مشاهدة النسخة كاملة : جميع أجزاء رواية حياة شهد ( تصميم أنثى )
حياة شهد
10-11-2011, 01:40 AM
* الجزء الأول *
كنت حين أغفو على كتفي الألم يماطلني و يساند انبعاث جثة الشجن بداخلي حتى لا أكاد أصرخ طفلا يولد من جديد ... حتى أعتزم كتم أنفاسي و أنا بعد في لفافة الأحزان ... أشرع في فك خيوط وسادتي الحريرية المعقَّدة التفاصيل و أنسجها شعرا يغطي قامة حزني الفارهة ....
تمتد عصور و تطوّق دفاتري و أسكر للحظات ... كانت الكتابة نشوتي الوحيدة التي أتخبط عند حدودها بكل حرية و دون أن تلطمني أمواج بحر ليس لي ... دون أن يصطدم قاربي النحيل بصخرة طاغية أو جبل جليدي كوَّنَتْه أنفاس الصيف المعْتلّة .... وكأن الصيف ارتدى حلَّة ليلة شتوية لبعض اللحظات .. نشوة استحضار ملكه السرمدي .. و استحضار لأرواح اختفت بغموض شديد بين دفاتره المنسية ..
كنت أجلس و في حضني قطعة ورق صفَّفْتها على آخر موضة لتسهِّل علي مهمة رسم الكلمات المتدفقة كألوان صارخة .. كثيرا ما تشنقني قبل أن تتجاوز نحري لتصل سقيمة، تنحَّط كعصفور مكسور الجناحين على الصفحات بعد أن تجبرني على البكاء و عرض مفاتن الألم و الانكسار بداخلي ....
كنت أبكي بكائي المميّز كلّما شعرت أن الألم تدحرج على جسدي مهيلا ليصل حافة الكلمات .... بكائي الجاف الذي تنمو على حوافه عاصفة شعرية صامتة تجتث من نفسي سكينتها، تذيب صقيع الاحتمال بداخلي فيضطرب كياني و ترتجف هواجسي لدرجة الانزواء الحسي ... أجلس بين كلمات قصيدتي ألملم حروفها و أجفّف دموعها .... بمنديل شَرَّحته هفوات الألم ألف سنة فاعتاد ممارسة طقوس الانسياب التلقائي على وجنتيّ لمحو أثار الأودية المرسومة ...
رحت أجوب الشوارع ليلتها أبحث عن شيء أضاعه طيشي يوما ... بين السيارات، بين اللّافتات، بين ألاف المصابيح المعلّقة في انسجام تام و كأنّها تستعطف القمر الذي بدا باهتا و كأنّه أصيب بزكام خفيف من وقع المشاعر الباردة التي كانت تمارسها الشوارع الموبوءة و الأجساد الموبوءة و السيارات التي تصطف أحيانا على قارعة الطريق في نواحي متعددة، دون أن يجرفني الفضول لمعرفة سبب الركن المتشابه ... كأنّها حمى تجتاح الشوارع، حين يزحف اللّيل راجلا نحو مدينة لفَّها ضباب سجائر المساء .. و تاهت في زوابعها و متاهاتها طفولة منهكة ..
كنت حزينا . أعُّد دقات حزني الني كانت تتسارع على طبول خطاي المترنّحة و جسدي المحموم من نزلات آلامي . رفعت بصري حين فاجأتني خاطرة الهروب من العتمة المحيطة لتصطادني أنوار المدينة المتلألئة في خبث أنثى (http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=22252)... تترصد ضحاياها من المجانين حتى تسلبهم لحظة طيش كانت مقيّدة لسنوات ..
المدينة تبدو كأنّها تحتفل بمهرجان نجوم ليلي ...
جلست على إحدى المقاعد المهيأة خصيصا لشحن بطارية النزوات و الانقياد نحو مستنقع الضياع ...
تقابلني لوحات فنية شديدة الإتقان و أضواء منعكسة ... و زخارف و جماجم و رقصات على طبول الاستهتار .
كان هناك ملهى ليلي أم قد يكون مرقص تساوت عند مداخله أفرشة حظائر السيارات من حيث أناقتها و الذوق الرفيع لمرتادي المكان .... ممن يملكون صلاحية التجوال ليلا و كأن مظاهر البذخ بطاقة دبلوماسية ترفع أمامها تحية عسكرية خاصة .. و تلويح بأعلام بلد مجهول بكنية راقصة ..
أطياف تتهاوى كأنها نيازك في عتمة الليل تعكسها الأضواء الملوثة من كل حدب و صوب قررت فجأة الدخول لأحتسي كأسا من مرارة الدنس الموجود داخل كهوف العصيان .. دلفت في هدوء ..
كانت مظاهر الجنون تستهويني أو بالأحرى تستهوي فضولي ..
دلفت في صمت قاتل، لم تحرِّكه زوابع الغناء الصاخب و لم تزحزحه شظايا الأجساد المتناثرة هناك .. جلست و رحت أراقب تحت شمس ليلية قوافل الجنود التي كانت تهطل كأنّها تتهيأ لدخول حرب مصيرية ...
الطاولات قد امتلأت، اقترب النادل منيّ و عرض عليّ أفخر أنواع الكؤوس و ألمعها ... كأنّ الرجولة هناك تُقاس بكمية الجرعات المستلقية على ظهر الوعي، فإما تُشْغِله قليلا أو تُشرِّده ألاف الكيلومترات فيتيه .... تُقاس بحجم الكؤوس المنتقاة للتشابك ...
كان العالم من حولي قد ثمل فتصاعد دخان الأصوات المتعالية حتى كتم على أنفاسي ... ارتاحت بذلك المدينة من غطرستها و اتزانها، اختفت قهوة المساء الفاخرة و سرحت البدلات الفاخرة في عالم آخر و اضمحلت الفوارق ...
هناك على طاولة الحقيقة تشرَّحت الأنفس و اتسعت رقعة التجرُّد من الكذب و النفاق ... بدا الكل على سجيَّته من دون أقنعة و لا زيف ...
تبدد العمر في كأس أُفْرِغَت من محتواها للتو ....
أبعدت نظري عن حفلة التعرَّي من المبادئ تلك، كانت هناك راقصة تتلوّى و كأنها تحاول الإفلات من النوتات الموسيقية المقذوفة نحوها ... رقصها جميل و بذخها جميل و دناءتها أيضا جميلة ...
عند حدود قدميها أُشعلت الشموع و رقدت الملايين و الملايير تداعب خطاها الرشيقة فتزيدها تمايلا .... و كأنّ لسعات النقود المتقاذفة أصابتها بهستيريا و انهيار جسدي مفاجئ ..
لم أطلب شيئا .. لأنّي شعرت برغباتي المتكرّرة في الغثيان من تلك المناظر الفظيعة .. و الحقيقة أنّي كنت لا أشرب و لم أفكّر ليلتها في تذوق النبيذ بقدر ما فكرت في أن أخفّف عنّي وطأة أنفاسي الحزينة و تنهيداتي القاتلة .... و قصيدة شعر متلعثمة رفضت مبارحة شفتيّ فحبست ما بعدها من كلمات مجحفة في حق الطفولة المفضوحة هناك في صورة أنثى، ارتدت كعبا عاليا كي تخدع شهادة ميلادها ..
لا أدري كم مرَّ من الوقت على جلوسي وحيدا بتلك الطريقة ... رغم أن خُلوتي تلك كثيرا ما قطعتها أطياف النساء ... و لعنات الفاتنات ... و ضحكات متكررة رغبة في الإغراء و كنت أشيح بنظري عنهن قدر ما استطعت .. و قدر ما أملته علي كرامتي الأدبية .. !!
لن أخفي أني ربما شعرت بميل و انجذاب نحو بعضهن فلو أنكرت ذلك لكنت شرَّحت رجولتي على طاولة الكذِب و النفاق .. لكنّي تداريت خلف مبادئ قررتها أن تكون رفيقتي بدل تلك المرأة المختفية ....
تساءلت ..كيف لمثل ذلك العالم أن يدَّعي الحب و شهقات اللّيل الصاخبة تكسر كل إطلالة لقصيدة شعر عفيفة .. تحرق الحروف و هي بعد في رحم الشفاه .. تغرق قاربا كان يحمل ذخيرة مواقد الشتاء .. تلتحف بشراع سفينة لتوِّها قررت الإبحار .. و كأنّ التغطي في موسم بارد يحرر الفصول من شذوذها في ممارسة طقوس غيرها ..
ليلتها كنت بحاجة ربما لنوع من التحنيط كي أحافظ على جسد مشاعري الغض من أن تتلفه أنامل الأفاعي الغارقة في الدنس .... تمنيت لو أننَّي غادرت غرفتي و تركت كل أفكاري و رغباتي بين جدران دفاتري و أحكمت إغلاقها ... حتى لا تتوشّح شيئا من تلك الفساتين الغارقة في الدّجل و التسوّل العاطفي الكاذب .. حتى لا تنهار أساطيلها خلف قذيفة شعرية ملفّقة تسرح بين أبياتها لغة عامية و منافذ كلمات غربية ساقطة، تداري عيبها خلف قافية مختارة بتواطؤ شاعر باع قوافيه بالمزاد العلني لحاجته الماسة إلى نقود تغطي مصاريف ليلة مشبوهة .
تمنيت لو أنّي تركت جزءا من ذاكرتي هناك ..تحت وسادتي، تحت سريري المبهم المتعجرف ... بين دخان سجائري الشعرية النزعة، التي تنفث دخانها كلمات ... كنت حين أكتب تتصاعد أبخرة الحروف لتبلغ سقف غرفتي و ترتسم كأنّها أنثى (http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=22252)دون ملامح .. كانت هي المرأة التي أحب بكل تصاميمها و كأنّه يستحيل أن تُرْسم امرأة واحدة بكل تلك التفاصيل الخارقة، الدقيقة ... لكنّي مع هذا شعرت أنّها موجودة في شبر ما من هذه الدنيا ....
لطالما ضغطت على نفسي و أسرفت في الكتابة ليتكاثف الدخان حولي حتى أبصر ملامحها ... حتى أبحث عنها بين أنقاض هذا العالم .. و في جيبي وثيقة هوية لها و صورة دخانية ملوّنة مطبوعة بآلتي الكاتبة .. و بقايا سجائر ..
لكنّها لم تظهر ....
شعرت بشيء ما يلامسني فأصبت بحالة ذعر مفاجئة بفضل ما تجرّعته من كؤوس الحزن و التذَّمر و الانصياع لأفكاري الغريبة ..انتفضت فجأة و قبل أن أنتبه من حالة ذعري تلك أطلَّت هي من خلف ستارة شعرها المكهرب تماما كما تكهربت أشلائي حينها .... لم أبصر ملامحها بقدر ما أمسكت ببقايا دخان شعرها المتموّج المجنون و هي تنحني لترفع شيئا ما قد سقط على الأرض ... قد يكون أي حرف من حروف قصيدتها التي انهالت تقطفني من حديقة همسي الصامت و دفاتري غائبة ... أشيائي حبيسة بين جدران غرفتي ...
فأين الخلل ... ؟؟
ما هو الشيء .. ؟؟ الذي اختفى و تسلَّل خفية من بين مقتنياتي الحسِّية ليسقط مني في لحطة شرود .. و يتبعثر فتلتقطه تلك المرأة التي كانت هناك قبل ثوانٍ ..و في أقل من ثانية رحلت ..
أتراها قصدت أن لا تُريَني ملامحها حتى لا أحاول استرجاع حقيبتي المفقودة .. و أشيائي المنتَشَلة في لحظة تيه ..
لم تتكلم، لم تُعَقب ....
شيء ما جذبني لتلك المرأة .... لم أفهمه ...شعرت أنّها جزء فرّ من دخان غرفتي، تتشابه تماما مع صُوَرِي منزوعة الملامح ...
انصَرَفَت في صمت أَخْرَسَ من حولي كل تلك الأصوات و كأنَّها حالة صمم موسمية مؤقتة .. تزامنت مع فصل ما ... لم تتضح معالمه، للحظات أضعت ملامح كوكبي و كأنّ الخريف الذي يعيشه العالم من حولي قد تلاعب بأوقاتي .. و ساعاتي .. و حالة الطقس ..
لا شد ما كنت مغرما بالساعات ... لطالما كنت أماطل الوقت في ساعة يد جميلة ضائعة في زيف أوقاتي حتى إن تَمَكَنَت من ضبط نفسها و خادعتني أفكر في اقتناء ساعة جديدة بريئة لم تعتد بعد حساب الزمن بثواني النشوات الهستيرية ... و لم تعتد نصب شِباَكِها تحت أجندة أفكاري كي تشوِّه معالم الانتظار ...
ذلك الانتظار الذي رَسَمَت حدوده الفاتنة بألوان قوس قزح .. فلا أكاد أشعر بغير التواءات القصيدة و هي تُشْغِلني عن محاولة تَسلُّق عقارب الساعات .. فينتهي الوقت على حدود قصيدة جديدة تَطْلُع من فجر أحلامي ... تتمدَد محاولة الاستيقاظ فأنام أنا و قد أهلكني التعب ..
وضعت شالها الحريري على ظهرها المكشوف و غابت في زحام دخان السجائر القاتم، غابت كحرف موسيقي بين تموّجات المعازف .. غابت بين المارة ... بين الطاولات المكْسُوَّة بحُلَّة النبيذ و أنواع المسكّرات ... و تركت طاولتي الفارغة صامتة .. تجتَّر ألمها و تستعطف فصول النسيان ..
هُتُافُ مِشْيتها يدندن بأعماقي قصيدة للتو شقَّت شرنقتها و تطبَّعت بطِبَاع فراشة جامحة ...
غابت و رقصات شَعْرِها لا زالت مرسومة فوق ظلال طاولتي و عطرها لا يزال يعربد و يمارس طقوس جنونه على حواف ذاكرتي العذراء ...
غابت و تركت شظايا الانكسارات المتتالية تُسْرِف في جرحي و بتر الكلمات... كأنَّها دمّرت بزلزال سقوطها من على شرفاتِ تمثالي القابع تحت المطر و قِطَع البَرَد تداوي انكساراته و تُرَمِمُها ... حتى فصل الشتاء لن يستطِع أن يرَّمم جزأه المقسوم لهذه اللّيلة ... حتى ثلوج أقسى شهر شتوي لن تفلح في تغطية مساحات الصدأ التي عَلَتْ خاصِرِتَه ... حتى درجة الصفر لن تلملم قطرات بكائه ...
كيف لم أنتبه حين عبرت ظلالها الماسية فناء ذاكرتي .. !!
كيف لم أنصت لدقات طبول مشيتها !! و هي تمر بجانبي حتى انحنت ..
كيف استطاعت أن تعلِّق على حبال شَعْرِها أجراسا أخرجتني من غيبوبتي برنينها المتَقَطِّع، الساحر المتداخل مع لحن هطول مطر خفيف و دقات رعدية تشبه صوت قطار قادم من شرق الجنون بوشاية صدى .. ؟؟
و كأنِّي كنت لحظة مرورها مرتديا لحافا من ياسمين . كأنِّي اتخذت من زهره الأبيض كفنا جديدا يناسب الموت لثوان .... ثم بعده قاعة إنعاش على مرأى من الطبيعة لاستكمال الإفاقة ..
عدت لغرفتي، لدفاتري، لأوراقي، لسلَّة مهملاتي، لدخاني الذي ينتظر اشتعال الحروف .. لترَّسُبات ذاكرتي التي تبحث عن منفذ كي تتسلّق جدار الصفحات ...
لأول مرة فكّرت أن أطرد بقايا الدخان العالق هناك و كأنِّي خِفْت أن يرسم بتحدِ شبح أنثى (http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=22252)في صورة المرأة التي رأيتها .... بتفاصيل مشوَّهَة تماما .. لأنِّي رفضت أن تكون القدِّيسة التي رَسَمَتْها أحلامي مجرد غانية ترقص على حِبَال اللَّيل و تتخَّفَى خلف ستارته المعتَّمة ...
فتحت نافذتي و أشعلت الكلمات بحرقة تنهيداتي . لبرهة شعرت أن السماء قد أَبْرَقَت للمطر قصيدة تدعوه فيها للهطول و ترسم له الخطوط التي سَيَتْبَعُها حتى يجرف معه رماد الآمال المصفَّفَة ..
حياة شهد
09-14-2012, 09:31 PM
* الجزء الثاني *
كنت أكتب و نافذتي مفتوحة ... و قطرات المطر الهاطلة في تنسيق و تنظيم شديدين تُبَعْثر الدخان المتجمع فتغفو كل محاولة لإطلالة أنثوية من شرفة أحلامي المنكسرة ...
تفاصيل مشوَّهة تلك التي كانت تتراقص من الحين للآخر على واجهتي الزجاجية ... و كنت أحطّم كل قطعة زجاج ترفض الانصياع لأوامري .. و كانت النتيجة أني حطّمت ليلتها كل زجاج نوافذ غرفتي .. حتى الكؤوس مارست شعوذتها و وشايتها و هواية تصوير النساء و استباحت جنونها على فكري المتعب فتحطمت ..
لأول مرة قررت ان أستعبد القصيدة و لا أتركها تطوِّعني ...
منذ أن أتممت دراساتي الجامعية في الحقوق و أنا منزوٍ داخل الصفحات أداعب حرفا أجَّج نيران الاعتراف بداخلي و رغباتي في أن أملك أنثى بتفاصيلها الجريئة و البريئة و بملامح عشقية كنت قد رسمتها أنا قبل الآن و سطرتها ضمن قصائدي البيضاء،
و أعاتب حرفا مدّ أصابع النهاية لتفتَّك مني خاتمة أفلامي الجميلة .. و تسلبني رغباتي في امتلاك أحرف أخرى أكثر إثارة لكتابة قصيدة ...
لا أنكر .. أنِّي خضت علاقات مع نساء، بحثا منّي عن امرأتي المختفية في جسد أنثى أخرى لا أعرف تفاصيلها .. لكنِّي فشلت في رصد خطاها ... و تعثَّرت كثيرا في حبال الشكل المخادع بمجرد محاولتي التصّنت على همس أعماقها خِفْية و بذكائي كشاعر و روائي ..
