عينيه ، يتنفس الصعداء ، أفكاره كالنحل المضطرب ، تلسعه الواحدة تلوى الأخرى ، استوى قاعدا ، شبك أصابعه ينظر من نافذته الى السماء ، كأنه موسم الهجرة ، الطيور تمر أسرابا أسرابا نحو الجنوب ، ونحن لا زلنا في أول سبتمبر ، ظهر له أن كل المخلوقات تحب الهجرة ، تدفعها اليها عوامل مختلفة ، ايجابية أو سلبية ، وتبقى الهجرة رمز الحرية ومغامرة من أجل الأفضل .. قليلة هي الأشياء الجميلة التي تأتي الينا ، ظاهرة البحث عنها في الانسان قضاء وقدر لا مفر منه ، بل حتى في المخلوقات الأخرى، هل خضراء ذهبت من أجل ذلك ، أم هروبا من الجحيم الذي كانت تعيشه ... كانت السماء صافية ، تمر بعض البواسق الصغيرة من حين لآخر ، على أشكال مختلفة ، يحاول أن يقرأها ، أعجزته لمسات هذه اليد المجهولة التي ترسمها ، تسوقها الرياح العليلة ، كالراعي يسوق مواشيه التي تخلفت برفق الى المورد ... لا شك أن السماء ستمطر في هذا المساء ، و لا شك ، و لا شك..و لا شك...
ولما استيقظ ، كانت الساعة الثالثة بعد الزوال ، غسل وجهه ، لبس بذلته ، تعطر وحمل محفظته وخرج في عجالة ، لقد تأخر كثيرا ، دخل المكتب وجد بعض موكليه ينتظرونه ، اعتذر وبدأ يستقبلهم الواحد تلو الآخر ، لما جاء الدكتور مجبر وجده مع آخر زبون ، انتظر قليلا ، لما انصرف دخل ، قام له كريم واستقبله بحفاوة كبيرة أنزله بها منزلته ، الدكتور مجبر ، شخصية في الولاية ، منارة يعرفه العام والخاص ...
هو رجل طويل القامة ، في العقد السادس من العمر ، كبير الرأس غليظ الشفتين ، أسمر ، تحت كثافة حاجبيه عيونا أتعبتها دقة التأمل ،النظرو التروي ،تظهر فيها حدة ذكائه وجديته ، طويل الأطراف، كأنه يمارس المصارعة الحرة ، لا يزال يحافظ على بنيته ، يعتني كثيرا بمظهره ، حتى لا تكاد تعطيه أكثر من خمسين سنة ، يتحرك بلباقة ورشاقة الكهل ، يتكلم بطريقة الواثق من نفسه وبروح مسؤولية عالية ، الكثير من الناس يقولون أن خروج الدكتور مجبر من المستشفى ضربة قاضية لهذا القطاع ، انه رجل له وزنه ...
كريم: مرحبا دكتور
الدكتور مجبر: أستاذ كريم ،بدون اطالة أومقدمات ، عندنا في مصلحة الأمومة مشكلة كبيرة جدا ، تتطلب منا جميعا تناولها بحذر ، مجرد سقوط سعفة من الطرح ندفع بضحية الى المقصلة ، أعترف لك بأنه خطأ ، ولكنه مهني ، وهذا النوع من الخطأ يقع في جميع المستشفيات ، يعالج بطرق مختلفة حسب الظروف ، والفاعلين فيه ، الضحية والجاني ، حتى الزمان والمكان لهما نصيب في دفع الحدث ليكون قضاءا وقدرا أوجريمة ، يستحيل يا أستاذ أن قابلة في العقد السادس من العمر ، أفنت عمرها في خدمة صحة المواطنين ، تتعمد خطأ كهذا ، ولهذا أريدك أن تدرس ملف هذه البائسة بطريقة استثنائية ، نساعدك بقناعتنا كمختصين وبشهادتنا التي سنعتمد فيها على المضاعفات والأسباب الحقيقية التي أدت الى الوفاة ، المرأة ليست مجرمة في نظر الطب يا أستاذ ، كل الوظائف والمهن لها هامش أو نسبة مسموح بها من الخطأ
كريم: دكتور مجبر ، مع كل احتراماتي وتقديري لك ولكن أعذرني ، لا أستطيع أن أدافع عن مجرمة زهقت روحين ، مهما كانت الأسباب و الحجج ، هذه المرأة في نظر المجتمع كله مجرمة ، تستحق أشد العقاب ، زيادة عن ذلك ، لقد سبقكم الخصم و وكلني ، سأرافع لصالحه .
الدكتور مجبر: أعرف أن موقفك صعب جدا ، وأعرف أن الأمر أصعب مما يتصوره أي انسان ، ولكن تبقى مسؤوليتنا كبيرة لما نبني أحكامنا على العاطفة أو على ظاهر الأشياء ، ولولا يقيني ببراءتها ما جئتك بنفسي ، وأنت اليوم على موعد بامضاء العقد للدفاع عن القطاع الصحي ، معنى هذا أنت ملزم بذلك طبقا للقانون وملزم كذلك كضميرحي لانقاذ روح بريئة من الموت ، أليس القانون جاء لممارسة الحياة مثله مثل الطب ، أنا وأنت هنا لاحياء الناس ونتحدى الموت الا في قضايا الاجرام ببينة .. أستاذ كريم ، صدقني المرأة بريئة وبحاجة الى رجل مثلك يؤمن بالعدل ويحترم القانون لينجيها من حبل المشنقة ، تخليك عنها جريمة يا أستاذ في حق الانسانية و مهنة الطب ، وسكوت غير مبرر عن حق في الحياة يزهق أمام الجميع ...
كريم: يا سيدي ، أنا لا أتاجر بالأرواح ، و لا بالذمم ، وظيفتي الدفاع لاعادة الحقوق الى أصحابها ، أما الأحكام فهي من اختصاص القاضي ، المهم أن يعوض موكلي عن الضرر ، فاذا ردع المشرع فأين مسؤوليتي في هذا ، وليس من السهل أن ندافع عن امرأة حكم عليها الجميع قبل محاكمتها ، و أدانها القريب و البعيد ، رغم أن الشارع لا يقيد الشرع الا في مفهوم الجبناء.
الدكتور: لا علينا ، نحن نقبل بتعويض مادي للضرر ، ويمكنكم المرافعة على هذا الأساس ، المهم اسقاط عقوبة السجن ، انها في آخر عمرها و لا نريدها أن تنهي مشورها فيه
كريم: وهذا نصف الاعتراف بالجريمة.
الدكتور: سأكون شاهدا بأدلة طبية ، بأن الخطأ مهني محتمل في كل مستشفيات العالم ، وسأقنع الجميع .. ما رأيك ؟
أدخلت الضحية يوم السبت صباحا ، كان من المفروض أن تلد قبل الساعة الثانية مساءا ، وهي ساعة انتهاء الدوام الأول ، وفي آخر لحظة طرأ عاجل في القاعة الأخرى ، استدعى التدخل السريع للجراح والقابلة ، فاستلزم ذلك وقتا لانقاذها ، في هذه اللحظة بالذات اشتد المخاض على الضحية ، فأسرع الجميع على أنها ولادة عادية ، ولسوء الحظ كان الولد قد حول رأسه الى الأعلى واستوى قاعدا ، مع أنها ولادتها الأولى وجب اللجوء الى عملية قيصرية ، وهكذا كان الجميع في سباق مع الزمن يتحدون المستحيل ، وعملوا ما في وسعهم ، ولكن ويا للأسف حصلت الكارثة ..أعلمك بأننا لا نزال نعمل بامكانيات محدودة جدا ، وهذه القابلة أنقذت العشرات من الأرواح في ظروف أخطر ، ألا يشفع لها هذا ؟.. المهم سأكون حاضرا ، وأتطرق الى الموضوع بتفصيل أكثر .. أستاذ هكذا يكون القضاء والقدر في بعض الأحيان أسرع ..
كريم: أترك لي فرصة لأفكر
الدكتور: الوقت يداهمنا لا تطيل في الأمر
كريم: انني الآن أمام أكثر من اشكاليتين ، التزامي مع الرجل ، العقد معكم ، والمرافعة في قضية ملغمة ، ولست مطمئنا لبراءتها
الدكتور: أتظن أننا نتلاعب بالأرواح ؟ أم ضميركم أعظم
كريم: أبدا يا دكتور ، أنت مطمئن لهذا الطرح لأنه اختصاصك ، أما أنا أتعامل مع النص القانوني الذي لا مكان للعاطفة فيه ، كيف يمكنني أن أجمع عدة عوامل متناقضة للخروج بتركبة منصفة والضحية انسان
الدكتور: وهذا الانسان هو الذي يبقى فوق كل الاعتبارات ، لتوجيه كل العوامل نحو صناعة العدل ، والعدل وحده ... وبعدها كيفما يكون الحكم نكون نحن قد برأنا ذمتنا .. والخطأ سمة البشر ، وحتى القاضي يخطئ في حدود هامش حدده القانون ، والواقع لا يكذب ذلك ، والجريمة هي عندما نتعمد الفعل ، و كثيرة هي النوايا التي لا يعلمها البشر مهما كانوا.
استوى واقفا ، نظر الى الأستاذ كريم بعمق ، مد له يده ، ضغط عليها بقوة وقال: لا تخذلنا ، وستتيقن أنك تدافع عن قضية عادلة أنت أحق بها .. أتركك بسلام
كريم: شكرا دكتور، سأحاول .
خرج الدكتور وبقي كريم ينظر الى مساعده ، وساد صمت تحته اضطراب ... وما وجد كلمة يربط بها ليواصل الحديث ، كان حرص الدكتور على تبرئة المتهمة شديدا ، قبوله الفدية مهما كانت ، انه أرحم من اليقين ، موقفه هذا جعل كريم يعيد قراءة شخصية الدكتور من جديد .. أهذا هو الدكتور مجبر ؟ ، لا شك ان له تركيبة أخرى لم يطلع عليها أحد ، تترادف الأسئلة والأجوبة ... أغلق مكتبه وانصرف ، يجتر كعادته حديث آخر مقابلة .. ويفكر في الحاجة القابلة.
مسكينة تلك الحاجة ،الآن هي في السجن ،على عاتقها جريمتين .. بالمناسبة ألآ يمكن أن تكون على علم بماضي خضراء؟.. كيف لم أنتبه لهذا ؟.. أظن أن العقدة أحكمت هنا و بحضورها ، غريب ، لم يذكرها أحد في كل هذا الذي حدث ، لا شك أن... انها الآن في السجن..
على الحائط كتابات بالعربية والفرنسية ، وتواريخ ورسومات ، النساء جماعات جماعات ، أغلبهن غير مباليات ، بالعكس كأنهن في عرس ، يغنين ويرقصن ، اللهو والمزاح مستمر ليلا ونهارا ، بعضهن يتصرفن أحيانا تصرفات تثير الفضول وتزرع الشك والتساؤل في النفس ، ألفتهن للانتباه ماما ، هي امرأة في العقد الرابع ، قوية البنية ، طويلة الأطراف تبدو أكبر من سنها ، كأنها رئيسة الجوق ، فتيات في مقتبل العمر ، أهملهن المجتمع وأفسدهن السجن ، من كل الولايات ، التفتت الى التي كانت بجانبها وقالت:
- هل لك أهل ؟
الفتاة: مقطوعة من شجرة
القابلة: يعني من الملجأ
الفتاة: نعم .. جريمة ، أليس كذلك ؟على كل حال ليس هناك فرق بيني وبين بنت الأصول ، هنا كلنا سواسية ، وجهين لعملة واحدة
القابلة: انا قابلة في المستشفى أعرفكم جيدا .. ماذا فعلت ؟
الفتاة: قالوا عني بائعة هوى ، و بائعة الخمور بدون رخصة ، تقاتل ثلاثة شبان من أجلي ، مات أحدهم والآخر في غيبوبة والثالث في حالة فرار .. و .. و ..
القابلة: أنت ؟؟؟!