كنت أعرف تماما لعبة التخفي بالكلمات و لعبة التوغل في نفوس النساء من تجاربي الكثيرة بين السطور و من محاولاتي الكثيرة لتشريح أنثى على صفحاتي حتى أنِّي توصلت في نهاية لصنع أنثى على طريقتي ... و على طريقة رغباتي و ميولي الفنية و الشكلية و حتى الشاعرية .... غير أنّي كثيرا ما اصطدمت بعيوب تشوِّه فنية اللَّوحات فأمزقها و أنثر رفات ألوانها على سطح بحر دموعي حتى تغْرَقَ بين ملوحة الأمواج و انسياب دموعي المتواصل كأنَّه شلال عذري .. فأكون بذلك قد أغرقت و قتلت امرأة على حدود قلبي الملغوم ... و أنهض لأعيش قصة حبي الملتهبة في دفاتري و بين أحرفي ...
حتى أني شعرت حينها أن الكتابة فقط من تتفهم غرابة مطالبي وكأنها أنثى صُنِعت على مقياس رجولتي و تسلُّط ريشتي و ألواني ..... أنثى تفضل الانتحار قبل أن تمتد لها الكلمات لتقتلها ..
كنت رجلا أستعمل الحروف حتى في واقعي البعيد عن الأوراق .... فقد رمزت لكل أنثى استطاعت أن تمتطي صهوة أشعاري و لو لبعض الوقت كمداعبة لقدر هو لي .. بمجرد حروف .. فتعرّفت على حرف الألف و الياء و العين و القاف و و و و و هناك من الحروف من يتكرّر و كأنّ دخان احتراقه قد خلّف نارا أخرى ..
من وحي الرماد تشبُّ عواصف نارية تؤرّخ لمواجع باهتة .. وحدها النار الأصيلة تتأجّج بحكمة و حنكة فلا يطفئها شتاء و لا تخبو لمجرد الاحتكاك بمطر، تصرخ باشتعالها المشبوه بكراهية الصمت .. إذا حدث و انطفأت فإنّ رمادها يستنجد برياح دخيلة تبعثره، و مع لهفة جمع شتاته تضيع السنين و يغترب العمر و تبقى المواجع خالدة تحفر بقسوةٍ و بفؤوس حادة بأعماق الرّوح .. لذلك الحروف عندي فوارق ..
في سنوات دراستي، حاصرت الحروف و هاجمتها بصواعق متتالية و تحرّرت من الصفحات رغم أنّي كنت أفرش من الحين للآخر ركنا من جبل نائي أقضي فيه بعضا من قيلولتي الشعرية و أفضي له بنوازع نفسي الفتية و كنت أتصبّب عرقا كلّما دوّت قصيدة شعرية بأعماقي، حتى أصاب بحمى لا أشفى منها حتى يطارح قلمي الصفحات .. و حتى أصلب طول شجني بقدٍ يضاهي نخيل صحراء الألم .. كنت حزينا بدرجات شاهقة ..
كان الحب بحياتي حينذاك يعصف بوتيرة هادئة، كأمواج صبية لتوّها تعلّمت الحبو، على بحر لم يتعلّم فنون العمق المخادع .. سرعان ما يُسرِّحني و يفارقني بمجرد أن أمزّقه و أفتّت أزهاره شعرا و أرصد له قيمة شعرية قد لا تتعدّى الهوامش و أحيانا تُصاب بصدأ شديد إن حدث و تجاوزت سطور المراهقة محاولة منها لغزو شباب مبكر ..
الواقع أنّ المرأة التي كنت أبحث عنها لم تأت .. و لم تلوِّح بمنديلها و لم تسلّط قامة مكانتها بأعماقي حتى أحتاج لاقتناء المزيد من الدفاتر .. و أقلام الحبر الفاخرة .. و ليلة أرصُدها لسدّ فجوات الألم بلمحة طفولة منها و جسد أنثى، و ظلّ أنثى .. و رعونة جفاء تُداخلها لحظات كبرياء متقطّعة من تلك التي يعزفها العفاف و الحياء .. و استنكار لكل ما هو شاذ و دخيل على مجتمع مسلم ..
في تلك اللّيلة المشؤومة تفطّنت لأشياء لم تخطر على بال نزعتي الشعرية .. كنت بحاجة ماسة لمن يواسيني .. لمن يُسرّح مجرى تنّفسي المسدود بقطعة قماش حقيرة .. لمن ينتزع شوكة وردة ذابلة أدمتني كما لم تفعل أية وردة في عنفوان شبابها قبل الآن .... كما كان يقول المثل الشعبي الجزائري ( العود اللّي تحقرو يعميك ) فيما معناه أن قطعة الخشب أو الوتد الذي تستصغره هو من يفقدك البصر، في وقت تهرب من الأشياء التي تراها كبيرة، تفاجأت بلغتي و بألفاظي، لم يسبق لي أن استعنت قبل الآن بمصطلحات سوقية ووضعتها على قدر المساواة مع حروف متكبّرة .. متعالية حين تنسكب يُفْرَش لها السجّاد الأحمر تماما كما الحكّام و المُلاك .. و تعزف لها مقطوعة كانت تُحَفّز فيها لغة الأنوثة ..
و كأنّ الواقع الذي صدمني ليلتها قد أمات عمرا بحاله .. و استنكر لرحلة بحرية ضمّت أجود الأنفاس المتحرّرة في لحظة شجن .. شغفي بملء نموذجي المصمّم قد حاصرته نكبات عصيان شامل ... و كأنّ قلبي ليلتها قد انبطح أرضا لتنكل به أيادٍ متسخة .
خارطتي ارتمت على حدود وطن عربي أصابتها حمى الثورات ... أوردتي تحترق، شراييني تقصف من كل جانب .. و سجادة دمي الحمراء تفقد أنوثتها ..
لأول مرة تمنيت لو تتاح لي فرصة لقاء خاص مع بوعزيزي تونس، ذلك الرجل الذي نقم يوما على ظروفه و استبدّ به السخط حتى قرر أن ينتقم من لواعج نفسه و من سؤدد الحياة التعيسة فأشعل برباطة جأش فانوسا عبر من خلاله حاجز الدنيا المزيّف ليصل إلى مرتعه الأخير ... وضع حدا لحياة تجلَّت له كاذبة ... أحرق نفسه على مرأى من العالم .. أي شجاعة تلك التي تحملك على متابعة تفاصيل موتك، أي منظر ذاك .. حتى في احتراقاتي المتكرّرة لم أشهد احتراقا كذاك الذي أبكى شعوبا بحالها .... و أنا في كامل قواي الشجنية و الهستيرية تذكرته فخفّف عنّي بعضا من وطأة القهر الذي اعتراني منذ لحظة تغيير ما في حياتي .... أنا عربي فهل هي عدوى التغيير لكل ما هو عربي ...
تمنّيت لو ألتقيه كي أسأله عن طعم الاحتراق الإرادي ؟؟ و درجة الانتماء إلى جسد تبرأ منه في لحظة غفلة ؟؟ و انتمى إلى عود كبريت بجبروته و سلطته الحارقة .. و عن مقدار الرجولة المتبقي بعد تفحّم الجسد .... ؟؟ هل تصلح لإعارة شخصية .. ؟؟ في وقت انقرضت فيه كل معالم الرجولة .. و عن فصيلة الدم الجديدة التي تنتمي إليها دماء شرايين محترقة .. و هل يمكن التبرّع بدماء شابها اسوداد جريء .. ؟؟
الفارق بيننا أنه أشعل باحتراقه ثورة بلد بكامله بل بلدان بكاملها .... و أنا مجرد قطعة قماش أضرمت النيران في دفاتري .. في ذاكرتي .. في ماض اعتقدته هو الأصوب ...حتى مبادئي تناثرت كأنّ قنبلة ما انتحرت على ضفافها .. و نتيجة ذلك كتمان ..
البوعزيزي التونسي لقّن العالم نشيد الاحتراق ليحيا الوطن .. فكان التصفيق عميقا لدرجة الموت اليومي على حدود العروبة .... بعود كبريت واحد تنصّلت الأقطار العربية من أفكارها الرجعية، تجرّدت من ثيابها الرثة المتهرّئة و لبست ثياب التغيير ... و كأنّه أحرق التاريخ باحتراقه و أتلف كل وثيقة قد تبقيه حيا بعد موته ... !! و أنا .. فتيلة ( أنثى ) فاقدة الصلاحية تلاعبت بتاريخي الحربي و ذخيرتي من أنواع المتفجرات .. أصبحت كمجرد فرقعات كتلك التي يلهو بها الأطفال ليلة المولد النبوي الشريف ..
سقط النظام في تونس بعد أيام فقط من حادثة الانتحار و انتصبت تونس واقفة ترمّم ما هدّمته سنوات ما قبل البوعزيزي ... و أيام ما بعده ..
أي نظام سيسقط بعد سلسلة الحرائق التي شبّت بداخلي .. ؟ أي تصميم سأضحي به من بين تصاميم النساء التي أمتلك ؟ ، أي فنجان قهوة سأسكب محتواه المر .. ؟ و قد تشابهت فناجيني كلّها تلك اللّيلة في علقم قهوتها .. أي كتاب سأحرقه .. ؟ نذرا على احتراق حروف أبجديتي الذهنية، أي عاصفة من عواصف الانحراف .. ؟ سأتكئ عليها قبل أن أحاول النهوض مقصَّفا من جديد لأرمّم انكساراتي .. بعد فضيحة الشّلل الوقتي .. و العربدة المجنونة بشوارع الجنون ..
تداعت جدران الكلمات .. و صدئت أعمدة الكهرباء التي كانت تقهر عتمتي حين يغيب القمر عني لليال .. تنّكر لي مصباح ورثته عن وطن لا يشبه في وفائه لأي مصباح علّقته المدينة حديثا .. تلك المصابيح التي تقصد الإنارة في أشدّ مواطن الظلمة النفسية الخافتة من وطأة الحقارة ..
تساءلت :
- هل بإمكاني أن أغيّر تاريخ تلك الليلة .. ؟ و ماذا سأحرق كعربون صداقة .. ؟ و الاحتراق لا يعترف بفوارق النفوس .. فقط يعترف بالأشياء القابلة للتلف بسرعة شديدة ..
تلك التي تمجّد طقوس الاشتعال الطوعي .. رغبةً و هفوةً و ضياعاً .. و انقيادا مستحيلا ..
- هل يجب أن أدمّر ذلك الرصيف المحموم الذي قادني إليها ... ؟؟؟
- هل أحطّم كؤوس ذلك الملهى المشؤوم .. ؟ و حُجّتي الزجاج و طيفها المرسوم بضربات رملية شفافة .. ؟؟
- أم تراني يجب أن احرق جثتها .. ؟ التي تملّكت مقبرة أشجاني و رفضت بأنانية مطلقة أي مشروع ردم لرفات الذكرى ..
في تلك اللّيلة تشّعبت أفكاري و تعكّر مزاج شاعريّتي لدرجة فكّرت معها أن أمهّد لفكرة انتحار صفة الشاعر بداخلي .. و أحرق قصائدي و دفاتري و بقايا ورود تركتها للشجن، تنفيس خاطر ...
كنت أطارد و أنا أمارس هواية اصطياد النساء أشباه مالكتي المرسومة .. قد أجدها في تدقّقات شعرها المهووس .. قد أجدها في ابتسامتها الماكرة .. قد أجدها في حدّة ذكائها المصبوغ ببراءة فطرية و نزعة تجبّر تجلد كل يد تحاول التطاول لتمتلكها ..
تفاصيل تلك اللّيلة غيّرت تاريخا كان يُؤويني بين صفحاته، في أحيان كثيرة كنت أمزّق تماسكي و أنثره فوق رمال شواطئ شباط الكئيبة فيهيج البحر و يرفع سطوة أمواجه حتى يعتلي أفق شجني ... طيور النورس تبارك تعاويذ غضبي .. و تحاورني .. في استنكار شديد الوطأة .. و نزعة تملّك .. كأنّها تطردني من مناطقها المأهولة بالصراخ الدائم .. و كنت في صمتي أردع لغة الصراخ بداخلها و أسكن هفوة الأمواج المتلاطمة .. الباعثة على التداوي بصدفات البحر المنسحبة منه بوقار أنثى ..
فصل الشتاء لطالما شرَّدني بين شوارعه المظلمة و شواطئه المهجورة ... يشبهني تماما في حزنه الكلاسيكي و في ميوله نحو الانزواء ..كان قاسيا كما كانت إطلالتها تلك اللّيلة .. كان فادحا في جنون غَيْرَتِه ..
تجاوزت نفق تلك اللّيلة بصعوبة قاتلة .... بيني و بين نفسي أشياء لم استطع الإدلاء بها .. لكنّي فصلت نبضي الموصول بكهرباء الوهم و مضيت بنبض آلي حتى تختفي الصعقات .... و تخفت شرارة نيزكها الحارقة ..
********************
حياة شهد
09-15-2012, 09:37 PM
* الجزء الثالث *
امتد خطر البوعزيزي التونسي ليحطّ بجناحين هدّتهما شيفرات العروبة ... و عدسات الكاميرا الخفيّة على أراض عربية أخرى بفارق توقيت جدّ مهم، لُغْزُه قابع بين عقارب ساعة سويسرية ضخمة تُمرّر كفّيها في توقيت متفّق عليه على خصلات ملساء، لا أشواك تغطّي حدودها في محاولة للرّدع .. و درجات صراخ منبه حزين ....
ثورات سخط و مظاهرات و احتجاجات شهدتها مصر على امتداد أيام و ليال ..
لا زال النظام متشبثا بقشّة، تزعزعها أحيانا كثيرة بركات يوم الجمعة ... فكانت الصلاة تقام و ترفع الأيادي و تتناسق الأفئدة في دعاء موحد ... جمعة الرحيل ..
و لم يرحل النظام و واصل يوم الجمعة مسيرته نحو رحيل حقيقي ... أول حمى تفتّك بعدد أكبر من المتظاهرين و الرافضين لأصالة مبتدعة ... الجثث في تصاعد مخيف و قطرات الدّم تحوّلت إلى برك متشابهة اللّون، كلّها تتّفق في كونها دماء عربية .. امتزجت على لحن واحد، في وقت كانت شعارات تهتف بالوحدة العربية و التضامن من أجل القضاء على العدو المشترك .. تلك الشعارات الخرساء التي فقدت صوتها و أصيبت ببحّة شديدة قبل أن يُقْعِدها الألم و تفقد لغتها و حركات لسانها ..
موقف محزن ...
خطابات سياسية و مقالات صحفية و قنوات تفضح أحيانا و تضخّم من هول الصدمة و الفاجعة في أحيان كثيرة ... كل الأقطار العربية تنزف ... الجرح يتعفّن يوما عن يوم ... الحمى تواصل امتدادها الشرعي الموّثق بقذيفة علم وطني .. يحوي الملايين من البصمات المشرّدة بشوارعه الملتوية و زقاقه الغامضة ..
ناقوس الخطر هذه المرة عربي و أجراس الإنذار تخطئ في برمجة ألحانها فتستعين في كل مرة بنشيد وطني من أوطاننا العربية تدّوي به في نشرات الأخبار كفاتحة خير و سبق صحفي و انفراد بعدسات هاتف خلوي كان مختفيا في أدراج مخادعة .. و كأنّه تنذّر بوقوع كارثة .. من وحي اللّحظة ولد كي ينقل الآهات على المباشر و يرصد حركة الدماء انطلاقا من الشحن و حتى التفريغ .. مؤشرات عروبة جاهزة كي يصل صداها للغرب و كي تصيب عدوى الفاجعة أقطارا لا زالت في صحة جيدة لحدود الساعة ..
عفن مشاعري لا يزال في حالاته المتقدمة . أشدّ ما آلمني كوني لم أستطع أن أتقبّل أن يسقط القناع عن أسطورة عشقي في ملهى ليلي ... أن تتعرّى سفينتي من أشرعتها على مرأى من رياح عاتية ... دخيلة .. أجنبية عني .. براية قطاع طرق ..
كنت في أيام الجامعة أرستقراطيا في الحب ... لطالما ذوّبت صقيع قلوب الكثيرات ... ما كنت لأرضى بامرأة تخلَّت عن ردائها الجليدي بسهولة و صعدت حمم مشاعري بانقياد تام .. . لتعترف أمام قدّاس غروري أنها فشلت في دحض جنون تملّكها باسمي .. و انسابت ( كقطعة حلوى في فم طفل فلسطيني تاه عند حدود شفتيه ذوق السكر من كثرة التذّوق السقيم لأرغفة ملوّثة فاقدة وسامتها و انحلالها اللّذيذ .. بمرور صائفة حزينة منكّل بها و أطياف موتى و دماء متسكّعة هنا و هناك .. حتى قطعة الرّغيف تلك فقدت أنوثتها على وقع القصف العشوائي للذخيرة و حتى يموت الأطفال المتبقين من غارة جوية مقصودة جياعا .. الموت على عزف بطن جائع له سحره الخاص و رقصاته المتباطئة كأنّها حفلة تأبين مُقامة على شرف مشروع موت يَحْضُره الميّت مستقبلا ( بعباءة فلسطينية .. عربية )، و كأنّ الموت يُقاس على كل ما هو فلسطيني .. )، انسابت في بحر متلاطم الأمواج تصارعه بوداعة شديدة فيجرفها عكس التيار و تمهيدا لغزوة منفى ..
كنت أرفض أن تحبني امرأة و تُدلي بعواصف حبّها عند أول مفترق صيف ... لا أغفر أية زلّة و كأنّني أبحث عن سبب لأواري علاقاتي القديمة تراب النسيان ... و أرحل نحو سفينة أخرى بشراع جديد ... في عزّ شتائها . متجلِّدة تماما، حتى أستعمل حيل صيفي لأغيِّر تفاصيل الفصول و تعاقبها و أرسو بسفينتي في ميناء أحلامها الوردية لأعتّمه و أنصرف .. و لن يكون الذنب ذنبي بل لفانوسها العتيق المهدّد عند كل انتكاسة سماء بالشرود فتفقد توازنها على إثر ذلك و تغرق ..
تلك الأيام كنت أحب جهارا و في مواقع مكشوفة للعيان ... و كأنّ المواقع التي تشهد الصواعق تختلف من حيث درجة استيعابها للمواقف ... ما كنت أخشى أنثى انكشفت على ضوء الشمس تحت سقف مكشوف بقدر ما اختلجني خوف رهيب خفي من أنثى الظلام تحت سقف اختلطت فيه أبخرة ساحرات فاتنات و سجائر باهظة الثمن و عطور باريسية و إنجليزية و قد تكون عربية بقيد أجنبي ....
و شالات ..
آه من ذلك الشال الحقير الذي استوقفها عند حدود قدميّ ..
دون أن تحاول تتبّع آثاري .... لأوّل مرة تنحني امرأة أمامي دون أن تصعقها شحنة الرجولة التي أملك ... دون أن يدحرجها دخان عطري الفاخر بين الوعي و اللاّوعي ... دون أن تنسكب مطرا أمام رعونة رعودي .. دون أن تسلِّم برقها المسالم لرقصة رعدية ..
دون أن يأمرها تطفّلها الانثوي بأن ترفع بصرها و تسجن بقيد عينيّ ..
امتطيت يوما نفس الحذاء محاولة مني للرّسو بمينائها من جديد .. حتى أفكّ لغز تسلّط تلك اللّيلة المشؤومة ... حتى أستطيع أن أهزم الأسئلة المتناحرة في جوفي .. و أعزل رسمها عن تصاميمي حتى لا تصاب بعدوى الانفلات ..
قصة تلك اللّيلة هي الوحيدة التي جاءت بتفاصيل سياسية تماما .. بنكهة عربية خالصة .. لأنّها تزامنت مع أحداث وطن عربي ..
أي غانية أو راقصة .. ؟؟
أي أنثى تلك التي فجّرت جنونه ؟؟ أتُراها نفس الأنثى بملامح سياسية .... ؟ لكأنّما اسْتَعَرْتُ واقعا سياسيا لأضفي عليه طابع قصيدة حب ..
رقصات التغيير التي جابت ذاكرتي تلك اللّيلة كانت يتيمة تماما ... و أنا لن أستطيع أن أكفل بؤس المعاني .. ليلة قحط و جفاف، حتى ملامحها اختفت تحت شعرها المنسدل ... حتى انحناءات جسدها تفقّدها ذلك الشال اللّعين .. حتى دخان سيجارة يُحتمل أنّها دخنّتها، تفرّق منعا لتجمّعات مغرضة ..
ذات يوم كنت أجوب الشوارع أبحث عن ظلّي الذي اختفى فجأة بين ظلال الهياكل المجمّدة ..... استوقفتني قطعة قماش تناثرت فوق جسد دمية فأردتها قتيلة لفتنتها .. قطعة تبرّأت من كل تصميم و تنصّلت من حدود قد تجبرها على امتطاء جسد غير مرغوب بمقاسات محدّدة .. كل شيء في الحياة يرغب في اختيار مصيره و أصدقائه و رفقائه لولا سلطة القدر .. لذلك تُرِكت حرّة تختار من النّساء ما تليق بمقامها المرموق و مهما كانت نتيجة الاختيار .. فهي تكفي لأن تسدّ حاجة المساحات الضيّقة و الواسعة، الطويلة و القصيرة، يكفي أن يُفصَّل جسد على مقاس رغباتها حتى تستجيب له و ما تبَّقى مجرّد قاذورات تُرمى على قارعة طريق تلتقطه شبيهات النساء .. تلك القطعة فقط ما يمكنني أن أقتنيه للذّكرى ... أي مقاس لجسد أنثى قد يليق بها، يرضي غرورها و يتلّبس هواجسي .. ؟؟ تلك القطعة المتمرّدة المكسوة بغرور أنثوي مسبق .. لا يمكنها أن تعبرني دون أن تمرّر سطحها الحريري على وجهي لتصفعني به .. حتى تلقّنني فنون التكهّن بأسرار الخيوط المتشابكة التي ترمز لامرأة معينة .. !!
حياة شهد
09-16-2012, 07:45 PM
* الجزء الرابع *
أي مقاس يصلح ليكفّن شجني .. ؟ أهو المقاس بين طاولتي و حدود عبورها ... إذن يلزمني انحناءة أخرى تحت شمس ذلك المكان ... كإعادة تمثيل لجريمة التنكيل بشواهدي و آهاتي التي تصدَّعت حتى يكون الزفير أكثر رعونة .. فيشطر بذلك صدر الأحلام الباهتة لتنتهي بعده أسطورية ليلة لعينة ..
الندبة التي تركتها بذاكرتي تلك اللّيلة شوَّهت عددا من الذكريات، كانت محاذية و تطفَّلت بطريقة أرستقراطية منعت معها كل لحظة شك أو مراوغة خاطر .. على كم هائل من أخبار المساءات .. و جلسات تناول الشاي المحلَّى بأطياف نساء و كعك العبور الآسر الذي يُخلّف معه وشم احتراق .. يَختفي بعدها بزلّة من جبل جليدي ..
*****
مصر تتألّم و الموت يقدِّس طقوسه ... و يصنع لفافاته العصرية .. و ينفثها في الشوارع المزدحمة بالأفكار التحرّرية و الأجساد التي أنهكها السهر و المبيت في العراء محاولة لإيصال أصوات بقيت مكتومة طيلة نصف قرن .. حتى الأطفال في مشهد تاريخي تنازعوا الشارع مع الرجال ..
كدليل أنّ السلطة للشعب . لا مكان لدكتاتورية لا تملك شرعية تصفية الحسابات، لا مكان لفرد يأمر و لا ينتبه لزلّات لسانه، يردع و لا يحاصر هفواته .. وحدها فئات الشعب المختلفة صاحبة القرار السياسي و لها فقط حق التمثيل الدبلوماسي أمام الرّأي العام الدولي و الحكومات المناهضة للأفكار الدكتاتورية الهدامة .. وحده الشارع يملك صلاحية تشييد قصر رئاسي على مقاييس ميوله و أهوائه بحيث يعرف أبوابه الخفيّة التي يمكنه الولوج منها عند كل تمرّد و خروج عن دستورية حكم الأغلبية ..
مطر الدماء لا يزال يهطل بغزارة و لا توجد أيّة بوادر لربيع قريب .. قد يُسكن غضب الشتاء، العاصفة التي استدعت كل غطرستها و جنونها لتصبهم هناك ..
تهافت جمهوري كبير و مطالب سياسية و عدسات كاميرا تشحن الحدث و و و و ..
الوضع يتأزّم ..
الواضح أن أعواد الكبريت التي خلّفتها علبة البوعزيزي قد هُرِّبت بأيادٍ مسؤولة عبر حدود العروبة لتصل في زي تنكّري ( في صورة أنثى ) و كانت النساء صديقات حميمات للحدود .. منذ زمن التجسّس الأول .. حتى أنّ التاريخ يثبت أنّ الحروب العالمية و الأزمات سببها أنثى .. حتى جرائم الإنسانية نُفِّذت بتواطؤ نسائي .. ذلك أن المرأة هي الهدف الأول و الأخير لكل توجّه سياسي رجالي .. و لكل حزب يعمل في الخفاء و لكل رغبة في الارتقاء ..
حتى الجزائر بدأت تختنق من حجم الدخان المتصاعد .. فتيل الفتنة يواصل اشتعاله بوتيرة بطيئة لكنه سرعان ما أُخمد بتلبية مطالب اجتماعية محضة ...كان الشارع الجزائري لا يزال يعايش آثار النكبات القديمة و العشرية السوداء و سيول الدماء التي جرفت معها الأخضر و اليابس من الرّضع و الشيوخ ..
مفارقات ليل أسود لا يزال متربصا بكهوف الذاكرة ... و مواقد الحدث .
لا زالت رائحة الموت تُعبِّق الأمكنة .. مسك توارثته أجيال الاستقلال و الحقبة السوداء ... يوزّع في عنصرية شديدة .. فيضانات باب الواد التي جرّدت الشطآن من رمالها و غطّتها بأفرشة خريفية فاخرة ( جثت و رفات ) و كأنّه تغيير رداء ... لأشهر طويلة و سكان باب الواد يدوسون الجثث .. المئات من القتلى و المفقودين لحدود الساعة ... احتفلت الجزائر على إثر ذلك بمهرجان الموت الوطني و قدّمت قرابين عزاء لسماء ذرفت حدا أسطوريا من الدموع حزنا على مجتمع غاص في وحل مشبوه، تلّته انتكاسة قدر انهار ليزعزع الأرض بانهياره ..
حتى البحر أعلن سخطه فجأة و انفجر ضاحكا في وجه مدينة صنعت قدرها المهووس بالخداع، ثم في لحظة تعر من هيبته تراجع للخلف و كأنّه احتضار، إثر شهقة مباغتة و في ثوان استرجع أنفاسه و ضخَّها بشحنة مضاعفة انتقاما من أرض شهقت فجأة ثم نتيجة لزفيرها المدّمر و في لحظة استفزاز من الطبيعة الغاضبة، ولد من تحت أنقاض الشجن زلزال 2003 الذي جاء ليفضح غش المباني .. عمارات بكاملها سقطت ... و كسور في الذاكرة و تذكير من الله بيوم الحساب .. و شحنات التوبة التي غزت الجزائر لما بعد الهيجان، حتى و إن خفتت بعد ذلك بزمن ..
العاصمة الجزائرية بدت و كأنّها تغيّر حلّتها من الحين للآخر .. برداء موت جديد، شتوي و صيفي و قد تمتزج الفصول فيتيه الشارع بين اللّباس الصوفي و خرقات الصيف البالية .. الممزّقة .. العارية .. غير أنّها تتشابه في الانتماء السحري ليقين اسمه الموت ..
الشعب في الجزائر لم يطالب بإسقاط النظام ( غير التفاتات باهتة من أحزاب معارضة ) لم يعرها الشارع انتباها .. الشعب استفاد من حالة الغليان العربي و البخار الذي تحوَّل إلى غيمات متنقّلة تضخّ مطرها شعارات مندّدة و رقصات متناسقة .. ساندها في شقّها الاجتماعي .. وجدها فرصة سانحة ليضع قائمة مشتهياته على طاولة الأحلام وشيكة التحقيق و كأنّ المصباح السّحري جاهز لاستقبال الطلبات الآن و كفى ... فرص عمل ... زيادة رواتب ... سكنات ..
هناك من تأثر بأسطورية انتحار البوعزيزي فحاول تقليده لإيصال بحَّته لأصول الشتاء في غياب المسكّنات ... و لأنّ الحرق أصبح موضة و وسيلة سريعة للشهرة و الأضواء .... كانت تجربة مقتبسة بمظاهرها فقط ..
قد لا يعلم البوعزيزي أنّه دخل التاريخ بمجرّد تحوّله لتمثال متفحم، لا يصلح لوضعه رمزا لوطن فوق منصّة تاريخ جريء لا يبرئ ذمة داخليه عنوة بقدر ما يسجِّل انتكاسة مبتورة الهوامش ثم يُوَّقع خلفها و يبصم بإصبعه العاشر حتى تُصدِّقه الأجيال القادمة التي لا تعترف بالكتب و لا الأوراق .. مسكين ..
أشدّ ما آلمني ما لحق به من مجد دون أن يستفيد ... دون أن يشهد مراسم إعادة دفنه كبطل أسطوري و شهيد وطن بزغردات نساء و باقات ورود من تلك التي تُغرس للأمراء، دون أن يقصّ شريط حي سيسمى باسمه و يوقّع على وثيقة تولّيه حكم مجد ملفّق .. يا لسخرية القدر ..
*****
تلك المرأة التي أشعلت لفافات أحرفي لأشهر و نفثت دخانها بسماء شجني فلبدّتها ... ستدخل التاريخ، ستدوّن سراب وجودها بين صفحات ديوان جديد سيوزّع قريبا على مكتبات شوارع الجنون ... سيحمل تصاميمها الغربية ... و تصاميمي التي أصبحت كلاسيكية بعد ليلتها تلك .. و كأنّها سارت بها عبر جسر من زمن روماني غابر .. فألبستها ثياب التاريخ المطرّزة ..
غرفتي مثخنة بشحنات زفيري ... و بخار تنهيداتي المتصاعد و الغيم المكوّم فوق زجاج نافذتي و صفحات تنتظر هطول الشعر عليها ...
ميدان التحرير المصري يشهد عرسا تهافت عليه الملايين من المدعوين ممن يحملون بطاقات تعريف عربية و هوّية مصرية مهزوزة .. شعارات مرفوعة و أخرى تحرِّرها الألسن الملتهبة و تمليها الأرواح المعذّبة التي رحلت قبل أن تخفّ وطأة الزِّحام و تفتح الطريق نحو ميدان التحرير ....
مصر خرجت أخيرا من بؤرة الضياع بعد جمعة رحيل أخرى تضاف إلى رفيقاتها السابقات .. نجحت ثورة 25 يناير و انتصر الشتاء أخيرا على حمم صيف مجهولة الفوهة البركانية التي لفظتها و كأنّ فصلا غريبا تلاعب بعقارب الفصول ..
سقط النظام أيضا رغم حصاده المبّكر و الغنائم الكثيرة ... بعض الحقول احترقت بفعل القصف العشوائي لأشّعة شمس حارقة و صيفٍ جاء حرا أكثر من سابقيه .. تمرُّدا على كل ما هو كلاسيكي في اللّعبة السياسية الموسمية ..
سقط النّظام إذن .. و معه سقطت أنظمتي و مبادئي على جدار ملهى ليلي ... و دون شعارات .. وحدها انحناءات الضمير أمام قداسة المشاعر من كانت تشحنني بمكابرات خافتة، واهية في مجملها و كأنّها تداري عجزا و تذمرا متواريا خلف أنسجة الخيال ..
حتى أحرفي ملَّت الانتظار .. حتى دفاتري شابتها حالات ضجر خانقة جعلتها تتثاءب في محاولة لاستدراجٍ فاشل ..
مصر تعيش عهدها الذّهبي الجديد، دخلت في ترميمات تحالفت عليها قوات شعبية محاولة لبناء مصر جديدة .. و كأنّه استكشاف لمعلم تاريخي جديد .. يحتاج لرتوش و زخرفات ليصبح جاهزا ليوضع بإطار زجاجي لامع في متحف عربي، يحتاج كل إطلالة مساء لتلميع خاص حتى لا يفقد بريقه ..
تلك الفصول من الذاكرة العربية الموّقعة فجرا بأقلام غامضة لا يُكاد يُرى منها غير الرماد المنثور فوق الخطوط المرسومة قبلا .. حتى يظهر التوقيع في أيّة لحظة يُطلب فبها التوثيق و الرسمية المقتناة لحالات الحرج المباغتة .. تماما كعقد زواج عرفي .. بتاريخ معيّن و توقيع ينتسب لما قبل مرحلة التفقّد الضميرية .. كإثبات على شرعية فرضت نفسها بقوة .. و اختلست من الواقع فرضية صحيحة لتلفّق التهم و تحيد بعد ذلك عن جادة صوابها و تتفرّغ للهوس الكاذب على العقول المرهفة، السطحية ..
و أنا في كامل إصغائي لقلمي الحائر .... تذّكرت قضية أم درمان السودانية و حكاية المشادة العربية البائسة بين شعبين لهما نفس الماضي الثوري المجيد و الحاضر الكروي الأحمق ...و كأنّ نقاط الالتقاء بين الجيلين قد داستها أصابع أقدام حقيرة ... احترفت اللّعب بعقول المجانين المشوّهة ..
القضية التي تصبَّبت عرقا لأشهر طويلة على صفحات القلوب الميتة ... جرفت معها تنهيدات طفل فلسطيني لا زال جالسا فوق أنقاض بيته المدّمر ينتظر .. مرور علم عربي يقهر بداخله شجن فراق أحبته .. و يضمّه في استنساخ تام لصورة والديه من وحي الدم العربي .. و همسة أمومة خافتة تستنكر عدوان الألم عليه ..
شتّتت قافلة فلسطينية كانت تُجهّز للعودة إلى الوطن، عبر ممر عربي سحري .. تشنق على حوافه هفوات الخيانة .. معبر بانعطافات شعرية، بمتاهات حرفية تشحن العيون للبكاء .. لأنّ القلم الجاف لا يصلح لأنّ يطالب بحقّه في حبر فاخر ..
تلك القضية أضاعت رداءنا الشتوي المقاوم لقطرات المطر المجمّدة .. مزّقت بهفوتها الصارخة مضلّة الصقيع التي كانت ستقهر فوهة بركان تربّصت بمداخل الربيع ... أشاحت عنا وجه الخريف الذي كان سيحمل فوق أوراقه المتساقطة رسائل حنين مشفرّة تدعو العروبة لتستفيق بصفعات عاصفة عربية محضة لا مكان فيها لذرة رمل غربية .. !!
قضية فجّرت تساؤلات حول المصير السياسي .. عفوا الكروي و حتمية دخول كأس العالم العار ...
العروبة لا زالت تعيش فصول مراهقتها ...
فهل كانت الصفعة التالية حقا ربيعا عربيا داخله الخريف في مواقع مجهولة .. ؟
أم كان ذلك مجرد سخرية متعمّدة من الفصول .. ؟؟
حياة شهد
09-17-2012, 07:20 PM
* الجزء الخامس *
كل ما تجلّى أمام نظري تلك الثواني أنّ العروبة لا زالت تعيش فصول مراهقتها ... !
******************************
كما كنت تماما أسترجع تفاصيل مراهقتي ... كنت أُقلّب دفاتري القديمة علّني أجد بين أنقاض الكلمات طيف امرأة ... بتفاصيلها المرسومة على لوحات وصفي كرجل يتوق لكل ما هو خاص .. و شاعري، متدّفق البراءة و العفّة ..
كنت أبحث بين الكلمات المتلعثمة التي تخرج من شفتيّ مشلولة من أثر الانحناءات الكثيرة بمجاري دمي .. و لأنّها مرّت بقالب شراييني المكّهرب خرجت مشوّهة، خرجت مشنوقة،
أعماقي تحتضر ....