الفتاة: نعم ، أنا ، مستصغرة ؟! هذا وأكثر ، أتمنى أن أكون في يوم من الأيام سيدة قاعة من قاعات السجن ، وأتعلم كيف أدافع عن هوى الشوارع والحدائق ، أقول لك سر آخر ، أتمنى أن أقتل حتى ألمس معنى الجريمة ، لا زلت لا أدرك معناها الحقيقي ، كانت هذه الكلمة ترهبني وترعبني ، أما اليوم والسجن مرقص ، كأني متعطشة للانغماس فيها الى النحر أو أكثر ،.. سأحقق لهم الصورة التي يرسموني فيها
القابلة: لهذه الدرجة تهون عليك نفسك ؟
الفتاة: لست أفضل من ماما ولا ماما أفضل مني ، هي الآن موقوفة للجريمة السادسة ، وخيرة للجريمة الرابعة ، وأم الخير لا تخرج من السجن ، كلنا لنا سوابق ... ومن منا أوفى للسجن وأخلص ؟ .. نشكر الاسلام والثورة على مناسبتهما ، نخرج نتنفس الجريمة ونعود ... أنت ، يظهر أنك لأول مرة تدخلين السجن
القابلة: نعم لأول مرة .. السجن شيء فضيع
الفتاة: قولي الحقيقة ، كم أجرمت من مرة ؟
القابلة: الله أعلم
الفتاة: أنت كذلك تعلمين ، ولكن كنت ذكية جدا ، وهذه المرة خانك شيء ما ، ومن يدري لعلك ستدفعين ثمن كل الجرائم .. على كل حال ستألفين المكان وتتخذين صديقات وتتعلمين أشياء كثيرة ، ان كان في العمر بقية ، أشياء أعماك عنها ما أعمى الحكومة عن جرائمك
القابلة: أنا متهمة بجريمة قتل امرأة ومولودها أثناء الولادة ، ولكن أنا بريئة
الفتاة: الذي يقرر ويعرف هل أنت مجرمة أم لا ، هو الشرطي ، وقاضي التحقيق والقاضي الذي يحكم عليك بالمؤبد أو الاعدام ، كلمتك أمامهم لا تساوي شيئا ، لا زلت أذكر نكتة روتها لنا سجينة خرجت ، قالت أثناء الحرب جاء طبيب يفحص الذين سقطوا في الساحة بعد المعركة ، ومن كثرة الأموات فحص جريحا كان يتألم ويصيح ، فقال الطبيب: خذوه انه ميت ، ضعوه مع الأموات ، فحمله المساعدون فقال الجريح: أنا حي لست ميتا ، فقال المساعدون: وهل تعرف أفضل من الطبيب ، أنت ميت ووضعوه مع الأموات ، والفاهم يفهم ...
انصرفت الفتاة لشأنها تغني وترقص ، تتمايل كأنها جارية في قصر الأمير ، وتركتها في دوامة الرعب والقنوط ، انها في يومها الثالث ، لم تأكل شيئا ، يرقرق الماء وحده في جوفها كالقربة ، وجاء يوم الاستقبال ، كانت في حالة احباط تام وارهاق جسدي زاد في سنها عشر سنوات حتى انحنت ، تقدمت الى الشباك والدموع تنهمر من عينيها ، عائلتها خلف السياج المقابل
الزوج: لا تخشي شيئا ، لقد عينا محاميا بارعا ، انه كريم ابن الحاج لشرف ، ولد سترة صديقتك ، تهز رأسها وتعض شفتها التي ظهرت عليها بوادر الابتسام وقالت تستعطفهم أكثر:
اسمحوا لي ، أتعبتكم ..
الزوج: لا تقولي هذا ، الجميع يسأل عنك
ابتسمت وفاضت عيناها بالدموع من جديد
القابلة: بلغوهم تشكراتي
الزوج: اليك ببعض المأكولات والفواكه ، ستأتيك الحارسة بها ، سنعمل المستحيل لاخراجك من هنا ، وفي أقرب وقت ، عليك بالصبر فقط
رن الجرس وانصرف الزوج والأولاد ، وأدخلت السجينات ، وعادت القابلة الى مكانها تجتر ماضيها ... لماذا لم يأتي المحامي بعد ؟ حتى يطلعني على محتوى ملفي ، أتراهم اقتنعوا باجابتي عن كل تلك الاتهامات التي وجهت الي ؟ ماذا أثبتت التحريات ؟ ما تلك الملفات التي جاء بها رئيس مصلحة الأمومة ؟ ، وماذا قالت القابلة المتقاعدة ؟ ماذا قال المدير ؟ لماذا استجوبوا كل هذا الحشد من العمال ؟ لا شك أنهم سيعذبوني لانتزاع مني ما يريدون من اعترافات ، قالوا أن لهم وسائل جهنمية يعترف بها الجاني عن قتل آدم وحواء ، حتى تتوسع دائرة الرشوة لافقار قارون و ذله ، سيتفطن زوجي لهذا ، ويبذل ما أمامه وما وراءه للافراج عني ، وكريم محامي قدير وشهم ، وما قدمته لهذه العائلة من خدمات لا يعوض بمال منها حادثة خضراء ، وسرها الذي لا يعلمه غيري ، بما بامبرا و نونة الشبح ، سرلا يعوض بثمن ، هذه القنبلة الموقوتة أخشى أنه حان وقت انفجارها ،و ستدفع سترة ثمنا باهضا ، ربما سكتة قلبية ، ذلك هو ثمن الخيانة ، يأتي دائما بآخر الحساب ... سيدافع عني كريم بكل ما يملك من وسائل ونفوذ ، ليس له الخيار ، سترغمه أمه على فعل أي شيء ، نعم ، سيفعل ... كانت تتكلم وتشير بيديها ، فتقدمت اليها ماما ووضعت يدها على كتفيها ، فارتعشت ، حاولت أن تخفي قلقها ، ولكن خانها الصبر ففاضت عيناها وأسندت رأسها على صدرها وهي تشهق .. اني خائفة يا ماما ، اني خائفة
ابتسمت ماما ساخرة ، تنظر الى الأخريات وقالت لها:
لا تخشي شيئا يا ضنايا ، هي أيام قليلة وتتعودين ، الله !! تبكي وأنت في هذا السن يا شيخة !! وماذا يفعل العيال مثلي ؟
القابلة: انه آخر عمري ، هي العاقبة التي تبكيني ، أخشى أن أقضي آخر أيامي في السجن
ماما: لا ، لا تخشي شيئا ، بقاؤك أو خروجك مرهون بحلوة الى القاضي و فدية الى أهل الضحية ، ناس اليوم يتاجرون في كل شيء ، ألم تقولي أنه خطأ مهني ؟! اللهم الا اذا كان هناك قضايا أخرى
القابلة: أخشى من التلفيق ، عائلتنا ميسرة ولم نقع بين أيديهم الا هذه المرة ، سيجردوننا من كل شيء
ماما: لك أن تشتري براءتك بالدينار ، فقط جريمة الكرسي لا تغتفر هنا .
القابلة: المهم أخرج من هنا ، نحن لم نخلق للسجون ، ولا نبخل على أنفسنا بشيء ، نخطئ ونشتري كرامتنا بأي ثمن ، المهم نحافظ عن شرفنا .. السجن شيء رهيب لا يصلح الا للمنحرفين .. أنظري ، أغلبية المسجونات شابات في مقتبل العمر ، ولا فيهن واحدة تجاوزت الخمسين ، لا زلنا نحن نستر عيوبنا ونخشى الفضائح ، أما أنتم تشترون الجريمة وتجاهرون بها بل تفتخرون ، ما كنت أتوقع أن السجن يستر كل هذه العيوب ، وهذه البشاعات .. تجردتم من القيم والأخلاق ، ما كنت أصدق عندما كانوا يقولون لي أن السجن مثل القبر يستر المتعفن ..
ماما: من غيركم فعل بنا هذا ولا يزال ؟ يا أهل الشرف ، هذه التي أمامك اغتصبها طبيب ، وتلك اغتصبها دركي ، والأخرى نافذ والأخرى شرطي ، وحتى كبار المسؤولين ، وكلكم ، تغتصبون الخادمات و تتحرشون بالكاتبات وغيرهن ، نحن يا أيتها الشريفة جرائمكم ، نحن الوجه الحقيقي وراء أقنعتكم ، وعشرات الفتيات اغتصبهن الارهاب الأعمى ، هكذا عندما تنتهون من أكل الفريسة تأكلون بعضكم بعضا ، أنتم من حكم علينا قبل القضاء ، وشوهنا قبل القدر وعوق حياتنا ، ألا تستحي ؟ السجن بنيتموه يا أيتها الشريفة لستر بشاعاتكم وافرازات حماقاتكم ... فلا تحاولي ، يا أيتها السيدة الشريفة ...
بهتتها ، كانت حينها تنظر اليها بعيون الدهشة ... مثل هذه في السجن ! يظهر أنها واعية ومثقفة ، القاضي الذي حاكمها لم يراع أي شيء ولم يأخذ بعين الاعتبار أي عامل ، انهم يحاكمون الناس وكأنهم العبيد والجواري ، بل أكثر من هذا ، أين مسؤولية المجتمع في هذا المصير المفروض؟... لم تعد تسمع كلام ماما ، هي الآن أمامها شفاه تتحرك وأيد ثائرة ، ونظرات تتطاير منها شظايا الغضب وشرارات الكره ... لم تعد تسمع الا أنتم .. أنتم ... أرادت أن تسكتها فدفعتها وواصلت ، كفرنا بكل قيمكم ، وشرعياتكم ، وشرائعكم ، ومقسداتكم ، أنتم من صنع مواطنين من الدرجة الأولى ، وصنع منا العبيد والرجعيين والكفار ، والظلامين ، أنتم وحدكم أبناء هذا الوطن وغيركم طحالب .. أنتم .. اجتمعن عليها وكأنهن أشباح ماضيها ، خرجن من قبورهن لحضور المحاكمة ، وجوه أخرى خلفهن ، أطفال ، نساء ، فتيات، كلهن ملطخات بالدماء ، يحيطون بها ، يتردد صدى كلماتها في عمق رأسها ، وضربات كأنها على الصناجة انتفضت ذاكرتها التي كانت في عمق النوم وأيقظت الضمير ... وضعت يدها على وجهها وانحنت فوق ركبتيها ... لما رفعت ، وجدتهن قد تفرقن ، وحدها ماما أمامها .. نظرت اليها ، ستدفعون الثمن غاليا ، أشاحت بوجهها وذهبت
مختار أحمد سعيدي
09-13-2011, 11:23 PM
القابلة: يا هذه ، ما أنا الا حلقة في هذه السلسلة التي تذكرين ، ولو كنت كذلك ما وصلت الى هنا أبدا يا بنيتي ، هوني على نفسك ، لماذا كل هذا الحقد والكره ؟ يكفيني ما أنا فيه ، تريديني أن أدافع عن قدر كتبوا منه بيدي مرغمة ..
ماما دون أن تلتفت: لم نقل لكم أنجبونا ، أنانيتكم هي التي صنعت جيلا تسميه أنت مفككا وغير أصيل لا يؤمن بأي شيء ، لأنكم كذبتم علينا تلك الكذبة ، سميتموها بيضاء في طفولتنا ، وبالغتم حتى أصبحت سوداء ، لم تترك لنا منفذا لرؤية الحقيقة ونتبين ، و الآن نحن على ما نحن عليه ، لن نغفر لكم أبدا ... أبدا ، لقد حكم التاريخ ، فانتظروا لحظة التنفيذ ... انها أقرب ..
انصرفت وتركتها في حالة انهيار عصبي رهيب ، ومن تلك اللحظة اعتزلنها جميعا
وفي اليوم الموالي ، فتحت الحارسة الباب ودعتها ، كانت فرحتها شديدة جدا لما رأت الأستاذ كريم
القابلة: كريم ، ابني ، تأخرت عني كثيرا
كريم: هوني عليك يا خالة وهدئي من أعصابك حتى نستطيع أن نتكلم ، استقرار حالتك النفسية يساعدنا كثيرا على ايجاد مخرج بسلامة ، اجلسي ، لكي أضعك في الصورة
جلست وهي تنظر الى تقاسيم وجهه لعلها تدرك شيئا ... جلس ، نظر اليها ، ابتسم وقال:
مهما تكن التهم الموجهة اليك ، أنت في نظري يا خالتي بريئة ، حقيقة ملفك ثقيل جدا ، واذا لم تساعديني بالصراحة وتخبريني بالحقيقة ، سأقع في متناقضات ، ولا أستطيع أن أدافع عنك لأفتك البراءة مهما عملت
القابلة: أقسم لك أنه كان خطا مهنيا
كريم: واستبدال المواليد ، والاجهاض ، ووفيات الأطفال ، وموت الوالدات ، وهذه ليست المرة الأولى ، أنت متهمة كذلك بالمتاجرة بالرضع
القابلة:كل هذا ؟! المتاجرة ؟.. من قال هذا ؟
كريم: وأكثر ، اني أنتظر اكتمال الملف ، وبعد مرورك أمام قاضي التحقيق سنتكلم بالتفصيل ، حتى الآن لم تتضح الرؤية جيدا ، سأكون حاضرا في كل الاجراءات ، فكوني قوية ، ودافعي عن نفسك بكل شجاعة ، مر من هنا من هو أكبرمنك تهما وأثقل ، واستطاعوا أن يحصلوا على البراءة لأنهم كانوا حقيقة أبرياء ، سأنصرف الآن وأتركك ترتبين أفكارك حتى نتكلم بدون ارتباك وبموضوعية ، كوني على يقين أني سأدافع عنك حتى آخر نفس، فقط كوني صادقة معي ، وحتى لو حكم عليك سيكون الحكم خفيفا لأننا سنحاول أن نكون صادقين قدر الامكان بعيدا عن التوريط ، وغير متنصلين من مسؤوليتنا .. لا تديني نفسك قبل الحكم بالخوف والقلق
القابلة: سأحاول
كريم: سأعود اليك .. أتركك بخير ..
كعادته ، دخل متأخرا ، جلس على حافة مكتبه يرتب التهم ، ويستجمع أفكاره التي بعثرتها القضية ، قام وجلس على الأريكة ، وضع رأسه على المسند وراح ينظر الى الثريا .. يا لطيف كأنها حبل مشنقة ، هكذا حتى فتح الباب فجأة ، استدار ، انها أمه تحمل طبق العشاء ، وليس من عادتها ، فقام اليها ، أخذه من يديها ، وضعه على الطاولة ، أجلسها وقال:
أنت ؟! لماذا ؟ أين ثورة ؟
الأم: أردت أن أستعيد تلك الأيام الجميلة ، لما كنت في عنفوان شبابي ، أخدمك ، قبل أن أصبح عجوزا .
كلماتها أعادته الى ذلك الزمن الجميل بحضور خضراء ، أراد أن يغتنم الفرصة ، الا أن الوقت ليس مناسبا ، لا يريد تعكير الجو و لفت الانتباه الى هذا العامل الجديد ..
كريم: أبدا ، يا أمي ، لا زالت البركة ، لايزال الحاج يغار عليك .
ضحكت ملأ فاها وابتهجت ، ثم انقلب وجهها فجأة ، وعاد ذلك الوجه العبوس الحديدي ، بلمسات شجونه
الأم: أخبرني ماذا فعلت في قضية القابلة
كريم: هي أول قضية سأخسرها بجدارة ، صدقيني يا أمي اني أشك في براءتها
الأم: لا يا كبدي ، انها أمكم جميعا ، تقف علي دائما في المخاض والوضع ، ساعدتني في ولادتكم جميعا ، يجب أن تفتك لها البراءة مهما كلفك ذلك ، ولا تسمع كلام الناس فيها ، أعرفها ، انها امرأة شريفة ، لكنه الحظ يا بني ، كل تفانيها في العمل لم يشفع لها عندما أخطأت ولأول مرة ... نعم ولأول مرة .
كان يتابع حديثها و الريبة تتزايد ، و الظن يتشكل رويدا رويدا في نظره الى يقين .
كريم: سأحاول يا أمي ، الا أن القضية أصعب مما تتصورين ، لا أخفي عليك انها متهمة بتبديل المواليد الأنثى بالذكر والذكر بالأنثى، مقابل مبالغ مالية باهضة ، زيادة عن الاجهاض وتوليد الأمهات العازبات والتخلص من مواليدهن ، انها تتاجر يا أمي ، أنتظر فقط استكمال الملف حتى أطلع على أقوال الشهود و أقوال الضحايا .. انها جريمة في حق الانسانية ، يعاقب عليها القانون بشدة
الأم: تبديل المواليد ؟ ! الا هذه ، أبدا ، أبدا ، غير ممكن ، لا أصدق .. حسدوها المسكينة ، ولا يزالون يلفقون لها التهم ، وصدقني ليس بيدهم ما يثبت ذلك ..
كريم: يا أمي ، القانون هو الذي يدين أو يبرئ ، شهادتك لا تفيدها أمام القضاء .. أطمئنك أني سأبذل أقصى ما يمكن لاخراجها من هذه الورطة وبأخف ضرر ، هذا اذا كانت بريئة حقا
الأم: أتمنى أن لا تصدق ما يقال عنها يا بني
كريم: حتى الآن هي اتهامات نتمنى أن نجد ما يفندها
الأم: صدقني أنا أمك ، كل ما يقال عنها كذب وافتراء
كريم: أمي أرجوك ، انك طيبة وعلى نيتك
الأم: أتمنى لك التوفيق ، ولكن احرص ، فضلها علينا كبير
كريم: أعدك أنني سأدافع عنها كأنك أنت
الأم: بورك فيك يا بني ، لا تصدق ما يقال عنها ، انها أشرف امرأة عرفتها في حياتي ، نجتني من الموت عدة مرات ، كان المخاض دائما يأتيني عسيرا ، وكانت اصابتي بالقلب تزيد في صعوبة الولادة ، كلكم نجيتم وخرجتم الى الحياة التي تتمتعون بها بفضل تفانيها معي وسهرها علي ، حتى تلك الأفعى السوداء ، و بعد أحمد نصحتني بالتوقف نهائيا عن الحمل ، رغم حرص الحاج عن المزيد .
كريم: الأفعى السوداء ! تعني خضراء ؟
الأم: نعم ، نعم .. آه ..هي قالت لي ذلك ، قالت أنقذتها بصعوبة ، ولما ماتت أمها لم تغفر لنفسها ذلك رغم الأجل والموت الطبيعية ، لقد صامت شهرين وتصدقت بنصيب من المال ، ولا تزال تستغفر الى اليوم
كريم: لو كانت خضراء هنا لساعدتنا كثيرا ، بصفتها كانت تعمل في نفس المستشفى
الأم: ما أعرفه أنا أكثر مما تعرفه خضراء
كريم: لا علينا يا أمي ... سنجد في المستشفى من يساعدنا على كشف الحقائق ، وسنجد من سيشهد لها أو عليها .
الأم: لا تزال الشكوك تساورك ، ولم تقتنع بعد ، أعرفك جيدا ...
كريم: يا أمي ، ملف المرأة ثقيل جدا ، يجب أن أقتنع أنا أولا حتى أعرف كيف أدافع عنها ، هذه قضية تتطلب محامي أكثر مني خبرة وتجربة واطلاعا على خفايا الجرائم ، محام صهرته التناقضات والممارسة الطويلة في معالجة قضايا الاجرام ، ولهذا أفكر منذ الآن في عرض الفكرة على الادارة ، أتمنى أن يعفوني من هذه القضية ، لأنها ستسيئ الى سمعتي ، وفشلي في نظر الناس سيبدأ من هنا ، أنا لا زلت في البداية ، ينقصني الكثير ، والقضاء في وطننا لا يزال برزخا تحت الكثير من الممارسات والمخلفات البائدة ، لا القاضي حر بمفهوم القانون ولا هو مقيد به ، ولا المحامي جريء بالدرجة التي تجعله يعتمد على النص القانوني والدراسات العلمية للمرافعة في قضاياه ... مفهوم الجريمة محدد على الورق فقط ، أما الواقع غير مانتعلمه في الكليات ، هل فهمتي ؟!.. ما أحمقني ! وكأنني أخاطب عميد نقابة المحامين ، أعطيك مثلا بسيطا ، ممكن أنني أتعب وآتي بأشياء كثيرة تثبت براءة موكلي ، ويقتنع القاضي ، ويقدرني في نفسه وتدهشه براعتي ، ولكن يكون قد تلقى شحنة مال أو مكالمة من الأعلى ، فأظهر أمامه دونكيشوتيا أو مهرج أو شبيه ذلك .. بعض المحامين يبرؤون موكليهم قبل الجلسات ، لنفوذهم ومعرفتهم أبواب القضاء الحقيقية التي لا تفتح الا عندما يغلق قصر العدالة أبوابه
الأم: لماذا اخترت هذه المهنة ؟
كريم: وكأنك يا أمي لا تعرفين هذه الأشياء ، انها الهواء الذي يتنفسه أبي في قضاء جوائجه ..
اخترتها يا أمي ظنا مني أنه سيأتي اليوم الذي تحتاج فيه بلادي الى أبناء مخلصين ، شرفاء ، شباب ، أخطأ أباؤهم ، فيأتوا لاصلاح ما أفسدتم لبناء واقامة الدولة ، التي لا تزول بزوال الأشخاص ، انظري أمي الى الشارع ، حتى الأطفال يخربون كل شيء يرمز الى الدولة ، الأشجار ، اشارات المرور ، سياج الحدائق ، مواقف الحافلات ، يكتبون على جدران المراحض العمومية ، على جدران المدارس ، الشباب والمراهقون منهم يمزقون مقاعد الحافلات ،و اللافتات ، يفسدون أي شيء تابع للدولة ، انهم يا أمي يمارسون الرفض بامتياز ، والجميع ينتقم ، من لا يفعل لا ينهي ، هكذا تبدأ الانتفاضات ، كنار التبن ، هذا كله لأن حرب التحرير التي لا تلد ثورة تطهرها من الانتهازيين تبقى ناقصة وتتحول الى وبال على أمتها ... هكذا علمنا التاريخ .. الحمد لله اني أقول هذا الكلام لأمي، والا فمصيري السجن ، حتى لو كان كلامي هذا مجرد انفعال، يعاقب قائله ، لأنه جريمة في نظرهم وخيانة كبرى يحاكم أصحابها في المحاكم الخاصة ، والاعدام هو أخف الأحكام ، جيلكم يا أمي رهيب ، رهيب .. رهيب .. أصعب جيل عرفته البلاد ، زور التاريخ ، سلخ الأمة ، مسح الهوية ، زرع الفتنة التي لا تنام حتى تقسم ظهر الأمة ، وستحتاجين يوما الى جواز سفر للذهاب عند خالك في الشرق أو عمك في الغرب أو صهرك في الجنوب وبتأشيرة ولم لا ؟ زرعتم الحقد والكراهية ودنستم التاريخ ، رفضه هذا الجيل جملة وتفصيلا ، اشتريتم الأيادي والألسنة وقهرتم القلوب وكثرت الخفافيش والفجر بعيد ..
الأم: تقول كل هذا لأمك ؟ سامحك الله يا بني ، سامحك الله
كريم: لأنك أمي ، أقول لك هذا وأكثر ، أقول لك هذا الكلام لأنك في اعتقادي أنت الوطن ، الذي يجب أن يحتوينا جميعا بعيوبنا ونقائصنا ، أتصورك كذلك لأن مصيرك لم يكن أبدا في يوم من الأيام في يدك ولا في أيدينا.
حضنها بكل رفق ، قبلها على الجبين وقال:
مجرد حلم يا أمي ، لا تخشي شيئا ، لا نزال نيام
الأم: فزع قلبي وتكدر ، أخشى عليك حتى من أمك
كريم: أنا أعرف ، لم يسمعني غيرك ، فلا تخشي علي
الأم: شغلتك عن طعامك حتى برد ، أسخنه وآتيك به
كريم: لا ، لا يا أمي ، لا تتعبي نفسك سأفعل وحدي
الأم: أبدا ، دعني ، أحب أن أخدمك بنفسي في انتظار العروس التي ستخطفك مني ، أتمناها محامية مثلك حتى تفهمك
نظر اليها وهي تحمل الطبق وتخرج من المكتب ، كأنها تغادر قاعة عرض ، انغلق الباب وراءها بكل هدوء تدفعه النسمة العابرة من هنا ، وعم الصمت من جديد ، تتساقط شظايا انفجاره على بسيطة العقل باردة ، كأنها قطع من الثلج ، وقف وسط المكتب سارحا يجتر حديثه وينظر الى صورة على الجدار ، ألوان ولمسات يتعدد تشكيلها كأنها السحر ، وتختلف قراءتها من زاوية الى أخرى ..
كريم: سآكل جملا أو فيلا لو قدمتيه لي ، اشتقت الى الأكل من يديك
الأم: تسلم يا بني
وقفت هنيهة تنظر اليه وتحتويه بابتسامتها ثم خرجت ..
تذكر خضراء ، وأطباقها اللذيذة ، تذكر عندما كان يمازحها وهو يقول ، حتى ولو برجلك أنت ماهرة .. وهو يمضغ ويمضغ ..ويمضغ وأبت اللقمة أن تبتلع ، شيء ما سدها ، زاد عليها جرعة ماء وبلعها مستكرها ... أين أنت يا خضراء ... أرجوك كوني بخير اني أقترب ..
في مساء اليوم الموالي ، وكان يوم جمعة ، اجتمعت الأسرة كلها في الصالون ، الأب ، الأم ، ثورة ، كريم ، حتى نونة الغائبة الحاضرة ، لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر شيء على القلب ، ينظر اليها كريم ، يستغرب ، كيف استطاعت أن تجعل الجميع على الهامش ، سكنه هاجس الفضول ، كيف استطاعت أن تطوع هذه السلبية المعلنة ؟ ..