التحفت الصمت لليال طوال بعد أن شعرت ببرد يدوس باحتقار شديد منطلق الكلمات .. و أدخلت قلمي في استراحة استجمام بتاريخ مفتوح حتى لا يفضح تاريخا قد خرج لتوّه من عتمة الحاضر .... رفضت الكتابة و كلّ ما له صلة بمعترك الصفحات المشحونة ..
لطالما طاردتني خاطرة البحث عنها بين زحام الأجساد المتمايلة في تناغم شديد و الموسيقى الشاردة الحواس ... و بين الطاولات الملّغمة بكؤوس الضلال و بين قطع القماش و بين جسور الطّيش و العبث .... خرجت منتصرا من حروبي النّفسية المتجبّرة بخسائر أكثرها معنوية، زجّت بي بأقبية الشجن الموحش، الذي التهم جزءا من ذاكرتي و شوّه تصاميم قصري بمداخله الاثني و العشرين، ... و أتلف أشجار حديقتي الغنَّاء و شرَّد حدود الظِّلال، داس زهر الياسمين الأبيض، بما يحويه من معانٍ لكفنٍ عربي أصيل و أبقاني وحيدا تجلو الرّياح هشاشة عظامي فتصعقني كل ثانية و تلتّف حول عرس تَحطُّمي، ترقص و تُسرِف في بذخ التعالي المهووس بالكذب .. تركني وحيدا عند شواطئ الألم بعد أن أقفل محادثتي الشاعرية و طيور النورس، حين كشف علاقة شعري الوطيدة بالبحر ... و معالم الشتاء ..
ذات مساء و أنا أتابع أخبار طفولتي المتشرّدة، حاصرتني هي بأمومتها و قد كتبت شعارها فوق لفافتي حين كنت رضيعا، العشق يولد بمغص شديد يتزامن و لحظة الميلاد لذلك كان الصراخ لئيما .. و كأنّها بمنطق الحب الآسر و هفواته المغفورة ترّصدتني حتى زمن مولدي الأول، كتبت جملتها على زجاج الرّوح و كان المطر حينذاك يرسم ممراته السرّية على شفتيّ فلا أستطيع معه تحدي الكلمات . كتبت عصفورتي الصغيرة " على مرأى من أمومتي ولِد جنس آخر من الرجال " ... و كأنّها تستوضح أمرا من خلال تلاعبها الذكي بالكلمات .. تلك الجملة التي جعلتني أتفقّد شيئا مني لها و لي .. طفولتي و رجولتي .. فأين أنا من الصنفين .. ؟؟
قهوتي الصباحية و المسائية قطعت خلوتها السوداء قطعان الكلمات التي خرجت من مرتعها، من مللها، لتحطّ فوق فنائها و بين الفقّاعات الجميلة لتعكّر طقس استئناسي بفنجان قهوة صُنِع خصيصا ليقهر مساءً مداعبات النّوم المنافقة و ليفضح صباحا تثاؤبات رغبة خفيّة في الاستيقاظ الشرس .. الحروف المتراصّة على طاولتي تمنعني من شغل مكانها بقطعة حلوى و تابوت الدفاتر المنسية .. و هي .. هي التي اكتسحت طاولتي بملامحها الممسوحة .. فرشت شعرها كرمال فاجأتها زوبعة قاسية فقَلَبَت فنجاني و تعثَّرت أفكاري بقطعة زجاج مكسورة .. حتى القهوة لها رغباتها الخفيّة في الانتقام من كل دخيل قد يشوِّه لحظات ارتشافها .. كأنثى لحظة تجبّر أنوثة غيرها ..
و كأنّي كنت أبصر قصائد شعر محلّقة تعلو طاولتي ... تتراقص في فتنة و تدعوني لأن أضمّها و أسكنها عش كتبي للأبد .... غير أنّي كنت أخشى حفلات الزّفاف المفاجئة ... خفت من شبح تلك المرأة المحفور بجداري الشعري .... خفت أن يحتَّل مساحة جغرافية تتنازعها قارات عزوبيّتي فيما بعد ولم أعد أقوى على مجابهة أيّ حصار .. خفت أن أضعف أمام نداء الأبوّة رغم تنكّرها لي .. !!
و كأنّ مناعتي تداعت أمام حصانة تواجدها ... بميزة فريدة " امرأة بدون ملامح " " بدون تصاميم معلومة " ... بدون حاضر .... و بدون شاهد إثبات .. لأنّي نويت حينها أن لا أُعمِّد ولادتها القيصرية و الجرح الغائر الذي تركه مخاض ولوجها سلسلة أفكاري محكمة القيد .... شغلت عيادتي الشعرية فقط بلملمة آثار النكبة على باقي الشقوق النفسية القديمة المتهرّئة من كثرة الزلازل .... و الكدمات .. و عنجهية الفصول المتراكمة و كأنّها ملك لسنة شمسية حُذِفت في غفلة من قدر ... فاضطربت معها الشهور و تعطلّت المواعيد المقرّرة المعقودة بساعات معينة .. كل ساعات العالم ضُبِطت على زاوية الصفر و لأنّ الصفر لا يطابق شيئا من عقارب الزمن انتكست رغبتي في لقائها و انتكس القمر ..
أكيد أنّها تحمل حرفا جديدا أو مكرّرا من بين حروف شيفرات الأنوثة، حرف يئِست قدراتي عن إدراكه ..و أيّ حرف قد تحمله أنثى أشاحت بوجهها عني .. أيّ اسم قد أرمز لها به في شهادة ميلادها الجديدة ... يوم ولدت من أنقاضي .. في انتظار ميلاد آخر ..
سنة 2011 دخلت ثورية مدّمرة .... أحداث العدوان المفاجئ على قلبي المسالم بدأت تأخذ منحى خطيرا ... وشوشات طفولية تشحن ذخيرتي من الرجولة لتسحقني على حدود طيف امرأة .. وكأنّ الهزيمة لا تستحق إلا إذا كان الخصم رجلا أو امرأة مكتملي الوصف الإنساني ...
ثم من تلك المرأة ..؟؟
كي تدوس على رجل لطالما سُحِقَت حروف لنساء تحت قدميه و بحذاء شتوي فوق أرض موحلة ..
آه من تلك الحقبة التاريخية من زمن طفولتي و المطر و شرخ الكلمات ..
آه من دبدبات الكعب العالي الذي كانت تنتعله طفلة تَشَبُّها بامرأة ..
**********************
حياة شهد
09-18-2012, 07:41 PM
* الجزء السادس *
الوقت يمر و حادثتي لا زالت تشهد فصول هزيمتي النكراء ... و لا جديد يذكر غير قهقهات المساء الصامتة .. و ضحكات اللّيل المستهترة و هي تكبّدني خسائر في ذخيرة الحروف التي أمتلك و مدّخرات عمر من القصائد التي تخلّت عن معانيها و طقوس ممارساتها و أسباب طيشها و تصّببها حبرا على أوراقي ناصعة البياض بحمرة خجل واهية و نقاط سوداء خلّفتها لمسات حريق .. فقط إطلالة مقتضبة لحروف ترمز لشبح عشق قديم فُكَّت طلاسمه تلقائيا بعد سلسلة خصامات مع الذاكرة، تشغلني عن خساراتي بلقطات رقص شعبي على وقع دف مغترب .. وحدها أنثى بفارق أنثى تصلح لتبثّ الرّعب في أوصالي و ترمز لقداسة وجودها برموز لا تفكّها رعونة نساء و لا انسياق رجل خلف نزوة حب جديدة .. تُدَاخلها أشباح في قاعة عرض رئيسية مزدحمة بأطيافها و تماثيلها المصنوعة من البلور المزركش الذي يغطي كل تصدّع قد يطرأ في لحظة فقدان ثقة ..
ذات ليلة من ليال آذار تلَّبستني كآبة قاتلة حتى خرقت بفضل اندفاعها المميت بذلتي الرسمية المحاطة بوابل من عطري المفضّل ... تهيّأت للخروج، كان المساء قد ذرف بقايا دمع شموعه المضاءة ليستقبل اللّيل في ثوبه الحريري الناعم و في ردائه الخشن لحظة قسوة و تجبّر ... اللّيل و بضاعته البشرّية المزجاة .. و كان بيني و بين الشارع لحظة سفر قصيرة ... بعدها ألثم أضواءه الخافتة الخجلى من الخطى المترنّحة و عابري السعير أو السبيل ..
رحت أجوب الشوارع المتلهّفة لقطعة قمر يابسة ( و كأنّ اللّيلة المنصرمة التهمت قطعا من القمر بشراسة متشرّد )، بعدما تنحّت النجوم .. لتترك المدينة غارقة في دنسها مختفية خلف سياج اللّيل المعتّم ... بعضا من طفولتي المسلوبة، لا زالت تتجوّل بين الطرقات .. بعضا من لعبي لا زالت تتحسّر على أنامل طفولة حزينة داعبتها يوما .. فأتقنت التباهي بحنان فقدته .. حتى و هي مشروخة تتفاخر، حتى و هي فاقدة لبعض أجزائها تتحسّس بصماتي ..
آه كم أشعر بالوحدة . لأوّل مرة حضن والدتي يترّبص بي، كم أحنّ لجلساتها و همساتها .. منذ دخولي العاصمة لأكمل دراستي الجامعية و حتى حين اخترت الإقامة طواعية بين زقاقها و توظّفت ودّعت طفولتي و حاجتي للجلوس على ركبتيها، لم أفتّش بعدها عن غير إطلالة أنثى و كأنّ والدتي تخرج عن وصف أنثى لتلبس ثوب والدتي و كفى .. شيء مقدّس لا ينتمي لأي جنس .. أبحث عن أنثى تختلف عصورها و عطورها و مقاساتها عن كل أشياء أمي ..
شعرت حينها أنّ بقايا طفولتي التي حملتها يوما بين حقائبي قد احترقت و تبعثر أريجها بين شوارع موحشة و في غمرة ليل حزين .. الآن فقط أستشعر أن شيئا منها قد تخفّى خوفا من بطش رجل كان بداخلي و الآن الرجل الطفل يطلّ بكل تداعيات الطفولة .. ويتهالك بضعف شديد على جسدي، على روحي، على دفاتري .. فلا أكاد أحرّك ساكنا غير لمسة حنان أمرّرها على شعره الأشقر ..
طفولتي التي كنت أمارسها تحت أشجار الزيتون وارفة الظِّلال .. كانت تظلّلني حتى من شمسي الحارقة .. من ترّهلات الشباب المبكّر ..
قبل سنة فاتحتني والدتي بموضوع الزواج و كنت قد تجاوزت عقدي الثالث ببضع سنين، عارضة على بصري تصاميم نساء .. بقامات طويلة و قصيرة و نحيلة و ممتلئة .. و أخريات بارتفاع شاهق أو محدود .. و لم تدرك حينها أن الأنثى عندي لا تقاس بمقياس البصر .. كلّهن رفضتهن لعيوب في الذاكرة و الوجدان ... و كأنَّ النساء عندي تقاس بمقياس الأوزان الشعرية و درجة الإيقاع الذي تتركه كل واحدة على مستوى أنفاسي و حركة نبضي المتسارعة أو المتباطئة ....
أجّلت الموضوع لحين إخطار آخر كما هو في لغة القانون ... و لأنّي رجل قانون قبل أن أكون رجل موسيقى حسيّة .. و رجل كلمات ..
ماذا أقول لوالدتي لو عادت و سألتني يوما ... ؟؟؟
حين أصرَّت ذات صباح على معرفة أسباب رفضي رغم أنّهن كلّهن جميلات و مثّقفات .... قلت .. بعد لحظات تفكير مطوّلة و كأننّي أبحث عن الأجوبة بمقياس فهم والدتي البسيط ..و حتى لا أشلّ تفكيرها بمنطق جد شاهق يتجاوز عتبة باب منطقها بآلاف الطوابق ...
قلت و على شفتيّ إطلالة تمرّد و عصيان لمنطق كان لي :
- لا أفكّر في الزواج حتى أعيد بناء نفسي ... حسّيا و جسديا و عقليا ...
لكنّي تخلّيت عن جزء من الجواب، ظننته يخصّ تعقيد تفكيري، كان مكتوما سمعته أنا و فقط و جنّبتها بذلك متاهات كانت ستضيع بين خلجانها و وديانها السحيقة ..
حاولت أن أجنّبها فلسفتي في الرّد .. حتى لا تضيع ثم صمتّ و كنت أعشق الصمت بعد كل موجة حوار مبهم .. لحدود مجنونة .
اكتفيت بأن أشرح لها درسا في الجغرافيا حدوده تتلّخص في الحصول على شقة بموقع جغرافي يليق ببنات العاصمة .. و أهداف اقتصادية جلّها تتمحور حول جمع مبلغ من المال يسدّ رمق أطفال قد يكونون يوما ما أطفالي .. طبعا حتى أخرس شجارا بدأ ينشب بداخلي .. سكتّ و في مقلتيّ أشباه دموع .. !!
كنت أشرح لها شيئا بعيدا تماما عن منطقي و مفاهيمي .. حتى أتفادى حالة صدام بين منطقين قد يشلّ أحدهما .. و يتفرغ الآخر لمعاتبة الضمير و ماضٍ كان أهول من فاجعة الضباب الممهّد لجريمة إبادة روحية ..
و كان عليّ أن أتفّهم حالات الهبوط و الصعود في مستويات التفكير ..
ماذا سأقول لوالدتي لو سألتني يوما ..
- هل وجدت بنت الحلال التي ستقاسمك الحياة .. ؟؟
سأقول لها :
- نعم وجدتها بفارق جد بسيط ( في المصطلحات فقط ) .. وجدت بنت الحرام و من عائلة جد محترمة، تجاوزت درجة الشرف لديها الحد المسموح به فاختلطت المفاهيم عندها .. لدرجة الإقامة بين حيطان ملهى تمهيدا لتجارب حب و مشاريع زواج .. و علاقات مرموقة .. حد السماء ..
و لو سألتني عن اسمها ..
قواميس العالم لن تسد فراغ اسمها المشبوه بخطأ خطّي و فني تمايل على طبول مشيتها و ترنّحها و تراشق جسدها بحروف موسيقية، كانت تغازل خصرها النحيل تدعوه للجنون، تواجدها لم يكن صدفة صيفية و لا هفوة رياح خريفية بعثرتها في لحظة جنون و لملمتها هناك ..
هل لي بقاموس يسجن أسماء الخارجات عن قوانين الحب .. ؟ و نزلاء الملاهي المرموقين .. !! مع مواصفات شخصية لهم .. و صور رمزية تمجد انحرافاتهم ..
و أي حرف قد أختار لها يناسب تدفّقها الغزير بشراييني .. و قد عجزت تماما عن تدارس الحروف و مدى علاقتها بدرجة الانحراف .. و كأنّه خلف كل حرف لأنثى لغز بشيفرات لا تُفَكّ إلا بالموت .. و كنت قبل تلك المرأة أشهد مراسيمه بعد أن تتجرّد كل أنثى من ألغازها باستكانة روح، تفكّ طلاسم حرفها بانقياد تام لمخابرات رجل ..
هل يمكنني إشعال أحد أحرفي لينطفئ على أوراق هويتها و أخاله لها و أسكن لهفتي و جنون تطفّلي بسيجارة، أمارس عبر دخانها شعوذة ذات قوى خارقة .. تشرح لي تواريخ متعاقبة لميلادها أنثى فوق أسوار عدد من الرجال، ثم تخفت سيجارتي و تنطفئ بعدها بألف سنة، تكون عمر ولهي بها .. بتاريخ كلّه رموز مبهمة و بأبواب سرّية بقصر عتيق لا يدخله رجل إلا و حمل معه عقدا من ياسمين وقلادة من خزامى ليبقى منتشيا بعد موته ..
قد لا تصلح عبقريّتي لتفنّد نزعتها في التملّك الجبري، كما قد لا تصلح شعوذتها الممارسة عبر تنهيداتي في هزّ أرجوحة الأوهام بداخلي و تتسلّط على أفكارٍ خِلْتها ذات يوم وليدة رجولة خارقة ..
أسئلة راودتني حين عزفت شمس الحقيقة لحنها على أوتار سمائي الملبّدة ... حين أراحت هواجس الخوف من أنثى قدّها العظيم على كتفيّ و حطّت غيمة مساء حانق، متبرّم فوق جفنيّ المتورمتين فأسدلتهما عن قطرتي مطر فأخرستهما و هما بعد في طور التجمهر مطالبة بفكّ الحصار عن شجن متوار .. كمن يسدل ستارة عن مسرحية فاشلة قبل أن تتّم فصولها .
آه كم أحن لصدر والدتي الذي أنهكته الحياة و لحظات سكرها المدّمر و ترنحاتها العشوائية و التي قد تدفعها للمبيت على أفرشة جسدها المنهك ...
كم أحن لمداعبة خصلات شعرها المصبوغ بالحناء و الملفوف في قطعة قماش ....
آه من قطعة القماش تلك ....
النساء كلّهن متشابهات ... يتقاسمن أتفه شيء قد يمرّ أو يطغى على مخيّلتي و قد يغدو هذا الشيء أثمن من قطع ألماس حقيقية .... قد تساوي ملايين الدولارات ...
لو وجدتها يوما ...
كم سأطلب ثمنا لشالها المسكون بهوسي ... إذا أفلست من أحرفي و اضطررت لبيع مقتنيات عشقها المجنون ... لأقتني شعرا يحرق قصائدها، أقتني دخانا يشرّد ملامحها من على مرآة وجهي، كل سراب أقتنيه بدلا منها و بدلا عن ليلة ألبَسْتُها تاج مملكتي فتَسَكَّعْت ثمنا لذلك في شوارع العمر أبحث عن مكان ترقد تحت ترابه حسرتي .. أقضي فيه لحظة رجولة تجبرت فَشُلَّت أطرافها و تعلّمت بعدها المشي مع انكسارات متتالية كالأطفال تماما .