رغم تركيز نظرته اليها ، لم يحرجها ولا ظهر على وجهها شيء ، كأنها تمثال الحديقة ، تحتفظ دائما بنصف ابتسامتها التي تجعلك تقف هنا .. لا تسأل ولا تجيب ، هي رأي الجميع ، يتساءل ، كيف كانت علاقتها مع خضراء ؟ وهل تعرف حقيقتها ؟ وهو كذلك حتى سقط عليه السؤال
الأب: ماذا عن قضية القابلة ؟
كريم: آه .. القابلة ، يحتاج الى شيء من الوقت لدراسته ، ملف متشعب والتهم كثيرة ، يتطلب تحريات وتحقيقات خارج الورق
الأب: ستتحول الى محقق ... بوليس
نظر اليه كريم وقاطعه مواصلا
البحث في ماضي الناس جريمة لا تغتفر ، تصور لو أكتشف أشياء لم يكتشفها البوليس ، هل أسكت عنها لأنها موكلتي ؟ أما شهادة المحيط ، تكاد تتوازن ، الادانة والبراءة لا زالتا بعيدتان
الأب: المحاماة تحتاج الى مكر وخداع وذكاء وجرأة ومراوغة الثعالب ونفوذ .. يا ولدي أدهن السير يسير
فهم كريم قصد أبيه فسكت
الأب: اياك واياك يا ثورة من قراية الحقوق ، يضيع منك كل شيء .. وضحك
ثورة: ما عدت الى الدراسة بالمراسلة لتعلم الثرثرة ، فهذه أنا أحسنها منذ زمان ، الأدبيات كلام فارغ ، سأتحصل على البكالوريوس علمي ، الحقيقة والحقوق في المخابر والورشات ومكاتب الدراسات ، الحقيقة هنا تراها وتلمسها ، ليست سرابا أو تنتظر العالم الآخر لتراها وتلمسها ، نحن العلميون لا ننتظر الآيات بل نصنعها ..
كريم: احذري أن تصنعي صاعقة تدمر العالم فتكون نهاية البشرية قبل أوانها وعلى يدك
ثورة: نستنسخكم ، لا تخشى شيئا ، نصنع مخزونات للخلايا البشرية ، وبعد انتهاء مفعول الصاعقة نستخرجكم
كريم: جميل جدا ، رائع ، أرباب جدد لعصر جديد ، انه جنون البشرية الذي يمكن أن يفسد السماوات والأرض ، وها أنتم بدأتم بطبقة الأوزون ، ما أتفهكم ، وما أعظمك يا ثورة عالمة رسوم متحركة
ثورة: كريم .. يكفي ، تريدني أن أخرج ؟
الأم: يا ثورة ، تأخذين كل هزل جد ، طموحك مشروع ، ولكن للمزاح مكانته في كل جد بين الاخوة
كريم: دعيها ، اذا تعدت المحضور لن أدافع عنها
ثورة: لا أحتاجك ، اختراعاتي تدافع عني وعن نفسها ، واكتشافاتي مهما كانت تخدمني
كريم: وستخسرين الكثير بهذا التفكير ، حتى وأنت في عالم الكارتون ..
الأب: العشاء جاهز يا ثورة ؟
ثورة: نعم ، لا تنتظر الأخبار ؟
الأب: لا ، نتعشى لتنصرف عمتك ونواصل
ثورة: النقاش مع كريم مهزلة ، هو لا يرى المقدس الا في القانون ، أما العلوم الأخرى فهي عبيد لجلالة القانون
كريم: وهذه هي الحقيقة
ثورة: الحقيقة التي يختلف فيها كل الناس
كريم: اذكري لي من خالف من ؟
ثورة: كلام فلسفي لا أطيقه
كريم: ما أطول لسانك وأقصر باع علمك
ثورة: سأدخل الى الجامعة وسترى
كريم: نعم ، جامعة سبيستون .. ابدئي الآن بتقديم العشاء ويومها سنرى ، أنت مملوءة بالحشو الأحمر
نظرت اليه وانصرفت كالزوبعة ، تركت الجميع في حضن الابتسامة الساذجة ، وكأنهم صدقوها
الأب: لا تهدأ حتى تهيج أمواجها
كريم: يا أبي في الثانويات تيارات فكرية ، بقدر ما تفيد تفسد ، هذه التيارات غير مراقبة والصراع الثقافي والاديولوجي يبدأ من هنا ، العلم نور فاذا تجاوز حد العقل يضر أكثر مما ينفع ، فلتكن علمية اذا أرادت ولكن بأفكار نيرة وانسانية بعيدا عن الحديد والنار
الأم: هكذا كنت أنا ، عنيدة ، لكن مع النساء فقط ، أما الرجال فكانت جلساتنا معهم قليلة ، حتى المدرسة في عهد الاستعمار ، واحتراما لديننا وتقاليدنا ، بنوا مدارس للذكور ومتوسطات ومدارس ومتوسطات للبنات ، المعلمون يدرسون البنين والمعلمات يدرسن البنات ، لا زلت أذكر يوم أحرق الحجاب في ساحة الشهداء رمزا لتحرير المرأة ، كان حينها الفاعل يرتدي بذلة صينية ، وكم حز في أنفسنا لما سمعنا بسجن الشيخ الابراهيمي ، رئيس جمعية العلماء المسلمين آنذاك ..
الأب: وبعدها كان ابنه وزيرا للتربية الوطنية
الأم: بعد وفاته
الأب: والله لا أذكر ، المهم كان ذلك
كريم: هذه شهادات يسجلها التاريخ ، يجب أن نحتاط ونتحرى عندما نتكلم في أمور كهذه .
عادت ثورة تحمل الطبق وهي تقول:
تصور أخي كريم لو كان أول رئيس امام ، لكان الوطن كله مساجد
كريم: مساجد أفضل من ثكنات وسجون
ثورة، لا فرق ، الا أن المساجد باقية على حالها والثكنات والسجون تطورت بكثير
كريم: بل تفننت
الأب: يا ثورة ، يا ثورة ، لك الحق في كل ما تقولين الا في شؤون الدين .. مجتمعنا لا يرحم ، لا تجاهري بهذا الكلام ، ذهبت أنا وجدك الى الحج وبذلنا أموالا كثيرة ونحن نتصدق على الفقراء ، ونتوسط للناس في قضاء حوائجهم ، كل هذا لتحافظ أسرتنا على منزلتها ونفوذها ، فلا تضيعي هذا العمل من أجل فكرة أنت غنية عن حملها اليوم
كريم: وربما تتخلين عن هذه الأفكار يوما ، وتتراجعين عندما تتجاوز أفكارك مرحلة المراهقة الثقافية
ثورة: اطمئن لن أتراجع
التفت الأب الى أحمد آخر حبة في العنقود ، وهو يضحك
الأب: وماذا تقول يا أحمد ؟
أحمد: هذه كافرة يا أبي ، كما قال الشيخ حفظه الله ، دهرية ستأكلها النار وهي حية تسعى
ثورة: أدخل وحدك الى الجنة
أحمد: أبي أرجوك ، هذا مجلس نحاسب عليه ، وأنا لا أطيقها .. سفيهة
الأب: لا ، لا يا أحمد ، لا تغضب ، ديننا يحترم حرية الرأي والخلاف ، الدين يا بني يسر ورحمة
أحمد: يا أبي نحن ملزمون بالشرع ، والخوض في مسائل عقائدية يسوقنا الى الكفر عن قصد أو غير قصد ، هي لا تزال لم تتجاوز الثانوية ، وبدأت تؤسس للفكر الجحود ، انها تردد ما لقنها بعض الأساتذة المنحرفين ورفاق السوء ، هذه الدروس الحرة هي في الحقيقة أوكار لنفث السموم .. و
الأب: ثورة يا أحمد ، أنت تعرفها لا تؤمن بما هو فلسفي ، انها تعيش التجربة بالملموس ، تجهل الأدبيات مثل الشعر والقصة والتاريخ ، هذه المواد التي تعتمد على على التلقين والحفظ ، تقول انها مواد يتفوق فيها الأغبياء ، ومن أجل هذه المواد طردوها من المدرسة وأعدناها الى الدراسة بالمراسلة ، واستطاعت أن تثبت جدارتها في العلوم والرياضيات والفيزياء والكيمياء وغيرها
أحمد: هؤلاء العلماء الذين نظروا وجربوا ، علماء مخابر الشرق والغرب ، يدخلون الى الاسلام أفواجا أفواجا ، أرجوك يا أبي ألزمها حدها
الأب: احترموا بعضكم بعضا ، الذي يهمني نجاحكم
أحمد: ان شاء الله يا أبي ، دكتوراه في الشريعة الاسلامية من جامعة أم القرى، قالوا انهم يحفزون الطلبة بتسهيلات كثيرة ، ويساعدون طالبي العلم الشرعي ، هذا حلمي يا أبي ولكنه بعيد
الأب: الله ، الله ، هكذا مرة واحدة ... السعودية ، لا تكفيك جامعة قسنطينة
أحمد: أريد أن أرتوي من العنصر ، يا أبي الاسلام جاءنا ، وأنا أريد أن أذهب اليه ، والرجوع الى الأصل فضيلة ، هناك المنبع الصافي ، هناك النص والحس
ثورة: تصبحون على خير ، سأقوم مبكرا لآداء بعض الحركات الرياضية ، يجب أن أرتاح
الأم: أتعبناك يا كبدي ، ليلتك أسعد
ثورة: بركتك يا شيخ أحمد
وانصرفت تضحك ملأ فاها
الأم: عندما تتزوج لا ندري ماذا نفعل ؟
الأب: نبحث عن خادمة
الأم: خادمة في بيتي ! .. أبدا ، الا هذه
أحمد وهو ينصرف: لو بقيت خضراء لكفتكم
الأم: لا تزال هذه اللعنة تطاردنا ، حتى هذا الذي يدعي الاسلام
كريم: لا تقلقي يا أمي ، هذا مجرد كلام
الأم: صرت لا أحتمل حتى اللون الأخضر
ويعود أحمد يتحسر، أعتذر ، لقد نسيت ، هناك فوق المكتبة استدعاء من الشرطة لأبي ، قال انه يخص خضراء ، قلت له أنها ليست هنا ، فقال لي أعرف ذلك ، قل للحاج يأتي الى القسم نحتاجه ...
الأم: الشرطة ! استدعاء ؟ لعلها تكون قد قامت بوقاحة ما ، خذه يا كريم ، الحاج تعبان ، ولا ندري ما وراء هذا الاستدعاء
الأب: هذه هي المهازل التي أخشاها ، والبهدلة ..
أخذ كريم الاستدعاء ، وضعه في جيبه وانصرف ، تركهم في دوامة الأسئلة والتساؤلات ، غريب ، العمة تأخرت الليلة ، وكأنها كانت تنتظر المفاجأة ، ينظر بعضهم الى بعض في مبارزة الظنون .
الأب: لم يبق الا هذا ، الحاج لشرف في مكتب المباحث ، يا فضيحة آخر العمر ، يا بهدلة العاقبة ، أنا ، أنا عند الشرطة ، كل هذا حصيلة حماقتك يا سترة ، ماذا يقول عني الناس ؟
الفصل الخامس
مختار أحمد سعيدي
09-13-2011, 11:26 PM
الفصل الخامس
أدخلتها الحارسة الى غرفة الاستقبال ، لا أحد فيها ، جلست ، ولما رفعت بصرها رأت صورا معلقة على الجدار ، صور لحادث مرور ، سيارات تداخلت في بعضها بعضا ، جرحى ، شرطة ، مارة فضوليين ، قامت اقتربت ..مؤخرة شاحنة ، شيء فضيع ، امرأة مستلقية على بطنها ، منكشفة الساقين حتى الفخذين ، امرأة سوداء في سنها ، آه ، انها هي في هذه الصورة .. هذه أنا ؟ .. نعم أنا لا شك في ذلك ، ومن هؤلاء ؟ جثة ملقاة هنا وأخرى هناك ، رجال يرتدون مآزر بيضاء بمحامل ، هذه صور المصابين ، لا تعرف أي واحد منهم ، تحاول أن تتذكر شيئا ، لا تقدر ، انه الحادث الذي تكلمت عنه محاضر الشرطة .. عادت الى صورتها هل يمكن أن أكون أنا ؟ .. وهي كذلك حتى دفعت الباب فقامت ، فاذا بها الحارسة .
هيا الى القاعة ، لم تأتي ، أجل اللقاء الى الأسبوع القادم
السوداء: لقاء من ؟
الحارسة: لا يهم ، هيا
لما دخلت القاعة ، وجدت سجينة جديدة ، مرت الى مكانها دون أن تكلم أحدا .
الجديدة: تعالي هنا
أخذت تنظر اليها ، امرأة كالجبل قصيرة الشعر ، دائرية الوجه ، عريضة الذقن ، شفاه غليظة ، وأنف صغير ، كبيرة الأذنين ، طويلة الرقبة ، لا يتجانس فيها شيء كأنها مركبة من بقايا أجساد متنافرة ..