هل هناك من الرجال من يقاسمني ثروتي المفقودة تلك .... ؟؟؟
شعرت عند أول خاطرة تفقّدتها رجولتي المسجونة .. بغيرة قاتلة، بوحش تربّص بأوردتي يودّ اقتلاعها ... بجنون ساحق أرخى سواعده ليخنقني ... ببطء شديد و بحركات منعدمة .. حتى يتشبّه الخنق بالانتحار و حتى أفقد على إثره حياةً تداخلت معانيها ..
مجرّد الوخز كفيل بأن يقتلني ... و لن يبالي إن كان هناك تشريح أم لا .. فقوانين الموت لا تعترف بغير الإسراف و البذخ .. !!
آه كم أشتاق للأراجيح المعلّقة على شجر الزيتون و الرّيح التي تقذفني كلّما دفعني أحد حيث يرقد البدر و ترتجف شفتاه للثم أمسية ربيعية و كان الصباح المستشيط غيضا لا يزال يعدو خلف هفوة مساء سرقت منه إشراقة شمس دافئة، كم أحنّ لوشوشات النسمات الربيعية حين تداعب وجنتيّ و أنا أفكِّكُ توتري و قهري بإغفاءة مسالمة ..
آه على طفولتي المتسكّعة هناك ... و شبابي المبعثر كقطع حجارة عربية الأصل بجنسيات مختلفة .... و الأحجام كأطفال و رجال تساووا في المصير الشامخ ( عند افتراش الأرض ) و كأنّ المأساة لا تفرّق و لا تعترف بالطبقات الجسدية و العمرية .. و لا حتى الحسّية و لا درجات التفوّق العقلي .
تتشابه في وقع ارتطامها العربي ... و كأنّها تنطق ... حروف الأبجدية العربية ...
أشعر بعطش شديد ... و مياه المستنقعات الموجودة هنا لن تسدّ رمقي ... و لن تعوّض ثمن الدموع المذروفة منذ زمن ...
فقط حنفية قريتي المسخّرة من الله من تحلّ معضلة العطش في جسدي المحموم ... و تنزع عن وجهي أثر آخر ماء توضأت به لأداء صلاة الفجر .... و أنا هناك في زيارة خاطفة .. الماء هناك يشعر بوطأة الشجن فيطفئه و يتسرّب ليهطل دمعا بدل دمعي حتى لا يلازمني ألم البكاء ..
تماما كما أطلَّت هي على أوراقي إطلالة خاطفة ... و بحنكة لص محترف سرقت سطور عمر دون أن ترد لي دين غروبها المبكّر و فوائد استهلاكها المسرف لتفكيري و خواطري و أشجاني ...
أسكرتني تلك المرأة دون أن تلامس شفتيّ كأسٌ صُنِعت لتضمّ قطرات نبيذ .. دنت بحبل أفكاري ليلامس سيناريو فيلم بأكمله ... شَرَّعت له كل الديانات طقوس البوح فيها ليمارس حبّه العذري على راحة الأوراق الناضجة و كأنّ المراهِقة منها لا تصلح لحمل شتات فاضح .. فيلم يسافر بأوراقه الدبلوماسية عبر حدود الشّعر كلّها شرقها و غربها شمالها و جنوبها ..
حياة شهد
09-19-2012, 07:49 PM
* الجزء السابع *
غير أنّ نزعتي التي تميل للوطنية جعلتني أكتفي بحدود وطني العربي أُشَرِّح على جسده المنهك فصول ذاكرتي المعذّبة و هوس أفكاري الأرستقراطي و جنوني ذي الأصول الرّيفية في قمّة ازدهارها ... دون سائر اللّغات ....
ذات أمسية شعرية حضرتها لوحدي و لي وحدي و لشاعر هو أنا، جلست أتفقّد اللّيل الكئيب و كأنّ نيسان بادل أيلول عزفه و شكله و شحوب ملامحه ... فبدا الطقس نيسانيا بملامح خريفية تبدّدها أحيانا شتائل الزهر المنتشرة و عطور الياسمين المتضوعة و الأشجار المكسوّة بحلّة العيد الفاخرة، قد تسمع من أعلى أغصانها فحيح أفعى مستعدة للاحتضار على جسدك المسكون بخوف فطري ... ملامحها قد يجبرها العهد الممضي بين أيلول و نيسان آن تتخلّى عن بعض أوراقها لتصنع ليلا أيلوليا منافقا ... جلست أفكّر و أسترجع من الذكريات ما عجز شال تلك المرأة عن محوها ...
ذاكرة حرف العين المغلّقة على مصراعيها و كأنّ تشنّجات هذا الحرف الناري زرعت حواف الذكرى بأشواك مكهربة قد تمزّق خيوط ذلك الشال الوغد .. بعد سلسلة صعقات تَتْرُك للعزاء منطق القبول .. !!
حرف مكرّر بتفاصيل غاية في الغرابة و الغواية البوليسية .... و النشاط الحزبي السرّي .. كأنّني وجدت في المصطلحات السياسية غايتي .. قد تكون أكثر تعبيرا من غيرها في وصف شرعية الحكم الأنثوي في حياتي .... وفي تفاصيل الانقلابات الشعرية و دستور كلماتي المقنّن بطريقة تسمو فيها القاعدة الشعرية المطرّزة بأزهار الياسمين على قوانين العشق المؤقتة العابرة لحدود العطر فقط .... و لأنّني أحب زهر الياسمين فقد أشهدته على قصص عشقي المنحوتة لوقت تعدّى الأشهر .... حتى أنّي اضطررت لتجميد الياسمين بقطع ثلج في مزهرية صُنِعت من زجاج و ألصقته بعد أن أدمن البرودة على باب غرفتي كي لا يكتسحه ذبول مفاجئ .. و يكون الصيف فلا أجد غير بقايا أزهار داستها أقدام شمس حارقة ترفض كأنثى أن تتخلّى عن شعاراتها و طقوسها ..............................
حرف العين كما قلّبته مواجعي انتقاما من قسوة تلك المرأة .... تجسّد في أنثى ...
وكأنّ الحرف في مملكتي زير نساء ...
العين قد يكون أوّل نبض و أوّل تنهيدة طرحتها أنفاسي . حقيبة شوق تختلف عن جلّ حقائب السفر نحو مدينة العشّاق و لأنّ المراهقة لها أحكامها الشرعية أيضا فقد دوّنتها شعرا يتعقّب كل مخالفة راسخة لمبادئ الحب في حياتي ... أوّل قانون دوّنت قواعده و رسمت حدوده على الصفحات بعد أن عشت لسنوات الحب العرفي .... بمخاطرة الإنكار .. و العبث بمشاعر طفولية بجسد قد يتشّبه برجل .. قد يرتدي بذلة أنيقة و ربطة عنق فارهة الرجولة من انسكاب العطر العشوائي على حوافها و كأنّ التمرّد يوّلد سنوات من القحط .. لحظتها أدركت أنّ العطر المسكون بهوس الانصياع الكاذب لا يمكنه أن يقهر التعطّش لنشوة الحقيقة .. النّفاق الرشيق لا يحتاج لقياس خاص و لا للحظة تخثّر حتى يداري هفواته .
كنت بعد في المرحلة الثانوية و لأنّ التقاليد في مدينتي القروية كما أشاء تسميتها .. قرية اعتنقت التحضّر بطريقة ما .. كان العين أنثى من طراز قروي متمدّن .. بحروف كلاسيكية و مذاهب عصرية غاية في الجرأة .. كما لم أعهدها قبلا .. صفوة خاطر لم تعهدها ثقافة الحروف لأنّها كانت أنثى، أنثى من طراز خاص .. الغروب فقط من يصلب أنوثتها و يتحرّش بحمرة شفتيها المنتشلة و كأنّه وشم من صديد .. كنت أرمقها و هي تتهادى فوق أجنحة ليلة ماضية و أنا أرتشف من فنجان قهوتي الصباحية و أرمق قدّها المرسوم ببراعة رسام مجنون على واجهة ذاكرتي للفرجة النسائية .. لكل أنثى حبلت من أفكاري و مرّت في لحظة عشق من هناك ..
حرف العين طار بي من عالم ساذج، من عالم الرّسم بالكلمات . الحسّ السطحي المكّهرب على صفحات الدفاتر إلى التجربة الميدانية القاسية و الهادفة أيضا .. و المنطلقة .. و المحفوفة بخطر الاجتياحات العسكرية المفاجئة .. بزي مدني ساذج .. بأنفة مبتذلة .
و كأنّها فترة تربّص خضتها قبل دخولي العاصمة ... حتى أنطلق فكريا و جسديا و أنهل من عبق الحروف المرَّصعة بقطع التجارب الحيّة البلورية .. وصولا للماس الأصلي ..
قد تكون تلك التجربة، أوّل تجربة شاعرية في حياتي .. صرخت من بين أحضانها بصوت رجل، بعد أن ضمّتني طفولتي لأجيال قروية .. !! رجلا يشعر لأوّل مرة بميل نحو أنثى ... كان ذلك يكفي لأشعر معه أنّي تجاوزت سنّ الطفولة ..
العين ... أنثى قدمت من ناحية أخرى من القرى المتحضرة أيضا و قد تكون أكثر من ذلك بقليل ... لتمكث لدى شقيقتها المتزوجة بمدينتي ... و لأنّها واربت طفولتها ... و تنّصلت من تقاليد الأسر الجزائرية التي تزّج ببناتها في البيوت حتى لا يقذفهن القدر بشتيمة ما .... فقد خرجت لتتصفّح دفاتر أنوثتها خارجا و تستعرض رقصاتها الجنونية على مرأى من العالم الخارجي، المحروم من إطلالة أنثى .. بانحناءات جسدها المكشوف و فواصل التعقّب .. !!
قريتي صغيرة و كانت هي أيضا جميلة لحدود الهذيان ... وزّعت جمالها قطعة، قطعة على شباب القرية لتشتري قلوب الكثيرين ... غير أنّها التفتت نحوي و أشعلت لفافتها من دخان احتراق طفولتي، حاصرتني بقذائفها و خططها المحبوكة ... و كنت فتى جلّ ما يميّزني خجلي و عوالم طفولة قاربت على السبات .. غير أنّ وسامتي تجاوزت بطشها فانقادت لي و طوَّقتني بعد أن شعرت بوخز من رجولة متوارية .. و قطرات مطر تفزع في غطرستها غيوم الشتاء ..
كانت أوّل تجربة نسائية تعبر ممري المقفل لسنوات و تتجاوز نفقي المظلم ليلا دون أن يردعها الظلام الدامس و لعبة مغارة الخوف التي اصطنعتها لنفسي قبل زمن .. و كأنّه بعدها قد ولّى زمن الخوف ..
كانت رشيقة، فاتنة .. تحيك خطاها بسحر يجعلك تتعثر بخيوط مِشْيتها .. فتتبعثر فوق أرصفة خالية إلا من ظلالها و لا تكاد تلملم نفسك حتى تستوقفك مناهضة تحدي أنثى ..
كانت نقطة تميّزني عن كل شباب القرية .... و علامة استفهام تُرْسم على جبيني و أنا الذي كنت غريبا عن عالم النساء ..
العين أوّل سُلّم امتطيته نحو الكتابة و إحاكة القصيدة المشحونة بمشاعر فتية لم أعرف وقتذاك كنهها و لا تفاصيلها .. كانت أول تصميم لأنثى أضعه .. بعد أن كانت تصميماتي مجرّد خربشات على أوراق شجر برّي جاف .. يفتقد لمداعبة عطر موسمي ساحر .. مجرّد نزلات برد طائفية .. و حشرجات صوت رياح على إيقاع هفوة ربيعية تصادمت و شجن خريفي عند نقطة التقاء عاشقين .
*****
أحداث وطني العربي تقطع تسلسل مساري الشعري و تعيق خطوة ترتيب حلقات العقد الممزّق .. رغم أنّ بعض الحلقات مفقودة .. مبعثرة في مكان ما من ذاكرتي المثخنة بالجراح ..
الظلام محيط و رحلة الثورات لا زالت مستمرة، هذه المرة بفتيل مزدوج .. الوضع في ليبيا لا زال متدهورا .. و سوريا تتجهز لاستقبال العتاد الثوري ..
الموت بوجه خريفي و بسيف ذو بريق شرقي مزدوج، يقلع يوما بعد يوم أوراق أشجار عربية ... و رصيد الشباب العربي في تنازل مستمر ... لوحات متفحمة و أخرى بألوان قرمزية متحجرة تحاصر جدران المتحف العربي و تصادر اللّوحات العالمية المقتبسة النادرة .. لا شيء يضاهي براعة التصوير الحي و ضربات خنجر تاريخي على قطعة خشب تلملم شظايا الألوان الحرة المتناثرة .. تلك هي لمسات غروب مبكّر ترك حمرته إرثا تتقاسمه أجيال الثورات و اختفى ..
الموت يعزف ألحانه الصمّاء في العراء .. حيث لا وجود لكاتم التنهيدات و لا حتى قطعة قماش تلملم بين خيوطها المتهرّئة ابتسامة شاحبة خلفّتها قذيفة مباغتة .. تلك الرسائل المشفّرة التي كانت تتعقّب الشفق أضاعت حروفها .. في كل يوم تصبح مهمة لملمة الحروف المبعثرة صعبة لحدود المستحيل .. لذلك كان الموت سيّدا لا يُقهر و كأنّه يمارس هواياته في ظل الغموض الكلّي الذي يحيط بلافتة تائهة .. لا تنتمي لغير المجهول ..
انتهى الحوار المسكون بلهفة الدماء .. انهار التمثال الذي كانت تحرّكه الخيوط تماما كالدمى المتحرّكة .. ليبيا تتخلّص من عقدة الانتساب الكاذب و تقوم بقدم مبتورة، عرجاء تزحف فوق أعشاب تلفت على وقع شجار موسمي بين فصلين الربيع و الخريف العربي ...
حياة شهد
09-20-2012, 08:49 PM
* الجزء الثامن *
المعروف عن قوانين الطبيعة أنّها تتنكّر لكل عواصفها الساكنة حتى تتقمّص فيما بعد دور الزوابع الناسفة .. لا تعترف بشرعية هادئة .. لذلك جاء الشتاء بعد الخريف مباشرة .. و كأنّ الخريف يفرش بلاطه ليستقبل الشتاء .. فوق أرضية تصلح لأن تستقبل النكبات .. تماما كما هو العقل البشري الذي لا يمكنه أن يستوعب الجنون إلا بجرعات .. تزيد كلّما كان التركيز عميقا .. كلّما كان الشدّ قويا على الاعصاب .. كل ثانية تلي سابقتها تكون ألعن و أجدر .. كل يوم يلي سابقه يكون أقدر على التصويب و على ممارسة طقوس الانتساب لشمس غربت قبل ساعات حتى قبل أن تشرق و كأنّها ستشرق فوق الجنون .. الشتاء القاهر يختفي بعد ذلك خلف قطعة ربيعية مجحفة حتى لا تطاله لعنات جمهورية النكبات فيفقد " طاغية " لزمته طيلة عقود من الزمن هي العواصف الشديدة و الأمطار الغبيّة التي حادت عن مسلكها كي تدمّر و تشرّد الأكواخ الأثرية .. ! و الجماجم و الصور المنقوشة فوق الصخور لأنّها تشبهها في حقارة السكون .. الشتاء أذكى مما تظن الطبيعة لذلك جاء منهَكًا .. و منهِكًا !
حتى الموت في لغة الأرقام يرفض أن يقف عند رقم واحد .. دون أن تداهمه عظمة التملّك أكثر و أكثر .. كل ثورة عربية كانت تشتعل بشروط موثّقة .. و أرقام خيالية للموتى و طرق جريئة للنسف و الحرق .. تشتعل بميزة الاختلاف .. و كأنّها منافسة دولية شرعية تحكمها مواثيق دولية مصادق عليها من سماء مزيّفة .. مسلسل الموت منذ بداية الثورات العربية يأخذ شكل هرم سيُضَم يوما لقائمة عجائب الدنيا .. و سيُلحق حتما بأهرامات مصر الشهيرة نظرا للشكل الهرمي المقلوب .
أوضاع سوريا تفنّد مزاعم النهاية الوشيكة لعرض تلفزيوني دام أكثر من عمر الزمن .. ذلك الذي نسب نفسه لسنة مجنونة ... تبقى الرهانات و يبقى التكهّن ... إلى ما بعد شتاء جديد .. 05/03/2012 ..
كل شيء مسكون برهبة السكون حتى الحب .. لا شيء يتحمّل الإهانة حتى الكلمة .. تلك التي ترفض أن تموت ساكنة فوق سطر دون أن تتحرك بين الشفاه تغزّلا بجمالها ..
حرف العين أوّل حرف عزف سيمفونية الحب في حياتي بطرازه الكلاسيكي، بشقوق تستقبل عفوية الشتاء البارد فتتجمّد جذوره و تنكسر بسرعة عند أوّل إطلالة شمس دافئة .. و هو ما حدث فعلا .. و كأنّه تغيير موسمي لجلد أفعى ..
تلك الأنثى كانت أول تصميم واه في حياتي تحطّم عند أوّل انعطاف لي و القدر الذي علّمني شيئا فشيئا معاني الأنوثة الحقَّة بنقائها و ذكائها الموهوب ... بكيفية تصنع معها رجلا منفصلا عن قوانين جسده الرجعية .... أنوثة غير تلك التي ترسمها الظلال بانعراجات و تقوّسات و انحرافات خطيرة ..
تشتّتت شظايا الواجهة الزجاجية المحطّمة لأول حرف في حياتي و لم تخلّف غير بركة صديد علت ذاكرتي لتُذكّرني من مرحلة إلى أخرى، بأوّل أنثى نامت على كتفيها كلماتي و اكتشفت عمق موهبتي الشّعرية على يديها ..
أوّل فصل من مسرحيتي " تصاميم أنثى " انتهى بدرجة تصفيق عالية و أصوات ملتهبة اكتسحت المسرح .... غير أنّ التصفيق تزامن مع لحظة التحطّم الأسطوري لتصميمٍ وُلِدَ فاشلا ... نما وسط أحراش بدرجة رطوبة عالية أتلفته ..
.....
نلت شهادة البكالوريا بتفوّق كما كانت عادتي دائما، بميزة جديدة اكتشفتها و أنا أجتاز آخر جسر يصلني بالجامعة و هو جاذبيتي كرجل يسترعي انتباه الفاتنات أيضا و كأنّ الجامعة ستتلّقفني بتفوّق آخر يضاف لقائمة تفوّقاتي الدراسية .. و كأنّ الرّجولة نجمة عسكرية نُقِشت بحدّة سيف على كتفيَّ و شُفِّرت بطريقة تمنع أرباب المهمَّات الصعبة من اقتناص فرصة المداد بذخيرة الحروف و طلاسم حصار أنثى ..
سجلت في قسم آداب غير أنّي تراجعت و دخلت كلية الحقوق حتى أوثِّق ذاكرتي و أمنحها شرعية تغيير أغلفة المجلّدات البالية و حكايا السمر التي فقدت رونقها و بريقها على إثر إنارة فائقة جديدة .
العاصمة و الجامعة ... نقطتا ارتقاء رهيبتان في حياتي توَّشحت فيهما ثوب ذكريات كثير الدسم حتى أنّني أصبت على إثرهما بتخمة عاطفية ألزمتني سرير الوهم لسنوات طويلة .. ولدت لأتربَّى بين أحضان العاصمة و لأنهل من كهوف الحياة العصرية المختلفة تماما عن تلك التي عشتها بين فؤوس قريتي .. عرفت عالما مجنونا جديدا تفوق أرصدته الثقافية و الفنيّة الكم الهائل من المعلومات التي استقيته من الكتب التي تعلَّمت منذ صباي أن أراجعها لأُسَّمى مثقفا و لأضاف لنخبة المثقفين القرويين المشهود لهم بالتفوّق، حتى أنّ معظمهم مع الوقت تقلَّد وظائف سياسية هامة في البلاد .. و مقاعد أدبية مرموقة ضمن رفوف الكتب التي قد تصيبك بأزمة ربو إن حاولت الدّنو منها و كأنّها تحوي مع كمية الغبار المزروعة جمرة خبيثة تصلح لتُقعد الرّئتين عن التنفّس أبد الدهر .. و لتضيف مسحة من تحضر ..
و كأنّ الثقافة في قريتي تلك تقاس بكم الكتب المقتناة و لا يهم بعد ذلك كم سطر حضي بزيارة جادة .. طبعا كان ذلك في زمني القديم ..
قبل أن تشرّد الأنترنيت و أنواع الهواتف المحمولة القيم و المبادئ المتراكمة على جدار مكتبة متهرئ ...آيل للانهيار و قد لا يخلّف ضحايا لأنّ رواده موزعين على مقاهي الأنترنيت محاولة منهم لاصطياد المعلومة بوسائل أكثر سرعة و ترفيه و انزواء عاطفي .... !!!!!
تلك الحقبة التاريخية التي تزامنت و أوّل مراحل شبابي المنطلق، خلَّفت على جسدي و على فكري و على حقول ذاكرتي ندوبا صَعُب على تلك المرأة بشالها السحري أن تمحيها و لو داعبتني بقبعة التخفّي كما راودتني الفكرة حين كنت طفلا ..
و الواقع أن عمر الطفولة الأوّل لم يكن يَبْعُدني بكثير لولا الكدمات التي تركتها على ذاكرتي رقصات الحياة العصرية .. و خريف تلك المرأة الماطر في جلّ مواقيت الغروب ..
حروق في الذاكرة من الدرجة الثالثة ... و خربشات طفولية و تشوُّهات خُلُقية على مستوى الجزء من الجمجمة الذي خزنت فيه سنوات طيشي تصاميمها السرّية بين متاهاته الغامضة ..
.................................................
جعلتني تلك المرأة أفكّ الحصار عن بقايا التصاميم النسائية بطريقة نسفت معها كلّ القطع الأثرية لنساء من عهد الحب الأوّل و لطّخت اللّوحات الممتدّة على الجدار الواقي للذاكرة و المرسومة بقلم فحم صنعته أوراق لَعِبي المحترقة ..
برغم سلسلة الأعاصير التي ضربت عمق تقاليدي و صبغت بألوان جريئة شريط ماض غلب عليه الأبيض و الأسود،كنت رجلا بمبادئ، بأخلاقيات أرغمتني على امتطاء جسر الأنوثة دون أن أمسّ قداستها أو أحاول العبث بخيوطها المعلَّقة على جسر هاوٍ للارتقاء الكاذب . الهوّة عميقة جدا و التيار ضد كل انحناءة سُكر قد تجعل الجسر يترنّح ليلقي ما في جعبته من سُكارى خائنين لعهدة العقل البشري المكتمل ..
لم أسكر و لم أترنّح يوما فوق قارعة طريق موحل ... لأنّي كنت أخشى المطر و ميوله نحو توريث الأرض المقدّسة انفعالاته و جنونه في جرف الأشياء المتلفة الجذور ... كان الوحل مثالا حيا لزوبعة تبناّها المطر أو طوفان قاتل يدمّر كلّ إطلالة فضول من فوق أبنية شاهقة ..
و كنت أخاف الأماكن المرتفعة و قصاصات المصاعد غير مأمونة المرايا .. حتى شهقات الحنين المزَّيف لها مراياها الفاضحة .. حتى مرآة نفسي في زمني الجديد كانت مخادعة قد تظهرني في قمة الأناقة و التبجّح، لتواري خلف ربطة عنقي المتزاحمة العهود النسائية رداءة النوعية .. تلك الملابس الفاخرة و العطور التي تنطق شعرا ، تشغلني عن أبخرة الاحتراق التي تتصاعد شيئا فشيئا من روحي المعذّبة ... و كأنّي أغسل عفني الداخلي بمسك تاريخي أو عطر مستورد كامل الرجولة الغربية .. رجولتي الشرقية تركتها تتنازع أصولها تحت أشجار الزيتون العتيقة و تنحر فروعها بشفرة حلاقة مختفية خلف قماش عذب المشاعر .. تلك الشفرة التي حازت ثقتي يوم قررت أن أقطع بها قائمة من الشرايين الجافة محاولة لانتحار مجازي ..
حياة شهد
09-21-2012, 07:58 PM
* الجزء التاسع *
.. ثقافة الظاهر
اكتشفت شيئا خاصا و منطقا غريبا .. هو عمق الفجوة بين الرّوح و الجسد، الجسد بأهواله و أشباحه الساكنة المترّقبة في خبث و صمت و تذمر .. و الرّوح القابعة بين جنبات الجسد في خجل شديد و استحياء مما قد يطرأ فيدنّسها .. مما قد يعكّر صفوتها و يقطع بوصلات عنائه الصاخب موسيقاها الحزينة الهادئة ..
تلك الطاقة القصوى التي منحتها لي العاصمة من الحرّية الصارخة التي لم أجدها بين تجاويف قريتي .. بعيدا عن العيون المتطفّلة و القيود المحاطة بذاكرتي خوفا من تورّطها في قضية انتحار للمبادئ و هروبا من حدس عائلتي الموَّجه بعقارب بوصلة شرقية تتقن طقوس الولاء .. العاصمة قلبت المواقيت رأسا على عقب .. فتساوت عند حدود نافذتي إطلالة شمس و بزوغ قمر، تساوى اللّيل في صمته و همس رواده و النهار في ضجيجه و أصوات أحيائه المكتظة بأنواع البشر و السيارات .. تساوت عند قدميَّ الظلال .. لم يعد الزجاج الحاجب المثبّت داخل عينيَّ يصلح ليحجب عني أشعة بنفسجية سربّتها شموس مصطنعة ..
في العاصمة كل أصناف النساء ...
في الأحياء التقليدية لا زالت التقاليد تطبع وجودها في ذاكرة كبار السّن من اللّباس التقليدي إلى الجلسات النسائية و السهرات خاصة في شهر رمضان مع لعبة " البوقالات " و الفال و هي قصاصات ورقية تحوي مجموعة من الجمل قد تسمى قطع شعرية لكونها في أغلب الأحيان مقفاة، بالمفهوم العامي أو حكم لها معنى خاص تقرأ باللّهجة الجزائرية تجتمع عليها النّسوة .. بحيث توضع في إناء ما و تسحب في كل مرة واحدة تعتبر بمثابة الفال السعيد بالنسبة لساحبتها .... مجرّد خرافات تركها السلف و قاطنو أحياء العاصمة الحقيقيين مثل حي القَصَبَة العتيق ... قد تتشابه العاصمة مع قريتي في جوانب ما منها قضية التقاليد لكن بأقل وطأة ..
كنت في سمائي الحرّة أحلّق متى شئت و أسافر متى شئت و أنام متى شئت و أستيقظ متى شئت ... لا شيء يردعني غير هاجس الإجازات و إجبارية السفر إلى قريتي لقضائها هناك ..
كانت لي مغامرات نسائية خارج حدود كليّة الحقوق حتى مع نساء يكبرنني سنا ... محاولة مني لقبول منطق غريب عني تماما و خط أحمر لم يكن بإمكاني تجاوزه، و هذا ما حدث، مجرّد تطلّعات نحو سماء كنت أراها تنتمي لكوكب آخر غير ذلك الذي ضمّ طفولتي و سرّح شبابي و أرغمني على الصعود لاهثا فوق أدراجه الموسيقية و صخب الاحتكاك بالحائط الملاصق ...
مجرّد اهتزازات على مستوى سلّمي العاطفي و ارتجاجات مسّت أعمدتي السطحية، لم تخلّف غير قطع متناثرة سرعان ما هزّتها رياح الخريف و ألقتها بعيدا حيث تجمع مهملات النّفوس و ذخائر الذاكرة المنسية ...
لا بأس .. قررت أن أفتح حقيبتي الدبلوماسية التي تحوي وثائق جد سريّة عن مرحلة من حياتي أردت ردم أنقاضها .. ودفن رفات الأحلام المنتحرة على ضفاف نهر الحب المستحيل .. و عن قصة الموت التي تربّصت بي على جذع كتاب بائس .. انتحر برمي نفسه من أعلى رف ..
كنت حينذاك مشروع قصيدة لامرأة أضاعت حروفها عنوة ... و راحت تبحث بين أشلائي عن عنوان تضمّه لقائمة كتبها المحنّطة و المخبّأة بعناية امرأة داهية، تحت حقول ملّغمة .. قد يفاجئك انفجار ما إذا ما حاولْت تقصّي حقيقة حرفها المغمور بغرور قاتل ... أو تتبّع رقعة ثوب خلّفتها أميرة هاربة بين سطورها ... كانت هي .. امرأة من زمن قديم لا زلت أتبرّع له كل سنة بقطرات من دمي ليبقى حيا ... مدينا لي بحياته .
استوقفني جبروت أنثى الشال الغامض عند محطّة الاعتراف .. و كان ذلك الجزء المعذّب من قلبي قد بدأ يمارس طقوس احتضاره فأعادت إحياءه بقطرة عطر سكبته ليلتها على جرحي العميق .. شيء ما يشبهها .. تفاصيل جنون نسائي متمرّد .. ياسمين مجفّف على عتبات بابها الموصد، ضباب ما يسكن وجهها .. بريق خافت أرسلته سماء تلك اللّيلة ليدّوي بأعماقي و يشعل جمر الذكرى .. و كأنّه نداء اشتعال مزدوج .. رقصة بلورية تمدّدت لتوقع بزجاج أنهكته قذائف الحنين فجرحتني في الصميم، مزحة، خرافة، انبعاث قدر من عمق السماء ..
بعد أن أتممت دراستي و توظّفت ..
عدت بعد سنتين بشوق كبير يعتريني للتسكّع داخل الجامعة .. كنت أحضر لشهادة الماجستير .
حين رأيتها أوّل مرة كانت تبدو شاحبة .. مسحة حزن و ألم تعتصران وجهها النحيل لكن شيئا ما بملامحها يستنطق شرعية الحب بداخلي .. سحر ما يحاورني من خلال مشيتها المترنّحة .. الممزوجة بشيء من كبرياء قاتل .. و وهن تداوى من عنفوان جسد ..
تلك الأنثى لوَّنت بشحوبها سماء ذلك اليوم الكئيب بلونها الأشقر و كأنّها تصنع لنفسها شمسا أخرى بحدود جغرافية أقل جرأة و أقل شاعرية من تلك التي ترسمها شمس المغيب ..
صنعت لي من خلال إطلالتها من نافذتي المعزولة و ما يحيطها من حقول زهر قاحلة مجدا آخر، حين تسلّقتها لأصل إلى فردوس الكلمات .. و أُرصِّع بها تاج مملكتي ..
كانت أنثى ... بطريقة يختلف معها اللّفظ إذا تعلّق الأمر بأجيال نساء .. و كأنّ الكلمة تحمل بين حروفها ألغازا تواريها انحناءة الحروف و الرّسم المتشابه .. تماما كما هو الرسم الخارجي لجسد امرأة بحدوده المشّعة أو الخافتة أو البرّاقة بتواطؤ كهربائي مخادع، كانت هي من أولئك اللاّتي يزدن الشمس تمرّدا و رغبة في التوّهج، نكاية في الغيوم المتجّمعة من سجائر رجل مكابر و بقايا احتراق لامرأة فقدت رونقها و سحرها و جاذبيتها على أنغام عود لرجل تعلّم العزف حديثا فكان سهلا تعثّرها بظل قامة رجولية فارهة ..
كنت أنا فقط أعرفها من بين توأم الكلمات المتشابهة و توأم الأجساد النّحيلة المتشابهة و فساتين السهرة التي تحمل مقاساتها و الأحذية العالمية التي تدندن و ترقص على أرضية ملساء، فيختلف الصدى من مشية لأخرى، كنت أعرفها من عطر لم أشمّه عليها و إنّما صنعته لها من احتراقي، عطرا تصوّرته لها من وحي قصائدي .. كنت أحسن رسم شكلها بطريقة يتكّهرب معها قلمي و تتزيّن لها الصفحات و تنحني لها السطور ..
و كنت حينذاك جاهلا بأصول الحب و شعوذاته، كانت تصغرني ببضع سنين لتوّها داست تراب الجامعة ... لكنّها كانت بحنكة جيش من النسور و سرب من الحمام الزاجل . تعرف تماما أين تضع شفرة كلماتها لتقطع بها صمتي المتواري خلف قصيدة شعرية ... و متى ترفع إشارة التوقّف .. تعرف متى تخفض راياتها و متى تستعملك وتدا لتعلّق عليه رغباتها و ميولها ثم تطوِّع الرّياح حتى ترفرف بك .. كراية لوطن جديد .
تلك المرأة علّمتني كيف أصنع من الأحاسيس المشرَّدة بين أوردتي و شراييني حبا تعترف به كل القارات و كل العصور .. لكنّها كانت قاسية لحدود المستحيل، متجبّرة لحدود عاصفة ثلجية، قادمة من عمق الجليد، رشيقة الخطى، حين تسير على حبل أفكاري تقطعه في ثوان و ينهار ما بعد خطاها ..كبرياؤها الصاعق و لحظات جنونها قد تفجّر ألغام العالم المتوارية، المنتظرة في خبث مرور تاريخ كي تدنّسه ..
كانت مصابة بداء الهبوط في القلب، أحيانا كثيرة كانت تقع و تنقل إلى المستشفى شبه ميتة .. حين تعرّفت عليها أوّل مرة كانت تقرأ ديوانا شعريا لنزار قباني و قد أحاطته بكامل أناقة اهتمامها و تزيّنت له كما لو أنّها قصيدة ستنافس قصائده، امرأة تثأر من الكمّ الهائل من النساء، المتربّعات على عرش الأسطر .. و كأنّها تغار من هفوات الكلمات ..
كان ذلك الصباح شاعريا و كأنّه يحاكي قصيدة حب . حتى إطلالة الشمس كانت خجلى تختف من الحين للآخر بين الغيوم السمراء كامرأة تحتمي بشالها الأشقر من نظرات عاشق متطفّل.. يوما من أيام البدايات الهستيرية لأيلول، الذي قد يفاجئك بشمس حارقة تخادعك حتى تنثر ضجيج أحلامك عليها ثم يغيّر رداءه و يمطر ليجرف معه ما استحال تحقيقه منها .. فيلقّنك في ثانية مرهفة الإحساس فن التشاؤم و الرغبة في انتحار مفاجئ على ضفاف نبع الصفحات الشاحبة .. و رقصات المطر الحزين .
تماما يشبهها ذلك اليوم في انقلاباته، في شجنه المسكوب في فنجان قهوتي المر و كنت بحاجة لأن أتجرّعها لأفقد وعيي و أتوه في عالمها الكئيب .. قد يوصلني الانتحار على عتبات نهرها بفنجان قهوة مسموم، إلى التصنُّت على ذبذبات قلبها الهزيل .. قمّة السّحر أن تسكن شغاف قلب عليل .
حياة شهد
09-22-2012, 08:43 PM
* الجزء العاشر *
وجدت في فكرة الحديث عن نزار قباني جسرا يوصلني بها، امتدادا لسلسلة الجسور المقطوعة قبلا و كأنّها كانت تفتقد لمُلْهِم هو صانع كلمات و امرأة تقتات منها، فاتحة كتاب جديد بيننا، رحلة كلمات لتوّها انطلقت ..
قلت لها : و قد استاء أيلول فجأة و أرسل زخّات استيائه لتعكّر طقسا تبنّاه الربّيع على حين غفلة :
- نزار قباني و صباح أيلولي ... قد تحتاجين لمضلّة تخفين تحتها رقصات شعره المجنونة ... خاصة أنّ أوراقه في جلّها " نساء مختفيات " .
رفعت رأسها دون عينيها و كأنّ حرفا ما قد سجنهما ..
الحروف في عالمي نساء و قد تكون في عالمها رجلا، أو لمسة شعرية متزاحمة العهود الرجالية،| تماما كما هي ربطات العنق، تلك التي تتكئ عليها أنثى كلّما شعرت بحاجتها لرجل و كأنّ الرجولة في زماننا تفتقد لشيء من خصوصياتها، فتتخفّى تحت شرعية معقودة .. لذلك خفت أن تكون بذلك مرتبطة أو متورّطة بمشاريع ارتباط ..