امتدت فوق فراشها غير مبالية بها ، واذا بالضربة تأتيها من الخلف على الرأس ، أرادت أن تقوم فأصابتها أخرى في الرقبة ، وواصلت الركلة تلوى الأخرى ، ولما أفاقت وجدت نفسها على سرير العيادة ، لا يزال رأسها يوجعها ، كتفها ، رقبتها ، صدرها ، وكأن آلية أشغال مرت فوقها ، حاولت أن تقوم فلم تستطع ، استوت بصعوبة جالسة ، جاءت الحارسة ، تسوقها الى القاعة ، تبحث عن السجينة الجديدة فلم تجدها ، فانفجر الجميع بالضحك وقالت احداهن:
ستعود في المساء ، عاقبوها من أجلك ، هل تريدين أن تثأري لنفسك ؟
لم تقل شيئا ، وأخذت مكانها ، تناولت عشاءها ونامت رغم الضجيج ...
في اليوم الموالي قابلت المحامي
المحامي: يكذب من يقول لك أنه باستطاعته أن ينجيك من حبل المشنقة ، الحكم مرهون بالاطلاع على حقيقتك واستعادة ذاكرتك ، فقدان ذاكرتك لا يكفي في المرافعة ، لأنهم قبضوا عليك في الحادث متلبسة ، هكذا أنت متورطة ، وكانوا متأكدين أن في العصابة امرأة سوداء ، حملت عدة أسماء بوثائق مزورة ، سقوطك في أيدي الشرطة غنيمة لا تعوض ، وانجاز عظيم في محاربة الجريمة المنظمة ، ولهذا أنصحك بالكف عن المراوغة ان كنت فاعلة ونلتمس لك التخفيف ، أقول هذا الكلام ليس عن قناعة أنك مجرمة ، لكن ليس لي أي شيء أعتمد عليه في الدفاع عنك ، والا ستبقين هنا دون محاكمة الى أجل غير محدود ، وستختفي مع طول الزمن ... هل زارك الطبيب النفساني ؟
السوداء:لا ، زارتني امرأة ، رئيسة جمعية نسوية ، قالت أنها تنتمي الى منظمة انسانية تعتني بمن هن مثلي
المحامي: سيزورك عن قريب ، ولهذا حاولي مساعدته لاخراجك من هذه القوقعة .. هل ضربوك في السجن ؟
السوداء: لا ، شجار مع سجينة جديدة
المحامي: ماذا فعلت الادارة ؟
السوداء: قالوا عاقبوها
المحامي: يا سوداء ، حسني سلوكك في السجن لعله يشفع لك
السوداء: لا تحمل همي يا سيدي ، قم بالذي تستطيع القيام به ، ما أصبح يهمني شيئا ، كل هذا التهويل لا يخيفني ، أنا الآن في عداد الأموات ، لا بداية لي ولا نهاية ، أظن الاعدام بالنسبة لي أرحم ، فقط وضح لي موقفي وتفاصيل قضيتي ، أريدها قراءة جديدة لتقرير الشرطة ، بل كل الملف
المحامي: لك ما تريدين ، سأعرض عليك تفاصيل القضية بالتدقيق ، وأناقشها معك ، فقط أعينيني بالاستعداد والرغبة في المشاركة
السوداء: أعدك ، حتى لو كنت مجرمة ، لا أريد أن أبقى خلف الذاكرة ، لن أرحم نفسي وأترك لها فرصة للهروب من واقع شرها ، سأجعلها تدفع الثمن ، سأساعدك على الادانة ، انهم يبحثون عن اعتراف ، سأوفيهم ما يريدون وأضع نهاية لهذا المسلسل
المحامي: الأمر ليس بالسهولة التي تتصورين ، ماذا تقولين لهم ؟ .. الاعتراف يحتاج كذلك الى أدلة ، والا سيتهمونك بتضليل القضاء ، وهذه جريمة أكبر .. سأساعدك بالتأجيل الى حين ينهي الطبيب النفساني مهمته .. بعدها سنرى .. أتركك الآن ..
خرج المحامي وعادت هي الى مكانها، عادت الى الصور ، عادت الى المكان الذي افترقت فيه الذاكرة ، افترق فيه الماضي والحاضر ، تلك الصور التي غلب عليها اللون الأخضر ، تروي تفاصيل أجساد في وضعيات مختلفة ، أجساد تمردت عنها الروح واستسلمت للصمت ، تتحدى كيفيات السؤال ، هي وحدها من بينهم التي تتكلم ولا تستطيع أن تقول شيئا ، مجرد أجساد من لحم ، لا فرق بينها وبينهم ، تلك المرأة المستلقية ، كأنها ورقة من شجرة الأيام قذفتها رياح اعصار الى عالم الاغتراب ، هذه السيارات الفارهة التي تحولت الى ركام من حديد ، كانت تحمل أناس تدفعهم عزائم مختلفة ، توقف حرصهم هنا ، وتعانقوا واختلطت دماء الأحبة والصحبة بدماء الأعداء على أرضية الزفت السوداء ، اختلط دم الجريمة بدم القانون ، منهم من وكأنه نائم ومنهم من تشوه ، يمارسون كلهم لعبة الصمت ... تسترجع صورهم الواحد تلوى الآخر ، لا تعرف منهم أحدا ، من هو المطارد ومن هو المطارد ، ومن هو القادم على حين غفلة ، حتى ذلك المريض الذي كانت تحمله سيارة الاسعاف قضى نحبه هنا ، لعله كان أقرب ... تبحث في كل واحد منهم لعلها تجد جزءا من ذاكرتها ، فوجدتهم أغرب مما كانت تتصور ، وجوه كلها من ألم ، من أسى ، من ندم ، صنعت نهايتهم المقادير التي لا تميز ولا ترحم ، تبحث أين كانت تجلس ، وبجانب من ، وماهي آخر كلمة قالتها وآخر كلمة سمعتها ، وماذا كانت تنوي أن تفعل ، وحدها تلك المرأة التي ترتدي ذلك المعطف الأخضر التي قالوا لها أنها هي ، لا تزال نائمة في عمقها ، ولا حتى تستطيع أن تسترها ، ليتها تستيقظ وتقول لها من هي ، هذا الجسد الذي لا يعرف نفسه ولا يعرفها ، هذا الجسد الذي ولدت من غيبوبته ، وكأنه رفضها وتبرأ منها وجردها من كل معانيه ، آماله ، أحلامه ، آلامه ، ، ما أراد لها أن تقاسمه مشاعره وماضيه ، احتفظ بكل شيء وسلمها للمجهول يحملها ما يشاء .. هذه المرأة التي شاء لها القدر أن تولد من جديد في السجن ، ربما لتموت ، فاعل حركته الظروف لصنع حدث ما ، سقطت رقما في معادلة عقد كل الحلول ... فأين تجد نفسها في هذه التراكمات التي تحيط بها بمصير في يد غيرها .. تضحك ، أنا عنصر خطير في عصابة ؟ لا أظن ، ان العناصر الخطيرة والفاعلة لا تفقد سر قوتها ، لأنه سبب وجودها ، أظن أن الذاكرة يفقدها فقط الذين يريدون التملص من مسؤولياتهم والتخلص من ماضيهم تحت وطأة الاستعداد النفسي لذلك .. ، أنا تلك التي ترتدي المعطف الأخضر؟ هل يمكن أن أكون كما يقولون ؟ لا أشعر بذلك ..
قضت تلك الليلة في غمار البحث عن الذات في كل شيء ، عندما اقترب الفجر ، جاءتها تلك الغفوة ، لم تتجاوز بعض الدقائق واستيقظت ، لأول مرة تحلم وتتذكر حلمها ، بين الفرح والقنوط ، رأت شبحا يطاردها ، شبح امرأة تريد أن تضاجعها ، امرأة ترتدي معطفها الأخضر ، ولكن كلما قاربت أن تمسكها مال بينهما دخان كثيف ، أو ضباب .. امرأة سمتها هي المرأة الخضراء ، حتى وجهها كان أخضر ، أطرافها ، لباسها ، عيونها ، حتى سفطها كان أخضرا ...
في صباح ذلك اليوم جاءت تلك المرأة الملاك ، صديقتها ، وكأنها غابت دهرا
السوداء: كأنك في سنة
المرأة: هل فكرتي في ؟
السوداء: كيف لا أفكر فيك ، انتظرتك على أحر من الجمر ، حتى ظننت أني رأيتك في حلم
المرأة: هل تختلط عليك الأشياء دائما الى درجة أنك لا تفرقين بين الواقع وما ترينه في المنام ؟
السوداء: المنام ؟ ، أنا لأول مرة أرى حلما وأتذكره
المرأة: جميل ، بدأت تحلمين ، انك على بوابة الخروج من الأزمة
السوداء: الشيء الوحيد الذي لا أريد أن أتذكره هو السجن
المرأة: لماذا ؟
السوداء: لأنني أشعر بسجن آخر في عمق ذاتي ، كاد حديثك في المرة السابقة أن يفتحه
المرأة: من صنع هذا السجن بداخلك ؟ حاولي أن تدخليه
السوداء: أبوابه موصدة والطريق اليه مظلم ، مليء بالبشاعات
المرأة: أرافقك ؟
السوداء: ليتك تقدرين ، ليتك تفعلين
المرأة: هيا حاولي ، سنبدأ من الأول
السوداء: البارحة رأيت امرأة خضراء تحاول أن تضاجعني وأنا هاربة في متاهات يحول بيني وبينها سواد كلما اقتربت مني ، عينيها مثل عينيك ، لأول مرة أتذكر حلما ، كان كابوسا ، الا أنني أحسست بعد يقظتي بالفرحة الكاسحة وكأنني أعدت جزءا مني الى أصله
المرأة: انها حقيقتك ، حاولي أن تستعيدي تلك اللحظات ولا تهربي منها في هذه المرة ، انظري اني معك ، وينزل عليك هسهاس النعاس يباشرك ، يحتويك ، يحضنك ، فوق أرجوحته وتبدأ هدهدة النوم ، وتسافر نظراتك في عمق الزمن الأخضر ، ذلك الزمن الجميل الذي يختفي وراء الهدوء الذي يخيفك ، يحمل معه ذلك الهدوء ، بشائر اللقاء بالمرأة الخضراء ، أنت الآن يا جميلتي تنامين .. تنامين ..تنامين في عمق الرحيل ، تسافرين خلف هذه الجفون المثقلة في عالم البحث عن الحقيقة التي هي هنا ، وراء ذلك الستار من دخان الوهم وأكذوبة الضباب حيث كنت طفلة .. نعم طفلة بريئة تملأ الفضاء بقهقهتها ، وترسم البسمة في كل مكان ، انظري هذه أمك ، نعم أمك ، أنت الآن على صدرها ، أنفك في نحرها تستنشقين عبق مناتحها وتنامين .. تنامين ..وتنزل كذلك الشيء الذي يضاهي في نزوله الرسوب الى عمق الذاكرة حيث تنام الذكريات خلف البشاعات الوهنة ، انه السفر للبحث عن الذات ، اخترقي الوهم ، انه هوان واسمعي نداء الماضي يستغيث بك ، انك الآن أنت .. أنت .. حينها كانت السوداء تستند على صدر المرأة ، ودمعتان تمهد طريق العبرات على الخد الأسود ، تسقي احمرار الشفاه التي كانت تتحرك ببطء ، كأنها تقرأ خواطر العتاب ، تستعيد في صعودها انفجار النفس الطويل .
المرأة بكل قوة .. من أنت وضربت الطاولة
السوداء: أنا .. أنا .. أنا خضراء نعم خضراء ...
فزعت بعيون تكاد تنفجر ، تمسك رأسها بيديها وتصرخ أنا خضراء .. خضراء ، تضمها المرأة بكل رفق وقالت: هوني عليك بنيتي ، ستعرفين نفسك عن قريب ، رفعت رأسها ، تنظر الى المرأة والدهشة تملأ عينيها وقالت: من أنت ؟
المرأة: أنا صديقتك
السوداء: وأنا خضراء ، تلك المرأة التي رأيتها في المنام .. نعم أنا المرأة الخضراء
فقامت المرأة ، قبلتها على الجبين وانصرفت ، أرادت أن تمسك بها أن تقول لها لا تذهبي ، أو تذهب معها ، تتسارع الأحداث في ذهنها وتتصارع ، يعود الشريط بقوة رهيبة ، انها تتشكل من جديد ، هجمت عليها الأجوبة من كل جهة فشدت على رأسها بكل قوة .. ألم ، ضجيج .. شيء ما يخنقها ..وفجأة انطلقت صرختها كأنها صيحة دمار ، سمعها الجميع ، فدخلت الحارسة تجري تتبعها المرأة التي كانت لا تزال تتحدث معها في الرواق .
الحارسة: هيا كفى كوميديا
أخذت تنظر اليها ثم قالت: الى أين ؟
الحارسة: الى الفندق عشر نجوم
فدخل المدير: ماذا يجري هنا ؟
الحارسة: لا شيئ ، مجرد تمثيل .