قالت :
- رقصات الشّعر المجنونة قد تستهويك و أنت تحت المطر ... تحتاج فقط لشيء تحمي به الصفحات من التلف .. فكلّ ورقة يتلفها المطر هي إسدال لذاكرة و تمزيق لشرعية امتدت مترابطة .. لذلك أنا أرفض أن يتذمر المطر على صفحاتي .
قلت :
- قد يكون ذلك صحيحا .. لكن الزّكام أيضا شعر شرس ..
ابتسمت و قالت :
- فليكن .. لست أخشاه بقدر ما أخشى فضيحة مطرية، تتصوّر فصولها بنشوة انتصار فوق كتبي . تفكّ الحصار عن أسوار الكلمات، فيتطاير الألم بأجنحة متعثّرة و يتبعثر .. هناك و في المدى البعيد .. فلا يمكنني معايشته بطريقة مبتهلة .. و بنصف رغبة في البكاء ..
قلت :
- بنصف رغبة في البكاء ... !! و هل يصّح تجزئة الرّغبات ..؟ و كبت الدموع .؟
قالت :
- قد يحدث ذلك إذا امتزج الضعف بلحظة كبرياء قاتل، يهزم نصف الرّغبة و يدع نصفها الآخر يتبعثر على أمل اللّقاء، على أمل الخطيئة و لحظة شجن تبيح لمَا بعد الغرور التصنّت على رقرقة الدموع و هي تتجمهر محاولة لعقد اعتصام يطالب بحرية الانهمار، ألا يقولون أنّ الخوف يولّد الاستسلام ..
الهزيمة النّصفية و ترك النّصف الآخر لطواعية الألم و كأنّك تهزمه بطريقة التعذيب النفسي . كأنّك تقتصّ من لحظة الضعف تلك التي جعلتك تبكي .. رفضا لكل ثانية ضعيفة .
قلت :
- حتى البكاء .. يصلح ليرضخ لفرضية الهزيمة أو الانتصار .. ألا تعتقدين أنّ ذلك من قبيل الجنون .. و الهمس الكاذب ..
قالت :
- أنا لم و لن أجبرك على أن تسلّم بأفكاري .. هي رؤى شخصية أكتفي بعرضها متى شعرت أنّ المتلقي يصلح ليشرب من مائها العكر .. فتموت رغبة العطش لديه كلّما .....
ثم صمتت فجأة دون أن تُتِّم جملتها و كأنّها كانت في لحظات تجربة و خواطرها المجنونة .. كأنّ لغة الانتصار استفحلت فجأة لتردع لحظة ضعف فاقت حدودُهَا، طاقتها لأنّها كانت ترغب في البكاء ثم أجهضت رغبتها كلّها ليس فقط في نصفها الذي ادعته لتوّها .
و مع ذلك كانت أذكى من أن يفوتها تلميح تشكيك أو ارتياب ..
قالت :
- البكاء أمام رجل لا يحتاج لهزيمة أو انتصار، هو الجنون بحدّ ذاته و الذي يحتاج لطمس أجزائه الأربعة .. تبقى فقط معادلة رياضية تحلّ بطريقة الأرقام و الحروف المشفّرة و هي لعبة سهلة بتعقيدات عقلية، فكرية محضة، تنطوي على خدعة بصيرية، تتواري كي لا تدركها الأبصار، يجيدها فقط بعض الشعراء و الأدباء .. لأنّها تحتاج لذكاء خاص . و هي الصفة التي لا تتوافر في الكثيرين ممن يجيدون لغة الحروف ..
وجدت نفسي أشاطرها الرّأي فجأة و كأنّي أبحث لنفسي عن مكان ضمن الأمكنة المحجوزة مسبقا لمن تراهم أهلا لمداعبة ذكائها، كأنّي بموافقتي أحاول إقناعها أنّي ممن تتحدث عنهم و لها أن تمارس طقوس استجلاب لقوى خارقة تفجّرها على أوراق مخيّلتي و فكري و كنت على استعداد تام و مربك و متوتّر، كنت أُبْقِي على شعلة الذكاء التي خزّنتها لسنوات متّقدة، بل أزيدها اشتعالا و اتقادا مع كل نظرة تحدٍ تصوّبها نحوي و كأنّي في أيّة لحظة خمود قد أفقد تواصلها و وصالها و ينقطع بذلك حبل التواصل الفكري المعقود بلعبة كلمات لطالما اعتقدت أنّي مالكها . ذلك أنّها كانت ترفض أن تضيِّع ذكاءها على جثث رجال، بعقول متحجّرة .. أو أن تورّطه في قضية جنون فاشلة .. !!
كان منطقها غريبا لكنّه نال من نفسي و أربك دفاتري و أخرس حروفي الذابلة على إثر شمسها الحارقة .. لأوّل مرة تفقّدت أحراش ذاكرتي المتراكمة و ما فعلته بحديقتي و أزهاري . لأوّل مرة بحثت بين أدراج طفولتي، لأسترجع جزءا من مهاراتي في اللّعب و في التفكير و التأمل و الاستفراغ فجرا من كل الشوائب التي علقت في كل ليلة فائتة .. حتى أبدأ يومي طفلا جديدا للتوّ خرج من رحم الحياة .. يبحث عن رغيف أنثى، كي يواسيه في لحظة صراخ و كأنّ الثّغر المملوء يُسْكن فجوات الألم ..
أطفأت شعلة كلماتها بنقطة نهاية مستبدة، أخرستني و أنا بعد مشروع حرف .. ثم أسدلت صفحات كتابها في حزن شديد و في رقّة شديدة أيضا و كأنّها ترفض أن تربك حِسًا كان ممدّدا بين الحروف، كأنّها خافت أن تمزِّق خيوط زوبعة من مشاعر أو أن تجرح لحظة حب عاشتها و هي بين السطور و استأذنت دون أن تلتفت نحوي و غابت ..
حياة شهد
09-23-2012, 11:04 PM
* الجزء الحادي عشر *
غابت .. و هي تنثر دخان سجائري فوق لوحات الخريف العارية ... فتكسوها حلّة من ضباب حجبت عنّي الرؤيا .. كان خريف تلك السنة بنكهة شتوية خالصة و مذاق صيف منتحر على عتبات الشتاء .. امتزجت على حوافها خصلات الصّقيع المنسدلة في غير اهتمام و الشحنات الكهربائية لأيلول و ضفائر صيف ملتوية، قد تعبُر جسر مساء ما .. لتنقل عدوى حمى ساخرة ..
غابت .. و العناد المرسوم فوق شفتيها، حتى قبل أن تلتئم لديها رغبة الإدلاء، يشنق شرعيّتي .. و يفنّد لحظة عشق تناثرت حبّاتها لؤلؤا شاحبا فوق عمرٍ تقاذفته النساء .. فتلوّن المساء بلون خيبتي .. و شيئا من شحوبها ..
غابت .. كما لو أنّها مزّقت بغيابها، جريدتي لعمرٍ قادم .. كما لو أنّها استقالت منه فجأة تاركة له خيار النسيان و النسيان .. !!
و كنت حينها لمساءٍ آخَر، و آخِر مساء بعد فاجعة اللّقاء المغرور، في أشدّ لياقة غروري . ما كنت أرضى لامرأة أن تصفع ببلادةٍ قصائدي المحاكة على ضوء شموع الفاتنات .. و لا أن تتدحرج من فوق كلماتي لمجرّد المرور الكريم .. ثم تغادر أفرشة الذكرى متى شاءت هي .. و قبل أن أوقّع لها سند الرحيل .. ترحل هكذا و تتركني واقفا، مشدوها، غارقا في بحر صمتي الخامد، الذي لا تهزّه عواصف و لا رعود .
كانت تشبهني في شحنة الغرور الزائدة .. و في الرّصيد الهائل من الحروف، لذلك كانت قوية ... و كنت أخاف ممن تجيد ممارسة هواياتي ..
كنت حين أكتب أصنع لنفسي امرأة و أدمّرها أو أسجنها أو أقتلها كيفما أشاء و كأنّ الحروف صيدلية سموم، أبعثرها بين السطور لتتجرّعها أنثى، اختارت الانتحار على عتبات شعري .. كل النّساء حروف عشوائية، إلا تلك المرأة .. انساقت لها الحروف في طواعية كما لو كانت ستشنقها، ستقتلها ..
وكأنّني خفت أن تسجنني في صفحة قرأَتْها ذات مساء و هي تقلّب دفاترها القديمة و دواوينها القديمة و نزارها ذاك الذي تحدّتني يوما عبر صفحة جريئة كانت تقرأها له، فكان أن تعرّت التحديات من سذاجة السكون و تصبّبت تحرقني بلهفة كانت سجينة الصفحات قبلا، تلك الصفحة التي كانت تشبهني لمجرّد أنّي تحرّشت بها في حضورها، في لحظة سحرية انطبقت مواصفات الرّجل المحنّط بين حروفها عليّ، قرّرت أن تعذّبني بها و المرأة بطبعها تميل إلى التعذيب النفسي و إلى المكابرات الحرفية .. فأين سأجد كتابها هذا .. ؟ و كيف سأفكّ رموزه المشفّرة .. ؟ و كيف أواري دفتري المشنوق بحبل أفكارها .. ؟ و جثث الدفاتر قد لاحت فجأة و حجزت ضِعْف المسافات .. كيف لي أن أطرد شبحها .. ؟ بعد أن تجاوزتني هي ببرودة دم و غابت ...
كنت ألتقي بها عادة و هي جالسة في حديقة الجامعة، تجلس وحيدة غالبا .. أشدّ ما جذبني إليها مطالعاتها الكثيرة و كأنّ قلبها المتعب يتنفّس أكسجين الكلمات و يضخّ آلامه حروفا " حرفا، حرفا " حتى تدبّ فيه حياة جديدة .. حتى في حواراتها و أحاديثها مراوغة كلامية، و كأنّها تستنجد بها عند كل عاصفة شعرية مفاجِئة، لحظة ضعف تنخر جدار التماسك الصلب، فيتفتّت و يتبعثر على أرضية المشاعر كآنية من فخار ... حتى و إن كان الحوار عاديا، فزوبعة كلماتها تلفّك و تدوّخك و تأخذك بعيدا لجزيرة نائية ... على ضفاف بحرها الأشقر بحدوده المبتورة القسمات .. تنسخك كزهرة ياسمين كي تسفك على حدود وريقاتها دم الأمنيات .
يلفّ تلك المرأة غموض قاتل .. رحلة في متاهات التاريخ . حتى عندما جمعتني بها الصُّدف و تعرّفت عليها من خلال صديقة كانت زميلتها من أيام الدراسة الثانوية تنكّرت لي، و لم تعرني من اهتمامها القدر الكافي الذي يرضي رجلا بمثل شحنة أحاسيسي المرهفة .. كأنّها كانت تقصد تحقيري حتى ترضي غرورها المجنون .. كأنّها أطفأت لقاءها الأول بي كما أطفأت شرارة الحوار الذي جرى بيننا ذات يوم، كأنّها أوصدت صفحة خريفية في وجهي و صفعتني بها، فكان وقع الكلمات المتساقطة على وجنتيَّ قاسيا . صفعة شقّت خارطة ود و عتاب صمّمتها صدفة لقائنا . كانت صفعتها مدمّرة، امتدت لِمَا بعد انتكاسة الخريف تلك .. لست أدري كم مرّ من الوقت حتى شفيت منها .. !!
اكتفَت بالقول " معريفة خير " دون أن تعلن للذكرى أنّها رأتني قبلا، أو أنّها شوّشت بفلسفة حديثها .. تاريخي .. قلبت صفحتي لتنتقل إلى صفحة اللاّمبالاة من خلال مخطّط جفاء محفوف الجنون .. حمَّلتني عدواها لليال طوال ..
علّمتني تلك المرأة كيف أجن و أمارس طقوس الغضب الحارق بين جدران سجن غرفتي و أصارع شبحها المتصوّر على قارعة طريق سكوني ..
ذات ليلة كنت ممدّدا أحاول عبثا الطفو فوق مسبح أفكاري و كان عميقا جدا .. و حتى لا تنكل الحيتان بجثثها .. علّني أتعلّم فنون الموت البطيء، دون رعشات و دون خجل ممن يترصّد سكرات التيه التي تتخلّلني، كلّما استدرجتْ أنثى .. خواطري إلى جزء نائي من ذاكرتي .. أنثى ليست كأيّة أنثى .. و كأنّها الجيل الوحيد من النّساء الذي يحمل مواصفات أنثى .. كأنّما شحنة الأحداث الأخيرة و صدف اللّقاء المجنون قد جلدت مرقص الكلمات العابثة، التي لطالما آثرت الاهتزاز العشوائي دون الرُّسو على حدود ميناء رواده أصحاب الطبقات العليا من مجتمع الكلمات الهادفة ..
رفعت قلمي و كأنّ نزوة اتزان ما، عصفت بحروفي الطائشة و العابثة و كأنّها الرغبة في الاستقرار بعد طول شتات .
كتبت على دفتر جديد لا يمتّ لها بصلة :
" في وقت تصدَّرت فيه أخبار الغزو الشاذ صحف الصباح و لم تترك للمساء غير الابتسامات الباهتة و الضحكات المنكسرة و لفائف التبغ المترنّحة بين أفواه مدركة و أخرى غابت في متاهات عدم الإدراك .. ساد القرية سكون تام، بعد ليلة مجهدة بكوابيس و لقطات كاذبة لانتصارات واهية وكأنّه النّصر الكلاسيكي، حين يرتدي حلّته الجديدة .. حلّة التمدّن ..
في زمان مضى، كنت أحيك قصصي من قصص جدّتي و تلك التي كانت تتقاذفها الألسن في شكل سلسلة مترابطة من الثورات و الفارق بينها يكمن في اختلاف اللّغة و الدين و عدم شرعية التمرّد .. و الاجتياح العاطفي المغمور بسطوة التملّك ... كانت حياكتي تصلح لأن يرتديها الوطن في لحظة تعرٍ .. ( تماما كما كانت هي حين يعتري سطوري شتاء متمرّد ) .. تنحني فتتغطّى الكلمات بظلّها الصيفي، تتبخر لعنات الشتاء لتُكَوِّن سحابة تظلّلني لسنة شتوية أخرى ..... الوطن .. حين لا يجد معاطفه الصوفية و (قشابية ) الأجداد الدافئة في عزّ البرد ... حين لا يجد بين الأفواه الممتلئة ( حشيشا ) نفسا دافئا يلطّف هفوة الشتاء القادم باكرا و كأنّه يتنكّر لتعاقب الفصول، يسترزق من الكلمات و يشعل لهفته المنكوبة بين زقاق مدينة نائمة و ينفث دخانه فيها ، حتى يغطي الضباب كهولة شوارعها .
كنت أستلهم من نشيد الأوطان لأكتب الشّعر، فكل دفقة شعورية يؤجّجها حنيني و حبي ( المفجوع ) لوطني و ترسّخها خربشاتي ( اللاّعشوائية ) على ورق حقيقي من شجر تغزّل يوما ما بجسد شهيد، انحناءة موت متعالية .
كنت أحفر في غابات شعوري، علّني أجد متكأ لحروفي المتدفّقة و نفقا طويلا يحرّرني من جنون الكلمات ... و غطرسة الأسطر المتمايلة و كأنّها تدعوني لأن أنحني لها ..
كنت أُعلِّق أشرعتي على أعواد الكبريت الهزيلة ... ( فقط ) ... لأجد روحي قد تأجّجت و حبست من أنفاسي أشدّها حرارة، لأبحر على وقع أعنف عاصفة غيرة على الوطن و على المرأة التي لها شموخ وطن و لوعة حنين للوطن ..فكانت وطني ..
حياة شهد
09-24-2012, 09:49 PM
* الجزء الثاني عشر *
...... كنت أجرِّد كتبي من أحرفها الغزيرة، لأُوَّطن الكلمات اليتيمة ... لأنّ وطني كان قادرا على أن يحوي المزيد و المزيد من الصفحات المتراكمة، تماما كما كان قلبي متّسعا يضمّ ألف علبة تبغ تشتعل سيجارة واحدة وتسارع في الاحتراق لتخلِّف من رمادها رجلا آخر ( و سيجارة أخرى ) مستعدّة للاحتراق لأجل الوطن و لأجل الحبّ أيضا ...
كنت أَعُّد أنفاس جدّتي، لأُكَوِّن غيمة تسكب فيضها لي بتَأَنٍ شديد، تُطربني كلّما بكت .. لأنّ كل لحظة استشهاد كانت ترافقها زغاريد و بكاء ممزوج و إعلان زفاف ..
و الآن أبحث في قبو قلبي المملوء بالثغرات و بالأنفاق الملتوية و بالمتاهات المظلمة، فلا أكاد أستبين حتى طريق العودة بعدما لفَّنِي الدّخان بسحبه المحتقنة، كأنّها خُنِقت برياح موسمية غاضبة .
لا أكاد أبصر في ظلّ الرّكام و الغبار المتصاعد، حقيقة الحروف المبعثرة دون انتظام ...لا أكاد أشعر بتلك اللّسعات القاتلة و لا بتلك الأشواك المزروعة بجسدي بتفنّن شديد ... و كأنّي فقدت إحساسي تماما، كما يفقد الشّتاء رداءه البارد ليتعرّى أمام لسعات الصّيف ومداعبات الخريف و نسمة الرّبيع التي فقدت الكثير من حنانها ...لا أكاد أرفع بصري المتهالك على أريكة الظلم و الجور...
لا يستوطن سمعي، غير تلك الأناشيد التي قرّرت أن تأخذ قيلولتها أمام منظر الدخان و الموت، فتُضَيِّع لحنها و تتبعثر كلماتها و تغرق في دلال أنثوي ..
لم أعد أعرف حدودي و لا اتجاه القارات ...لم أعد أفرّق بين حروف اللّغات ...
لم أعد أستطيع أن ألملم شَرْقِيَّتِي بعدما تفتّتت جغرافية العروبة....