ساقتها أمامها وانصرفت
المرأة: اختلط عليها الأمر ، انها تعاني ، لقد اختلط عليها الواقع بالخيال ، لما استعصى عليها الأمر لجأت الى الخيال لصناعة نفسها من جديد ... ربما في اللقاء القادم ستكون النتيجة أحسن ، يظهر أننا قطعنا شوطا مهما لاسترجاع ذاكرتها
المدير: أشكرك حكيمة ، حتى الآن هي لا تعرفك ؟
المرأة: لم أقل لها أنني طبيبة نفسانية حتى لا تحتاط ، لا أريدها أن تشعر انني أستنطقها لمعرفة حقيقتها كمجرمة حتى لا تنفر مني ، اني أعتمد على الجانب الانساني العاطفي ووازع الخير ، ربما رفضها لكونها مجرمة هو الذي سبب لها فقدان الذاكرة ، لأنها غير راضية عن نفسها ، انه الهروب من الذات ، ولهذا اني أعتمد على المحادثة الوجدانية للبراءة فيها ، في اللقاء القادم أحاول أن أصدمها بالواقع ..
في مكتب المدير كان المحامي في انتظاره ، جلس الجميع
الطبيبة النفسانية: سأحاول في المرة القادمة تحويل انتباهها الى الواقع أظن أنها تلقت ضربة وكانت تحت تأثير الاستعداد للهروب من ذاتها ، تحت مفعول الندم والخوف وخاصة لما كانت الشرطة تطاردهم ، أو ربما رفضها الاستسلام للأمر الواقع لما يلقى عليها القبض ... يجب اطلاق سراحها واعادتها الى مكان الحادث ، يجب أن ينشأ ذلك الشعور بالحرية والنجاة من العقاب حتى يتحرر الدافع الى ممارسة الفعل ، والعودة الى التمرد من جديد .. هكذا هي النفس البشرية أحيانا ، ساذجة ، تتجرد من كل شيء عند الخطر ، وبمجرد زواله تبرز الرغبة للعودة من جديد .. تلك هي الأمراض الاجتماعية تنام فيروزاتها ولا تموت ، لا يقهرها الا الالتزام المتواصل الذي تصنعه القناعات ، سواء كانت دينية ، أو ثقافة مبدأ انساني
المحامي: صعب اقناع القاضي باطلاق سراحها ، هي الآن في نظر القانون مجرمة حتى يثبت العكس ، سلوكها في السجن يثبت ذلك ويؤكده
المدير: انها عنيفة جدا ومتسلطة
المحامي: فقدان الذاكرة لا أظن أنه يؤثر في السلوك
الطبيبة النفسانية: فاقد الذاكرة في غيبوبة معنوية من المفروض أن لا يتصرف من الماضي ، بل يحاول أن يكتسب سلوكا حميدا ويبني شخصية متجانسة مع المحيط الذي يعيش فيه ، أو يتقوقع على الفراغ الذي يسكنه ، كل حسب استعداداته ، في الحقيقة وجودها في الوسط الاجرامي يشجعها على السير في الخط الموازي لماضيها ، ولا تلتقي معه الا في حالات نادرة ، ستستقر ولا تبحث عن نفسها اذا اقتنعت أنها كذلك
المدير: هذا أمر يخص النيابة ، لأن العزل في حد ذاته عقوبة وأظن أنه لن ينفع ، فقد تجاوزت السنة
الطبيبة النفسانية: لا نستطيع أن نوفر لها الأدنى ؟
المدير: ياحكيمة، هذا سجن وليس مركز صحي أو مستوصف
المحامي: من المفروض أن تكون هناك تسهيلات في الظروف الاستثنائية ، لأن هذا يساعدهم على كشف المجرمين ، والتقرير الطبي أثبت أن
أفراد العصابة تناولوا أقراص مسمومة قبل الحادث بدقائق ، هي الوحيدة التي لم تتناولها ، وهذا دليل على أنهم لم يكونوا رؤوسا ، ووراءهم شخصية بارزة ، يبقى كيف أقنعوهم بتناولها ، في حالة الخطر ، هذا أمر آخر ، لا يمكن أن يكونوا سذجا الى هذه الدرجة ، وحتى الحقيبة اختفت ، القضية خطيرة جدا ، وخلفياتها لا تزال تثير أسئلة كثيرة ، كانوا ثلاثة رجال وامرأة سوداء ، هكذا جاء في التقرير
المدير: ألا يمكن أن يكون قد نجى أحدهم وأخذ الحقيبة ، أو حظر أحد من العصابة الى الحادث وأخذها مثلا ؟
المحامي: فرقة المطاردة أكدت عدة مرات عددهم ، وكانت تتابع تحركاتهم من المزرعة حتى دخولهم مدينة أروان ، كان من الممكن القبض عليهم ، ولكن الهدف كان الوصول الى رأس الحربة ، الا أن العصابة تفطنت لذلك ، فاشتدت المطاردة وحدث ما حدث
الطبيبة النفسانية: امرأة سوداء ؟ امرأة خضراء ؟ تبتسم ، تهز رأسها ، برقت عينيها في الخفاء .. هناك شيء بداخلي يوحي الي أنها ليست مجرمة ، عندما أنظر اليها ، الى ملامح وجهها ، يديها ، حركاتها ، فيزيولوجيا ، لا يظهر عليها شيء من هذا
المحامي: لا يمكن أن تضيع هذه المواصفات مع فقدان الذاكرة ؟
الطبيبة النفسانية: مع طول الزمن ممكن ، ولكن مباشرة ، لا ، غير ممكن ، سأعود اليها مرة أخرى ، أستأذن
المحامي: أنا كذلك ، عندي التزام الآن ..
خرجوا جميعا وبقي المدير وحده يجتر حديثهما ، القضية أثارت فضوله كثيرا ، وليس من عادته ، حاول أن يصرف نظره الى شيء آخر الا أنه وجد نفسه محاصرة ..
أنا سجان ، ماذا يهمني من أمر السجناء الا خنقهم والتضييق عليهم وجعلهم يشعرون بالعقاب ، لماذا أريد حشر نفسي في أمر لا دخل لي فيه من قريب ولا من بعيد ، السجان جلاد ، لا مكان للرحمة في قلبه ، هكذا علمونا ، والسجان الناجح هو الذي يتمنى أن تكون الأرض كلها سجن ، وهذا حلم كان يراودني ، وهكذا فهمونا ، الملجأ الذي نشأت فيه كان كذلك عبارة عن سجن ، والمدرسة العسكرية سجن ، وتحويلي الى ادارة السجون كان طموحا من طموحاتي ، وها أنا ذا على رأس المؤسسة العقابية التي سموها تمويها اعادة التربية ، هنا يتطلب منا الخشونة وذل الرقاب ... صنعت من أجل هذا ، فماهذا الاحساس الغريب الذي يدفعه شعور بالذنب لأول مرة اتجاه هذه المرأة السوداء ، ما أظنه الا أنه نابع من سواد البشرة الذي نتقاسمه ... سأحاربه وأقضي عليه .. ضغط على الزر ، فظهرت الحارسة ، سارها وخرجت ، ذهبت مباشرة الى القاعة وبدأت تستفز السوداء ، كلمة جارحة ، صفعة ، ركلة ، بزاق ، .. دفعتها ، ولم تشعر السوداء الا وجامع كفها على خد الحارسة بكل ما تملك من قوة ، فوقعت على الأرض كالذبابة ، هرول اليها الجميع ، قامت ، وضعت لها القيود وأخذتها الى مكتب المدير ، تدفعها كما تدفع الشاة الى المذبح .. فأمر بعزلها في زنزانة ..
مر أسبوع على هذه الحالة ولا تزال على حالها ، صدق من سماك الصخرة السوداء ، أعادوها الى القاعة ، كانت انسانا آخر ، وكأنها تدخل السجن لأول مرة ، تبكي ليلا ونهارا ، يتساءل الكثير عما بأغوار هذه الصخرة ، هذا الجسد الممشوق رغم المحن والعيون النجلاء والشفاه الغليظة ... جمال في ضبابية ، أخذ بمجامع فؤاده ، لأول مرة يحس بالحرمان ، يحس بنقص عاطفي فظيع ، يبحث عن الحنان ، عن الدفء ، هذا الشعور الغريب ألقى به في غربة الذات وأدخله الى حقيقة السجن ، يحاول تبديد الظلام الذي يحيط به من كل جهة في هذا العالم الذي دخله ولأول مرة ، بعيدا عن القساوة وخشونة الحذاء ، هذه المعاني الجديدة التي دخلت بها هذه المرأة الى فؤاده غازية ، فحطمت كل القيود ، وحررت لأول مرة الروح الانسانية من أنكال التشويه وبشاعة البذلة ، ولكن ماذا عساه أن يفعل ، انه موظف ، عبد مأمور صادق العبودية ، ليس له الحق في مخالفة القول أو العمل ، الأوامر تأتي من الأعلى وهو دائما في الأسفل .. أغلق مكتبه ونزل الى الزنزانات والقاعات ، لا تسمع الا الهمس .. المدير ... المدير .. وقعقعة الأبواب وانصفاقها ، وقرعات حذائه على البلاط ، كانت خطواته في هذه المرة مثقلة يرد صداها الرواق ، تبعث في نفوس السجناء القلق والخوف وشعور باقتراب بشاعة النهايات ، يتفقد القاعة بعد الأخرى ، يتذكر بعض الوجوه التي مرت من هنا الى المقصلة ، أو حولت أو أطلق سراحها بعد الاستنزاف التام ... حتى وصل الى جناح النساء ، بعض الأسئلة الروتينية للحارسات ، والسجينات ، لم يكن كعادته ، كان حينها يجتر غربة السجن ، كاد يقول لهن ، لجميع السجناء في العالم ، لا تندهشوا العالم كله سجن ، وسكانه في غيبوبة ، كاد يقول لهم ان سجني أعظم وسواد ظاهري ما هو الا انعكاس لما أعانيه من غربة الذات في هذه الدهاليز التي تنبعث منها تصرفاتنا الظالمة التي لا نجد لها تفسيرا .. أما أنت أيتها الصخرة السوداء التي لا نعرف حتى الآن ما وراء هذا الجدار الأسود الذي بيننا وبينك ، حتى لو خرجت ، ستجدين نفسك في سجن أضيق وأسوأ ، ثم تحول الى الحارسة:
لا زالت على حالها ؟
الحارسة: بدأت تشعر بالذنب ، منذ عادت من الزنزانة وهي تبكي ، ولا يزال الجميع يتعامل معها بحذر ، بالمناسبة ، ماذا نفعل بالسجينة التي ضربتها
المدير: لا شيء ، حولوها الى قاعة أخرى ، انتهت مهمتها ، ستخرج في هذا الأسبوع ... غريب أمر هذه المرأة ..
توقف كثيرا في هذه القاعة ، وكأنه ينتظرها تقوم اليه ، ولما تأكد بأنها تعيش في عالم كله بؤس ، غربة الذات والديار ، انصرف بكبرياء منهزم ، وشعرت الحارسة بشيء في نفسه فقالت: ماذا أنت فاعل بها ؟
نظر اليها بشيء من الغرابة وانصرف ، دخل الى مكتبه ، الجو فيه لطيف ومكيف ، نزع معطفه ، علقه ، شمر على ساعديه وجلس ، كان الكرسي مريحا على مقاس جسده ، أخذ سيجارة ، يمتص دخان احتراقها الأبيض ، يبتلعه حتى لا يكاد يخرج ، ويرسله مع الزفير أسود حتى لا تكاد تراه العين ، والعقل كأنه حاسوب يبحث عن شيء خارج برمجته ، وحار الضمير وخانه التعبير ، يتسائل كيف تحولت آلة قانون مثله الى نفحات تجاوزت كل الأعراف والشرائع وتحدت البناءات الذاتية والتركبة النفسية لاحتواء انسانة مثل الصخرة السوداء .. هذا الرقم المجهول في عصابة دوخت عباقرة صيادي الجريمة ، وراءها دماء تصفيات وتبيض أموال ، قتل مئات بل آلاف العزائم وتهميش فئات كثيرة من المجتمع وتحويلها الى طاقات وقدرات لاستنزاف الذات البشرية ... هي دائما النافذة الوحيدة ، والزاوية الوحيدة التي ينظر منها مثله ويغض بصره عن المضخات التي تدفع هذه العمالة في سوق الاجرام ، تنظيم كهذا لا يأتي من العدم ، خلق الحدث التشهيري ومحاربته ، كالاختراق تماما ، تعمل به كل الجهات المختصة لتوجيه التيار الدعائي المغرض ، وكم نحن بارعون في صناعة مثل هذه الرياح ، نحرق الدار ونبكي مع صاحبها ... رغم كل هذا يمكن أن لا يحاكموها أصلا ، حتى يدركها النسيان ثم تختفي ولن يسأل عنها أحد مثل ما فعلوا بالكثير من مروا من هنا .. و الزمن أثقل من التراب ... حينها لا ينفعها طبيب ولا محام ، ولا حتى الذاكرة ، نعم الذاكرة ! ... يا ويحها ... يا ويحها .. يجب أن أحذرها ، يجب .. يا ويحها من عودة الذاكرة ... يجب أن أنبهها ، ولكن كيف ؟ أتمنى أن تكون ذكية ولا تقع في قدر التصفية ... البرزخ الذي بين القاعدة والقمة مثلها هو الذي يدفع الثمن في أغلب الأحيان وخاصة عندما يكون الرأس في السماء ، تقطع كل سبل الوصل ، وما أنتن فساد الرأس وما أبشعه مقابل نتانة البطن وما أهونه ، وبمواصفاتها وصفاتها ، ما تكون الا أرنبا في سباق جميع الأطراف ، تنتهي اللعبة ويحسم الأمر في وثبتها الأخيرة قبل الوصول ، ويعود الجميع الى مواقعهم ، كل في رواقه ، حتى يظهر أرنب آخر أسذج .. يبتسم بعضهم لبعض ، ويشير القدح الى القدح من بعيد في انتظار جولة أخرى ... وتستمر الحفلة كما يقول المثل الفرنسي ...
الفصل السادس
مختار أحمد سعيدي
10-27-2011, 10:08 PM
الفصل السادس
وحده أمام الباب ، طويل حتى انحنى ، تملأ علامات الغضب وجهه ، ينظر اليه بعينين ترمي شرارات المقت والازدراء ، برزت فيه كل مظاهر الجهالة ، سلم عليه ، لم يرد ، ولما فتح الباب دخل دون استئذان ، عرفه ، انه صاحب القضية ، انه من ذلك النوع الذي يضر في قوة ويضر في ضعف ، فض ولا يعرف الاستفهام الا بعد الحكم ... هكذا بدأ اليوم عصيبا ، لم يتكلم بعد ، ينظر اليه يرتب أوراقه ، فتح نوافذه وجلس ، لا يزال الرجل واقفا
كريم: تفضل
الرجل: أنا لست هنا لأعاتبك أو ألومك ، صدق من قال: محاميها حراميها ، يكفيكم ما أنتم فيه من حرمات وأكل أموال الناس بالباطل ، وشهادات زور ، و افتراءات ، وتلفيق ومحاباة الظالم ، وتعطيل الأحكام ، قل لي بربك ماذا بقي لكم وقد جردتكم المادة من كل القيم والأخلاق ودستم علينا ... أعطيني ملفي
كريم: اننا الدواء المر يا سيدي الذي لا بد منه ، ورغم حكمك هذا فلا بد لك من محام بهذه المواصفات يدافع عنك ، أما أنا لست كذلك ، أنتم برشاويكم وسكوتكم وأنانيتكم من ساعد على التعفن والفساد .. خذ ملفك ، واحمد ربك أنني أنا خصمك ، ولو كان غيري لمرت فوقك قاطرة قطار لا تعرف الوقوف الا في محطات معينة ، وليس كل أخضر حشيش يا فضيلة الخلق .. أنا ملزم بعقد اداري للدفاع عن القطاع الصحي ، ولكن هذا لا يمنعني من الدفاع عن الحق والوقوف بجانب المظلوم ولو بالسكوت ، فكن مظلوما فقط وسترى صدقنا ونحن نرافع من أجل احقاق الحق ورد المظالم .. من أجل عدالة القضاء ، والعدالة فقط ... أعرف أن فقدانك لزوجتك وابنك ليس أمرا هينا وأني أخطأت معك ، وربما وجودي ضدك يخدمك أكثر ، تفضل خذ ملفك رب ضارة نافعة ..
خرج الرجل وترك كريم في حالة غليان فظيع ، هذه المهنة الشريفة التي دنسها الخبزيون ، أذيال البيروقراطية التي ضربت أطنابها في أعماق القضاء ، وصنعت من الظلم قدرا محتوما ، وتحولت رموز العدل الى أشباح وغربان تجتمع دائما على الجيفة ...
أثار هذا الصراع في ذاته ثورة زادت من حدة الندم على توجهه هذا ، كل شيء أصبح عدوا ومخيفا لهذا الشعب الذي ابتلي بكل الأمرض ، لا يؤمن بأي شيء ، ولا يثق بأحد ، سكنه الشك الى درجة الكفر بكل شيء ، فقد الأمل الى درجة أنه شل فيها من مفعول رد الفعل حتى بأضعف الايمان ، أصبح العدل سفسطة لا يطاق ... الرشوة ، المحسوبية ، البيروقراطية ، قلة الحياء ، فقدت النخبة كل مفاهيمها ، أصبحت كالملوك بمفهوم بلقيس ، هكذا احتدم التوتر في نفسه ، التي كانت تحاول جاهدة أن تدفع باليأس بعيدا ، نخبة مهملة لا تؤمن بالمثالية ، تنسلخ بسهولة ، تثمن حضارة غيرها على حساب مقوماتها وتاريخها وعجزت عن الدفاع عن الارث الحضاري والثقافي لامبراطورية لا تغيب عنها الشمس ، لا تضاهيها أي حضارة عبر التاريخ ، استصغروها فكانوا أصغر .. ولا يزالون ، وصدق من قال سلطان جائر ولا رعية فاسدة ، يكتبون لا يقرأ لهم أحد ، ويتكلمون لا يسمع لهم أحد ، يعيشون الاعتزال والهجرة والشرود الى الأمام ، يجترون افرازاتهم ، تجدهم دائما في آخر محطات الحياة ، يختفون وتمحى آثارهم ولا يذكرهم أحد ، تفاعلوا مع مجد أموات الشرق والغرب ، تواصلوا معهم ، فرحلوا اليهم وهم أحياء ، تطاردهم لعنة الانتماء التي يغتالونها في هذه الأجيال الصاعدة ... تقتلهم في كل منعطف حسرة الرفض .. فما أتعسهم!.. تحكمهم الجهالة مستسلمين ، أو يفرون حيث يتفرجون على شعوبهم وهي تجلد جلد العبيد ، أكبر تضحياتهم كلمات عن بعد ، نعامات القلم وفرسان الخيال ..
لما دخل مساعده ، تركه في المكتب وخرج .. دخل الى محافظة الشرطة ، كالبعوض في حركته ، أغلبيتهم يعرفونه ، سلم عليهم ..
المحافظ: مرحبا بك أستاذ ، كيف حال الوالد ؟
كريم: بخير .. أتيت بخصوص هذا الاستدعاء للوالد
المحافظ: آه ، تفضل ، اجلس ، مرحبا بك ..
أخرج من الدرج ملفا ، فيه برقية ، أغلقه وقال : ليست لدينا المعلومات الكافية ، هذا مجرد تبليغ يأتينا للبحث عن المتهمين الذين هم في حالة فرار ومطاردة ، المهم .. هذا فيما يخص لشرف خضراء ، هي أختك ، كانت تعمل في المستشفى ، منذ متى اختفت ؟
كريم: أكثر من سنة
المحافظ: لماذا لم تبلغوا عنها ؟
كريم: أنت تعرف حساسية الوالد في هذه الأمور ، كان يكون موقفه حرجا جدا أمام القبيلة وفضيحة كهذه يمكن أن تقضي عليه نظرا لحالته الصحية المتدهورة ، لكنه لم يكن يتصور أن تصل الأمور الى الشرطة ، لعلها تهورت وألقوا عليها القبض ، صدقني كانت تتميز بأخلاق فاضلة وسلوك أحسن
المحافظ: يا أستاذ ، أختك متهمة بتهريب المخذرات وتبييض الأموال والتصفيات في أوساط المافيا .. ولا زالت في حالة فرار ، انها أخطر عنصر في العصابة
كريم: مهربة ؟!! لا والله
المحافظ: انها الحقيقة يا أستاذ ، لقد تركت وثائقها في سفط على مائدة حانة في ضواحي العاصمة وفرت ، الدرك والشرطة يبحثون عنها في كل مكان ، بيتكم تحت المراقبة منذ أسبوع ولا يزال ، وهذا الاستدعاء فقط لنخبركم بالأمر ، ونطلب مساعدتكم للقبض عليها ، فبلغونا بأي اتصال ان حاولت ، تعاونكم معنا مطلوب قانونا وحتى شرعا وأنت أعرف بالاجراءات ، لا يزال الأمر في سرية تامة ، الرجاء التحفظ قدر الامكان ... اشاعة الخبر في مثل هذه الحالات جريمة لا تغتفر .. أتأسف ولكن هذه هي الحقيقة .. بلغ سلامي الحار للحاج لشرف ، وقل له الأمر ليس بأيدينا ، ولو كان كذلك فأنت تعرف مكانتك عندنا ... مسكين الحاج لشرف لا يستاهل ، غريب ! ومن بنت بالتبني ...
عاد كريم الى البيت في حالة نفسية مزرية واحباط تام .. لا يكاد يصدق ، الا هذه أيها القدر ، الا هذه ، ثم لماذا ،.. لا يمكن أن يصدق ، خضراء الطاهرة العفيفة مهربة ؟! الا هذه .. ومن يدري لعل الظروف القاهرة وقساوة الشارع صهرت فيها هذا الجانب الخبيث ، لعلها رغبة الانتقام من المجتمع الذي كانت ضحيته ، وتبقى مسؤوليتنا كاملة ونحن السبب ..
كان والده يهم بالخروج ، صرف نظره يمينا وقال: الأمر خطير جدا يا أبي
الأب: ماذا هناك ؟
كريم: خضراء يا أبي .. خضراء
الأب: ماذا فعلت هذه اليابسة ؟
كريم: انها مطاردة من طرف الشرطة والدرك ، لقد اكتشفوا أنها تشتغل مع عصابة في تهريب المخذرات ، الشرطة تبحث عنها في كل مكان ، كان من المفروض أن يداهموا بيتنا ، الا أنهم لما عرفوا أنها غادرت البيت منذ زمان ، واحتراما لسمعتك ومعرفتك للعميد لم يفعلوا
الأب: يا للفضيحة ، يا للعار ، انها الآن تنتقم منا جميعا ، ماذا سيقول عني الناس ، وأهل القبيلة ووجهاء البلدة ، خلاص يا كريم ، سقطت هيبتي ، أنتحر ولا أتركهم يفعلون ..
كريم: حتى الآن لا أحد يعلم ، الشرطة طالبتنا بالتكتم ، بل أمرون ، وطلبوا منا مساعدتهم لالقاء القبض عليها ، يجب أن نبحث عنها ونسلمها للشرطة المحلية لحفظ ماء الوجه وتبرئة ذمتنا أمام الجميع ، وبعد ، يا أبي ، أبناء وزراء وقيادات كبيرة تورطوا في ماهو أخطر ، لماذا تعطي الأمر من الأهمية أكثر مما يستحق ؟
الأب: أين نبحث عنها ؟ ، أين ؟ وأين نجدها ؟ انها تريد أن تقتلني بالعار والفضيحة ، لن تستطيع الوصول اليها أبدا ، يا كريم أبناء الوزراء أخذوا مكانتهم من شرعية الدولة ، وهي التي تحميهم أما أنا مكانتي أستمدها من الشارع والقبيلة ، وحكمهما لا يرحم ، اليد التي ترفعك هي التي تنزلك لما ترى مصالحها في خطر ..
كريم: المحاولة لا تكلفني أي شيء ، وللقدر مسببات .