أي فريق قد أستجير به أهو العربي ..... أم العربي .... ؟؟؟؟
ضاقت أمام نظري المسافات و اغرورقت الحروف بالدّمع فلا أكاد أكتب كلمة، حتى تغرق الصفحات في نحيب عاصف ... تختلط السطور ... فلا أكاد أفهم شيئا .... فقط تراءت لي معالم النّزيف في لغتي العربية و الانشقاق في وطني و حرب أهلية تهدّد مرتع الشّعر في نفسي و موطن الآهات في جوفي ... توقيت عصيب ذلك الذي ضيّع قلمي بين وطنٍ و هي ... "
*****
حتى جنسية الكتابة فقدتها، فكانت كلماتي صاعقة بمنطق غريب .. و بانقلاب غريب .. و بخلفية تاريخية رهيبة ..
قد تدّمر في الشمال، البيوت المتهرّئة بلفحاتها الحارة و تلّطف حرارة صيف الجنوب بقبلاتها الباردة ...
حتى العواصف تتلّعثم أمام الفارق الجغرافي .. و خطّ السير الملّغم بمفترق طرق فجائي . فلا تنطق بحقيقة ميولها المدّمر بل تُرسِّبُها لموعد آخر .. و إشعار آخر و نداء عاجل يطلب فيه صاحبه بانحناءة مكابرة، زيارة خاطفة منها تبثّ الرّعب في أواصل المنحرفين و فاقدي التوازن من السكنات الهشّة المحتملة الانهيار ...
............
دمّرتني تلك المرأة بإعصارها الملكي المفاجئ و كأنّها رصدت سحرها لتزعزع كياني و تحطّم بهزّة أنثوية عنيفة، أعمدتي التي لا تتوافر على كمية الحديد المصرّح بها عالميا ..
جاءت لتقضي على فوضى البناء العشوائي ...
جاءت لترفع عني غبن الأعراف الغربية التي تلَّبست جدران قصري ..كأنّها نبتة برّية تسلّقت بعدوانية شديدة، واجهة بيت أرضي معلنة سخطها على كل النباتات التي تحمل هوّية ... منتقمة من انتمائها البرّي اللّقيط ..
جاءت لتقتلع الأحراش عن مواقع مجهولة من ذاكرتي، تعيدني إلى أصول شرقيتّي و ترفع على مسامعي أنشودة الرّجل الشرقي الغيور ... التائهة بين ألاف مقطوعات الطفولة و الشباب و ما بعد شباب أتقن الرجولة ... شرقيّتي التي انشطرت و تبعثرت بين أجيال عمر مغتربة و أخرى احترفت التسكّع فضاعت بين طرقات مكتظة بالألم ..
المرأة الأولى، أنثى الشال، المسجونة ذكراها بين جدران ذلك الملهى و في وشم ذاكرتي .. حين اجتاحتني بشَعْرِها الممشوق كأنّه اقتباس لأنثى ... اتّكأت على جرح آخر لتوطِّن جذورها و ترسخ ذكراها المشبوبة بالغموض . و كأنّه تحالف نسائي ..
جاءت لترشق نافذتي المكسوّة بعصور من زجاج، تتحطّم عليها كقطرة ندى جريئة، لتكسر منها ما يعكس الزّيف الأنثوي شيئا فشيئا و حتى تبقى نافذتي معطوبة الأطراف .. بعقدة مصوّرة بكاميرا هاوية ..
كلّ أنثى لها درجات مجون .. كلّ النساء بنسبة مجون خاصة .. تماما كالخلايا السرطانية الخامدة أو الثائرة، قد تفيق يوما بجنون و قد لا تفيق .. و قد تفيق بهزّات خفيفة توقّر مقدّسات الأنوثة .. لذلك رفضت أن تكون خلايا أنثاي قد استفاقت قبل أن أداهمها بحنكتي، أقتل فيها تلك التي تعشقها الأورام الخبيثة الرّاغبة في التفاقم و السّيادة، قبل أن ألقّنها تحيّتي الصباحية و المسائية، قبل أن توقّع لي عقد ملكيتي على خلاياها الدماغية و الجسدية و الرّوحية .. كنت أرفض ذلك بتجبّر شديد و وصولية قاتلة .. كنت أريد أنثى لم تفق بعد من سباتها الطفولي ..
لم أكتب شيئا قد يشي بحقيقة انتماءاتي العاطفية غير وشوشات مشفّرة، رموز عبث ملتوية القسمات و مواقف شعرية قد تفضح نزوات و ميول زائفة .. كانت سلاحي الوحيد في وجه الزّيف و الخديعة .
في حقيقة الأمر لم أكن رجلا بقد عبث فاره . بل كنت رجلا ارستقراطيا جدا فيما يتعلّق بتصاميم الأنثى التي أريدها، بمثالية عالية، حتى الملامح أكاد أرسمها من وحي رغباتي .. حتى الانعكاس على المرايا و خصلات الشمس المرسومة بحمرة خجل على وجنتيها، حتى أثوابها أكاد أفصّلها على ذوق شاعريّتي، بإطلالة شموع و غمّازات قمر، حتى بريق عينيها أحجزه لنفسي و أبعثره في اللّيالي الحزينة، حين تسودني سحابة غثيان من رائحة العطور الفاخرة مع نقطة استفهام عميقة، و كأنّها تحوي لحظات تشكّك ضمن مزيج الزّهور .. تلك المرأة التي صنعها تاريخي مع النساء لازالت شظاياها مبعثرة في أنحاء العالم .. لست أدري كيف يمكنني أن ألملمها في ظلّ التشابه القوّي و العنيد و قوائم النساء و الظلال المشوَّهة المنثورة على حواف الطرقات .. لوحتي هي .. أرسمها كما تشاء ريشتي و أتحدى بألوانها الخارقة أشهر لوحات المتاحف العالمية ..
ما عزفي على أوتار النساء إلّا ارتقاء أفكار، تحميض صور و صقل مواهب و تسلّق سلم موسيقي لأصل إلى نشوة الانتصار، بعثوري على امرأة بمواصفات عود عربي أصيل .. لم تُدنِّس أوتاره أنامل عازفين عابري سبيل .. من خلال جسر أسسه مرمّمة، قد ينهار في أي وقت .. و في أيّة ساعة دون أن يولّي اهتماما بثانية المرور و لا بالشخصيات المرموقة التي قد يكون مرورها معاصرا للّحظة الانهيار ... كانت هذه فلسفتي في تصميم نموذج أنثى .
حياة شهد
10-13-2012, 08:16 PM
* الجزء الثالث عشر *
جيناتي الأخلاقية سليمة تماما، لا توجد بها خدوش و لا وصمات و لا وشم قد يعرّضني لمساءلة شعرية أو نثرية .. لأنّي كنت رجلا شرقيا أتنفّس شرقيّتي و أطرح منها الأنفاس الملّقنة ..
عندما دقّت خلاخل تلك المرأة تحت نافذتي . تيقّنت ساعة الرّحيل، فأعددت حقيبتي و جلست أنتظر مرور قاطرة الشّجن الكلاسيكية العتاد، بكراسي مطرّزة و ممر يشبه خط سير عروس .. دقاتها فرعونية متجبّرة .. جاءت قويّة في منتصف ليل العمر و كنت استلقيت لتوّي على سرير شراشفه ثلجية بأصول شتوية خالصة لم يعكرها الخريف بنزعاته الترابية و تقلّباته .. و أوراقه المتناثرة مجهولة النّسب ...
كنت قرّرت لتوّي فصل أبوّتي عن أمومة زائفة، تهيّأت لحضور حفل تأبين لصور نساء منزوعة الملامح، فقط الظّل ينْحِتها بجسد امرأة .. فوق أرضيّتي الخشبية الشاحبة، تماما كملامح الخريف .. لأنّي أخفقت في نيل وسام أجمل تصميم عن امرأة، كانت في تلك الأحيان مختفية في غياهب الدنيا .
ظهرت فجأة و كأنّها شمس أشرقت بعد ليلة جليدية و كانت حارقة لدرجة أنّها في ثوان أذابت كتل الجليد و صنعت لنفسها بين الطرقات نهرا جديدا، يجرف كل اللّوحات التي أضاعت ألوانها حين استسلمت لخريف شاحب .. الرّبيع سلَّم لها ألوانه، بافتتاحية شرقية صامتة ..
تلك هي لوحتي باذخة الطفولة التي تحتمل ترسّبات كل الفصول، تشنق نفسها كلّما تعالى زجاجها و اعتنق مذهب الضباب ليغطّي قامتها الشاهقة بين آلاف اللّوحات المتحيّزة لصفة أنثى ..
هي أنثى الحروب النّفسية .. و توسّلات الجدران بأن تُعْتِقها و الهالات السوداء للمرايا من شدّة السهر على خدمة انعكاسها و تصبّب زجاج النوافذ بندى طلَّتها .. كانت هي ..
حربا طفت فيها أصداف البحر فوق سطحه و كأنّها تمهيد للتراشق بالصّدف ..
تماما كما كانت صدف لقاءاتنا خارج الجامعة بانحناءات مكابرة و تنكّر ساحق، تعتريني كلّما تمتمت للّيل أن يسكب جرأة التحرّش بأنثى .. فتصمت شرعية النّساء و يفنّدني الصراخ كقصيدة منتشلة ..
كان الخريف كبحر علت أمواجه فأصابت أشرعة أَعدَّت خصيصا لتداري لحظات البكاء فمزّقتها، امتزج وقار البحر و تعاليه بسذاجة الدموع، لحظتها أعلن المدّ و الجزر ميلاد حب شوّهته الطبيعة و حركة المياه العشوائية المتألّمة بدهائها .
أيمكن أن أصفها بالساذجة .. ؟
و هي التي تغابت لتفضح ذكاءها .. و تهاوت على بحور شعري حتى ألبستها تاج وقارها .. خرجت من شحنة غرق . قافية ممشوقة القوام لا تشبهها قافية، حرف مسكون بهوس الدنيا لا تنطقه شفاه و لا تطوّقه حركة و لا سكون .. حرف أنا نفسي بعثرته بين خلايا لساني فخرج مشوّها لا يمتّ لاسمها بصلة .. لذا اكتفيت بالتعبير عتها بكلمات هجاء ..!! تمادت لتقطِّع الذكرى و تهزأ بما قبلها من حروف .. لذلك استغنيت عنها لأجلها و تعاهدت مع القدر على كتم أوّل حرف لاسمها حتى لا تحترق الأوراق و تضيع أمنيّتي الأخيرة ..
لست أدري إن كنت أحببتها أم أحببت إغراء المكابرات فيها ... أم أحببت غواية جفائها المسكون بحيرة غريبة ... أم أحببت تصميمها مجهول القسمات ..
في اللّيلة التي أعلنت فيها أني أحبّها .. حاورتني النجوم و كانت لحظتها غائبة في عالم مجهول .. لا أعرف عنها شيئا غير أنّها غائبة .. الأماكن التي كانت تلّحن لها قصائد نزار ساكنة تماما كما الموت .. الأشجار التي كانت تلامس سرا خصلاتها المتطايرة هادئة و كأنّها تسترجع شيئا من الذّكرى .. نبضي الذي كان يسابقني ليصل إليها توقّف عند ثانية آخر لقاء بيننا حين سألتني عن صديق لا أتذكر منه غير ملامحها ..
أيعقل أن تقسو السماء في تلك الأمسية، فتسلب البحر انعكاسها عليه فيغرق في انحلاله و يتعرّى ليفضح دواخله و أسراره هكذا .. و كأنّه يبحث عن حلّة اصطناعية تداري حاجته للبكاء المتستر .. يرفض بكبريائه التشبّه بنهر هادئ مسالم، شفاف قد يفضي بأسراره لأيّ جاسوس يجلس على ضفافه ..
تلك المرأة رغم وداعتها و تجرّدها من عجرفة البحر، تجسّست على أخطر أسراري .. و غاصت كعروس البحر بأعماق بحاري .. و امتلكت بصدّها كنوز شعري و أغواري ...
أيمكن أن يحرمني حرفها المقيم بهدنة مع الكتمان، من التغطّي بحروف أخرى، قد تكون أنعم منه و أدفأ منه معدّة للاستعمال الموسمي فقط .. و بمواصفات عالية تخدم فصول ذاكرتي و تخدم حاجتي لاشتهاء لحظات حزن .. فالحزن كان شيئا مقدّسا في حياتي، له طقوسه و له احتفالياته الخاصة و له أيضا بدلاته الرّسمية التي أستقبله بها .. و عطوره و تجاوزاته ..
أم أنّ تصميمها جاء نتيجة عمالة لمخابرات شاعرية خاصة .. بشيفرات خاصة ..
حين طفت كصدفة، أمر البحر كل أصدافه بالانحناء أمام ملكها .. تماما كما الحروف على سطح بحر الصفحات .. حين طفا حرفها، لم أكن حينها أعلم إن كنت أحبّها أم كانت مجرّد فرض وجود ..
و كأنّها بعدم اهتمامها و تجاهلها، مزّقت شهادة ميلادي و ألحقتني عنوة بملجأ أيتام بتاريخ ميلاد مجهول، رسمتني نجمة عسكرية فوق بدلات شارعها المكتظ بالنجوم التي فقدت بريقها .. يوم تخلّت عتها ..
ترى كم نجمة علّقتها ثم أعادت مراجعة قرار التعليق .. ؟ فأطفأتها بتوقيع قلم جريء و بصمة أحمر شفاه تخلّت عنه، فالتقطه متشرّد هاو للرّسم المجنون فزوّر توقيعها و أدخلته لعبة التلاعب بأسلحة أنثى غياهب الضياع ..
و كم نجمة أتلفتها أو أحالتها على التقاعد .. ؟؟ لمجرّد خطأ فنّي شاب تاريخ ميلاد، فدنا بصاحبه من عمر الستين على حين غفلة ..
أيّ قانون ذاك الذي يحمي المغفّلين في عالم الحب .. ؟ أهو قانون الأجساد أم الأرواح .. ؟ أم أصوله تاريخية اندثرت .. ؟؟
أيّ قانون ذاك الذي يحمي حقّك في التعويض عن الاستغلال التعسّفي .. ؟ لمكان نَفَضْتُ عنه غبار السنين و أصلحته ليكون جناحا يؤوي إليه كل عطلة صيفية، نجمة شغلتني ببريقها فقرّرت استنزاف بريقها و احتكار لمعانه حتى يذبل على شرفاتي، ثم أنفضه كما أنفض يوميا رماد سجائري و ألّمع النافضة لاستقبال جزء جديد من روايتي المفتونة بإشعال سيجارة و تركها تحترق وحيدة، فكلّ احتراق يسرق من الصفحات بياضها و ينثر فوقها حبرا شغلته حمى الهذيان .. ؟
أيّ قانون ذاك الذي يكفل لك حقّك في التعويض عن التلف الرّوحي ..؟؟ و حقّك بعد التقاعد العاطفي التعسّفي مع درجة الشرف التي تضمن لك رجولة أخرى .. تصلح لأن تتقلّدها أنثى من زمن آخر، لا تعترف بالفوارق و لا تُكِّن للفصول و التقلّبات احتراما تجعلها تتمادى في إهانة طقوس الاعترافات و لا تسمح للورود البرّية بالذبول على ضفاف المدينة .. ؟؟؟
أي مرتبة شرف تلك ... ؟؟ في عالم اختَّلت فيه موازين مراتب القيادة على قلب امرأة ....
كم ستكون يا ترى نسبة التعويض .. ؟؟
هل ستكون 20 ألف حرف .. ؟؟ بغض النّظر إن اكتمل نصاب القصيدة أم لم يكتمل، إن تحرّرت شهقات الألم الدفين أم لازالت مغروزة كخنجر للذّكرى . إن تفكّكت شيفرات التنهيدات المكتومة أم ظلّت غامضة تزهق كل يوم إشراقة ابتسامة ..
هل سيكون الشيك بتوقيع قلم يتنفّس الشّعر على صفحة باهتة .. ؟ ، عاشت طقوس الانتظار لأكثر من قرنين فأضاعت سطورها .. ؟؟
أم قد يكون الشيك على بياض ... تستطيع أن تُدوِّن على نقاطه الموضوعة بعشوائية تامة، المبلغ الذي تريده حسب ( شطارتك ) و طول الفترة التي استحوذت عليها خلالها ... التي استثمرتك فيها كرجل مذر للرّبح في الاقتصاد النسائي الدكتاتوري ...
لا يمكنني التكّهن فالبورصة في عالم الحبّ أكثر غموضا ... و كأنّ ضباب أنفاس المنتظرين و المساومين قد أثلج الصفقة ...
قرأت ذات يوم شيئا عن قتل الذّكرى في صفحات كتاب .. للأوراق سطوتها الخاصة و طريقتها الذّكية جدا في قتل الأشخاص .. و مواراة ذكراهم تراب الأسطر و الكلمات ..
لكنيّ رغم ذلك .... و رغم اقتناعي بفكرة الموت داخل كتاب ...
إلا أنّني كتبتها لأخلّدها ... لا لأقتلها .. لأنّي كنت أرفض أن تصبح ذات يوم مجرّد ذكرى أقرأها، دون أن تعصف بي رياحها المسجونة كمارد في كتبي، كنت أرفض أن أبحث عن شيء بداخلي كان لها، فلا أجد غير حبر جاف و تاريخ تجاوزه عمري بسنوات .. ثم أبتسم أمام رماد اشتعال كان يوما لها ثم بعثرته شواهد النسيان بين فصول سنّة شعرية حتى تحقّقت معها أمنية انتقام شتوي، فأطفأته برغبة دفينة و حقد شرس .. حينها كيف سأنفض عنّي بقايا الاحتراق الآسر .. امرأة ليست ككل النساء و جسدا نسخ نفسه و سكن أعماقي ، روحا سافرت منها لتستوطن عروقي .. كنت أحتضر كلّما مرّ طيفها على صفحاتي .. كلّما لوّحت ذكراها من علو شاهق لحرف متكبّر .. كلّما استشاطت الشمس غيظا من سطوة شروقها .. كلّما أبحر الحبر الممسوخ فوق أوراقي المبلّلة بقطرات مطر ..
vBulletin® v3.8.9 Beta 3, Copyright ©2000-2026, TranZ by Almuhajir