تلاحق الجميع ، الأم ، العمة نونة ، ثورة ، أحمد ، كلهم في الرواق ، وقع الخبر عليهم كالصاعقة ، تتطاير شرارات الغضب من أعينهم ، وظهر الامتعاض عليهم جليا الى حد الرغبة في الانتقام ، الا الأم ، بدى عليها الارتباك واضحا ، لم تقل ولا كلمة ، ينظرون اليها جميعا بعيون العتاب ، أحرجها الموقف ، فهزت كتفيها وانصرفت متظاهرة بتجاهل الأمر ، دخلت الى غرفتها ، أغلقت الباب وبدأت تصارع دوافع الحنين والبكاء ، تستنجد بتبريرات واهية أمام صدق العاطفة المنبعث من العمق ، من عمق قلب الحنو ، وتخلى عنها كل شيء وظهر واضحا تهورها في ارادة اغتيال الحقيقة من جديد .. ليتها لم تفعل .. وهي كذلك ، واذا بالباب يفتح بكل هدوء ، دخلت العمة نونة ، جلست على الكرسي ، استوت وتربعت الأم فوق السرير تنتظر العمة أن تتكلم ، وحال السكوت واستوطنت الظنون نفس الأم لتتدارك الحقيقة ، وبدأ الرعب يسري في أعصابها باردا حد الارتعاش ولم يطلق الجو الا ابتسامة حنو من فيض عاطفة مكبوتة منذ زمان ، وبدون أن تشعر ارتمت في حضن العمة وانهارت بالبكاء ، أحست العمة بالدموع وهي تحرق ثيابها وتبلل تجاعيد صدرها التي رسمها الزمن ، تضمها بكل قوة ، شعرت برحمة ارتياح تكتسحها ، ولانت الحشرجة التي كانت تخنقها فرفعت رأسها ، مسحت دمعها وقالت لها: كم أنت طيبة يا نونة
نونة: أعرف كل شيء ولهذا أقاسمك هذا الشقاء في صمت
الأم: تعرفين أن خضراء .. ؟
نونة: نعم ، أعرف كل القصة بالتفصيل
الأم: كيف عرفت ؟
نونة: بطريقتي الخاصة
الأم: ومن غيرك يعرفها ؟
نونة: بطبيعة الحال ... المبروك
الأم: المبروك؟ .. هذا هو الرقم الصعب في معادلتي ، وسبب شقائي ومزعزع أركان هذه الأسرة ، دخلها كالشبح نخرها وانصرف
نونة: لست وحدك في هذا العالم ، حماقاتنا نحن النساء كثيرة ، كم من امرأة دمرت بتهورها كيانا بأكمله ، أنا مثلا لولا تهديداتك لأحدثت كوارث أخرى لم يسجل التاريخ مثلها أبدا ، وأنت أعلم بي
الأم: لا أعلم كيف جاءت هذه المصيبة ، توقعت كل شيء الا هذه ، أولادي كلهم يشبهوني ، أثناء الوحم أشعر بغرور كبير ، أعود بكل مشاعري صبية ، أغضب لأتفه الأسباب ، أحب الاسترضاء والدلع ، لا أنظر الا الى نفسي ، يعجبني جسدي ، وألازم المرآة ، وتكثر رغباتي ... كنت أعذب الحاج بطلباتي ... كان يلبيها دون تحفظ وبطيبة خاطر رغم خشونته وغلظته .. والله لا أدري ؟
نونة: أنت الآن مجبرة على التصرف بحذر ، اختاري بين انهيار عاطفة وراءه فضيحة ، ودفن حقيقة هي الآن رميم ، سينتهي هذا الكابوس على يد جلادها بعيدا ، أتمنى لها المشنقة من كل قلبي ، أعرف أن الأمر ليس هينا ، انها فلذة كبدك ، لو تخلصت منها كما فعلت أنا ، لما وصلت الى ما أنت عليه الآن
الأم: ليتني قلت لهم الحقيقة في أول الأمر ... ليتني فعلت .
دخلت ثورة وبدى على وجهها الاستغراب ، لأول مرة تكتشف أمها وعمتها يجلسان هذه الجلسة الحميمية ، أمي في حضن عمتي ؟! غريب !! غريب !!
ثورة: أتمنى أن لا أكون قد أحدثت لكما ازعاجا
الأم: أبدا .. أبدا يا بنيتي ، انه الضعف البشري ، مهما كان سن الانسان في بعض الأحيان يحتاج الى نصيب من العطف والحنان ، نادرا مايجده في المحيط ، وأنا لأول مرة أكتشف في عمتك هذا السيل من الحنو والتحنان ..
كانت حينها ثورة تبحث عن كلام يواكب حديث أمها ، ولكن ضاع منها سياق الخطاب لم تكن تتوقع أبدا الخوض فيه يوما من الأيام ، عمتي هذه القلعة التي أغلقت أبوابها كل هذه السنين ، تفتحها لأمي على مصراعيها وتدخلها الى الحضن برفق الأمومة ؟! ... لا يمكن أن يكون وراء السر الا شيء عظيم ، غريب ! أمي ولا أعرفها ... آه منكن يا نساء زمان ، سواهي ودواهي ... وبدأت الرغبة تدفع الفضول فقالت: أشعلتما نار غيرتي ، وأنت يا عمتي يجب أن تعوضيني كل سنين الجفاء والعزلة ، كدت أنشأ معوقة من نقص حنانك وعطفك ، هاهي ذي أمي أعطتني كل ما تملك من حنو ، وهي الآن تتزود من فيضك .. أحسدها .. أنت عمتي ولست عمتها .. فابتسمت العمة نونة تعلن انهيار الجدار الذي كانت تختفي وراءه وقالت: أمك أقرب الي ، لأنها عاشت ما عايشته في زمن مضى ، زمن الجحيم الداخلي في الخفاء ، يوم كان النساء نار تبن والرجال من لهب ، أمك أعادها هذا الحنين الى حضني ، وحضني اليوم من رماد ، الكل في ذاتي تحت رحمة العد التنازلي يطارد التوقف ، أشعر بهذا ... عندما نخطئ يغفر لنا الجميع الا أنفسنا ، تطاردنا اللعنة الى القبر لأننا أناس لا نقبل الخطأ ، هكذا علمني أبي ، نحن يا بنيتي من قصب الخيزران نتكسر ولا ننحني ، نطوع الدهر ولا يطوعنا الا الموت ... نتحدى كل شيء ونعاند ..انظري الى أبيك ، أنت التي ما أخذت منه الا القليل .. ولعله اختلاط ...
انفتح فم ثورة تنظر الى عمتها ، كأنها تلقت صفعة أيقظتها من غفوة ، بهتتها عمتها ، انها تعيش سقوط آخر المتكبرات ..
ثورة: عرفت الآن لمن كنت تدخرين طيبتك .
ضحكت العمة وقالت: أنتم في غنى عن مشاعري بأمكم وأبيكم ، أما هي فليس لها أحد ، مثلي أعوضها وتعوضني ، لأننا نتقاسم السن والزمن ... والهموم ، الحرية التي تنعمين بها أنت اليوم نحن دفعنا ثمنها باهضا ولا نزال ..
ثورة: أنا لا أصدق عيني ، وأذني ، هل أنت عمتي ؟ ذلك الشبح الذي لا نراه ... هل ما حدث لخضراء فتح باب قلعتك على مصرعيه ، أم هناك سر آخر
العمة نونة: خضراء اللقيطة ؟ صانعة الشقاء الأسود في هذه الأسرة ، انها اللعنة التي أصبحت تطاردنا جميعا، تعددت بشاعاتها وتنوعت ، انها حلقات الرعب من الزمن الماضي المظلم الذي لا يستطيع أن يفك طلاسم وشمه أحد ، .. خضراء يا بنيتي صفحات من الماضي مزقت ورميت في سلة الفضلات ، عندما نذكرها وكأننا ننزل من شموخنا الى المصارف النتنة
ثورة: لا أكاد أصدق ، خضراء هذه الخيبة الكبيرة مهربة ؟!
الأم: لا شك أنهم ورطوها ، وهي على نيتها ، خضراء يمكن أن تفعل أي شيء الا هذه ... قلبي يحدثني ويؤكدلي براءتها ..لا ، لا ، الا هذا .
تنظر اليها العمة بعمق لتنبهها عن هذا الانسياق وراء العاطفة ، أخذت بيدها وقالت:
عندما خرجت من البيت ، لا شك أنها كانت تنطوي على الشر فوجدته ... تستاهل ... وظغطت على يدها
الأم: أنا لا أنفي عنها التهمة ولكن أتعجب من هذا التحول السريع
ثورة: هكذا هي سواد في ظلام .. منذ عرفتها أنانية ومغرورة ، تستغل ضعفها المصطنع وادعائها التمييز ، وتنطوي على رصيد رهيب من الخبث والمكر .. انها قادرة على كل شيء ، لا تستحق الأسف والشفقة ، بديهية هي نهايتها اذا كانت حبل المشنقة ...
نظرتا الى بعضهما وأطرقتا ، خرجت ثورة تاركة الباب وراءها مفتوحا ، وقبل أن تختفي التفتت ، رسمت بسمة ماكرة ، وقبل أن تستوي اصطدمت بكريم ، مسكها من منكبيها والابتسامة لا تزال بادية ، نظر اليها جيدا .. غمزها ، رفع يداه وتركها تمر ، لما تجاوزته تمتمت ، التفت فوجدها قد اختفت ، دخل الى غرفة أمه فوجدها وعمته في جلستهما ، الأم تنظر الى الأرض والعمة تنظر اليها
كريم: أمي وعمتي ؟! ... وبسرعة حول الاستغراب الى مزاح ، يتحاشى النظر الى عينيهما ..
سعيد بهذا الجمع يا عمتي ، أشعر بتحول وانعراج جميل بدأ يبسط رحمته على هذه العائلة ، أتمنى أن يكون باطنه كظاهره .. أخلطت لنا الأوراق خضراء ، ونحن السبب ، دفعناها الى الانحراف بقصد .
العمة: وكيف يكون القدر قدرا اذا لم يصنع هذه التحولات ... من كان يظن أننا نأوي مجرمة .
كريم: حتى أنت عمتي ، مثلك مثل من سكت دهرا ونطق كفرا ، هل نسيت ماكانت تقدمه لك من خدمة في كل حالاتك وخاصة في مرضك ؟
العمة: أنا لا أنكر ذلك ، ولكن يجب أن نسمي الأشياء بمسمياتها ، هي الخادمة وأنا السيدة ، وهل تريدني أن أخدمها ! ..
كريم: خلاص حكمتم عليها ؟ وأنت كذلك يا أمي ؟
الأم: بارك الله في رجل اذا جال ولا بارك الله في امرأة اذا جالت .
كريم: انه التشرد الذي فرضتموه عليها ، انه اجحافكم ونكران الآخر ، حرام يا أمي .. حرام
الأم: يشد قلبك ناصية لسانك ، أنت دائما كذلك ، طيب وسموح .
العمة: لماذا لا تدافع عن كيان هذه العائلة وحرمتها وهيبتها وسيادتها التي تريد خضراء مسخها وتدنيس شرفها ؟ ... منذ كانت فرنسا هنا ونحن أسياد القوم ، تأتي لقيطة مثلها وتـ ...
كريم: كما يمكن أن يجتمع الناس على الشر ، يمكن لآخرون أن يجتمعوا على الخير ، وأنا أدافع عن المظلوم في أي صف كان ، لا يهمني أصله ولا فصله ، يكفي أنه انسان .
العمة: خضراء ظلمت نفسها ، خضراء هي من أصل الظلم ..
كريم: سأذهب الى العاصمة وأطلع على ملفها وأدافع عنها .
العمة: ماذا؟! تدافع عنها ؟! مجنون أنت ؟
الأم: ان قمت بذلك فلا أنت ابني ولا أنا أمك
كريم: مستحيل أن أتركها تلاقي مصيرها وحدها .. ربما يحكمون عليها بالاعدام ... مهما كانت انها العشرة يا أمي ، هل نسيتي خضراء وهي طفلة بريئة تصنع بهجة البيت ، لا زلت أذكر لما كنت تلعبي معها حبوا ، تنبطحين وهي فوق ظهرك ، تطل على وجهك يمينا وشمالا ، تطاردينها على طول الرواق وهي تقهقه وتصرخ ، تصنعين بمداعبتها فرجة ومتعة وسرور نفس .. حتى أدركتنا الغيرة منها أم أدرك النسيان هذه الأشياء الجميلة ؟ أين تلك الرحمة يا أمي ؟ وبعدها ، تحولت الى خادمة ،وحرمتموها من كل حنو وكأنها آلة، فرضت وجودها خدمتها ، كابدت مرارة الحياة وضنك العيش ، كل هذا لا يشفع لها يا أمي ؟ حرام .. حرام ... حرام
الأم: بشرط
كريم: مقبول مسبقا .. لا أتزوجها ..
الأم: نعم ، اذا قبلت فأنا موافقة
العمة: وعد الحر دين
كريم: أعاهدك يا أمي اذا ثبتت عليها الجريمة
الأم: موافقة
خرج كريم ممتعضا من هذه الصفقة التي كانت على حساب مشاعره ، الا أن الآمل في كسب القضية كان أكبر ...هل هي سذاجة العاشقين أم هو الحب الصادق يتحدى و يغامر، و يقاوم ، تدفعه عزيمة الوفاء الروحانية ، القادرة على تحقيق المعجزات ؟..رغم هذا ، فتح الموقف شهية خوض معركة هذا المصير الى آخر المطاف .. و من يدري ؟..انه متيقن الآن أن خضراء بريئة .
تفجرت الذاكرة و خرج منها ذلك اليقين الرهيب الذي سيدمر كل الشبهات و يحطم التهم و يخلصها .. و تبقى عزيمة الحب أقوى من كل العزائم ، تحرر الصبر المكبوث ، و تفجر الشوق أنهارا منصهرة ، ليصنع الحدث الجميل في حلم ملتهب يزين الذات و يفتح أبوابا كانت في النفس موصدة .. وماذا يفعل القضاء عندما يروضه القدر و يغير مهب الريح ما بالنفس في الاتجاه الذي نأمله ، ينقاد و يصب في النهر الذي نريد.. تلك هي المرأة الصالحة ، الصادقة ، نعتنفها كما نعتنق المبادئ و لا يردنا عنها القهر و لا الدهر ..
شاكر السلمان
09-14-2012, 07:53 PM
نعيدها للضوء مع التقدير
vBulletin® v3.8.9 Beta 3, Copyright ©2000-2026, TranZ by Almuhajir